أنت هنا

    سندباد الجديد

    سندباد

    قمر هافانا

    رأيت القمر، أخيراً فابتسمت. قمر يعلو هافانا بصمت. يقف فوقها مثل صورة مرسومة في الفضاء. الهواء ساكن، والأضواء هافانا

    خافتة، والناس يمشون بهدوء. يجرون أجسادهم بعناء وكأنهم يريدون أن يناموا في المكان. وأقف بعيداً عنه، قمر صحرائي القديم، حين كنا نسري لنستقي الماء من عيون الجبل السرية، ونعود إلى الفيء قبل سقوط القيظ. أقف في مساء هافانا البديع، وأنا أمشي.

    في شارع "ترانزيتو"، يستحضر الكون نفسه من العدم. الكائنات البسيطة التي تبدو متوحشة من شدة بساطتها، تتطلّع إليك، وأنت تمشي مذهولاً! شيخوختها البائسة لا تخفي أعراضها المملوءة بالقشف. وهي لا تتسوّل العطف منك، حتى ولو خُيِّل إليك ذلك. إنها تحتفي برؤية الغريب، مسرورة لمروره، وكأنها لا تريده أن ينساها. أحد من عالَم آخر! عالم ما وراء البحار الذي غمرها بهمجيته، وهو يدّعي العكس، مثل كل المستعمرين. لكأن الغريب نبيّ! ألا تدرك هذا؟ ألم يأتها المبشرون من وراء تلك البحار، ذات يوم؟ ولربما كان ذلك الكذب هو ثمن الانتصار المجيد الذي تحوّل إلى موت!

    أعرف "جبهة الكتابة". جبهة الكائن الصغير الذي يملأ رأسه بالكون. يختلق المشاكل التي لمْ يعانِ منها، يوماً، ليحلّها، من أجل ألاّ تُفيد أحداً آخر. إحساس مريع، مثل هذا، ملأ نفسي، وأنا أرى إلى جاري الضامر الذي انكبَّ على دفتر صغير، يرتّب فيه مقدمات المسألة، ولواحق حلولها اللامتناهية، جالساً، مثلي، في كافتيريا "إنْغلاتيرا هوتيل" الشهير! وهو ما لجمني، زمناً طويلاً، عن القلم. الغريب، أنه قام من جانبي، وخرج من المكان كالملْسوع، منذ أن رآني أبدأ الكتابة. إننا لا نكتب بلغة واحدة، ولكننا نفكِّر بها!

    في الليلة الثالثة، أُبدّل مكاني لأصبح في مواجهة القمر، من جديد. قمر كامل التدوير. ضوؤه فضّي ناصع. يتصدّر الفضاء العلوي، بأبهة. يقول لـ"هافانا": أنتِ لي! وأراني في البوادي القديمة، ماسكاً ذيل فرسي الدهماء.

    غافياً وأنا أمشي خلف الظعون. والصوت يتردد من ذيل إلى ذيل: عند غياب القمر نمرح (من المراح، لا من المرح)! ويهزّني الهازوز، برفق: لا تنَمْ، يا خليل! يقول الرجل الراكب قدميه الحافيتين، لصق امرأته الطريّة التي تلتهم المسافات بصمت! وفجأة ينطلق الصوت منها، قلقاً: حمد، وصلنا، الوغد (أي الطفل) نام! قالتْ وهي تسندني من الوقوع في الفراغ. وأفتح عينيٌ، ولا أرى سوى القمر، وبي رجفة من برد ليل الصحراء الخاتل في الجو! علام جئتُ، مرة أخرى، إلى هافانا؟ اختفى القمر، وعليَّ أن أختفي!

    ما هذا الهباء الأعظم؟ ما هذه الروعة؟

    خليل النعيمي - طبيب وروائي من سوريا

    أدخلُ تركيا

     

    تركيا

    هل يمكن التخلص حقا من ثقل ذاكرة التاريخ الرابض فوق المدينة؟ هل تتخلص البنايات والمعالم والجدران والحجارة من وهج الأحياء الذين التصقوا بها في يوم ما، في زمن ما، ومن الوقائع ولأحداث التي صاغتها على تلك الشاكلة؟ ألا تلبس الأرواح بالمكان وتظل تهيم فوقه مثل إشعاعات تحت الأحمرأو فوق
    البنفسجي؟ أليس اتصالها بنا هو الذي يستثير ذلك

     الحشد من الخواطر الذي يجعل محتويات ذاكرتنا تنهض للحضور مجددا؟ 

    أمام حديقة غولهانة يقف شابّ أوروبي وراء عدد كبير من الكتب المعروضة مباشرة فوق الرّصيف. قال لي إنّه طالب إيرلندي، يدرس الموسيقى في إيرلندا، أو في بريطانيا، لم أعد أذكر ذلك بالتحديد. وهو يعيش لشهور عديدة متجوّلا عبر المدن والقرى التركيّة، يستمع إلى الموسيقى ويبيع الكتب القديمة. وقعت عيناي على كتاب باللغة الألمانيّة وإذا هو أنطولوجيا شعريّة تضمّ مختارات شعريّة لخمس وستّين شاعرًا تركيًّا منذ القرن الثالث عشر حتّى العشرينات من هذا القرن، ومن أشهرهم: يونس عمري المتوفّى سنة 1321 وهو شاعر صوفيّ من تلامذة مولانا جلال الدّين الرّومي. ومن أجمل قصائده: «لماذا تبكي أيّها العندليب؟ « والقاضي برهان الدّين المتوفّى سنة 1398، والنسيمي المتوفّى سنة 1405، والأمير شام، وسليمان شلبي، وبير سلطان عبد الله، والفوضُولي، ونديم المتوفّي سنة 1730، ويحي كمال البياتي، وغيرهم. قلت: ها أنا أدخل تركيا من هذا الباب البديع! وكدت أنسى مجددا لغط الحاضر من حولي.

    علي مصباح - كاتب من تونس مقيم في ألمانيا

     

    ذلك النور البعيد

    الرحلة هي البحث عن سعادة النهار في خرائط المدن، البحث عن المكان الذي يثير كل ما هو شهواني وأرضي في تجربة الغموض التي يكشف عنها، والقلق والانفصال ا سد، والمدن التي تُختزَل في تعاقب وتركيز وكثافة وتتفجر صوراً. الرحلة تجدد المدن بالنظرة وبالروح..تغيرها وتنعشها، تجعلها متجددة لأنها تعطيها قيمتها، فمدننا التي نألفها ولا نراها سنراها مرة أخرى بعيون الآخرين، بعيون الرحالة الذين يهبونها صورة جديدة ونظرة عميقة، سنراها نحن أيضا على خلاف ما كانت تبدو لنا، وهكذا سيرى الآخرون مدنهم التي ألفوها بعيوننا. الرحلة منذورة للشعر من جهة ومنذورة للحقيقة من جهة أخرى، وهذا التوتر والصراع يمنحها جوهرها الوجودي، يعطيها روح الكائن، أي أن المكان يبطل أن يكون فضاء خاليا أو مادة أو جمادا، ويتحول إلى كائن حي يعيش ويتنفس. الرحلة تمنح المكان مفاتيح الفردوس، مثلما المكان يمنح النص أبديته الحية ويجدده، فالمكان الذي يتجدد عبر النص يؤثر في النص، يمنحه صورة جديدة ومعجما جديدا ونسقا إنشائيا جديدا، إنه يجدده ويثريه، ويغنيه بالصور والأحداث والعواطف. وهكذا كان الشعراء يسيحون بحثا عن مكان يجدد لهم معجمهم وصورهم وحياتهم. هذه العلاقة المتبادلة بين النص والمكان هي النصر الحاسم على الموت، موت اللغة أو موت المكان، كما أنه تجديد لحوار الكائن مع مخلوقاته ومع خالقه، إنه النور... النور الأبدي الذي يأتينا من هذه الجهة ونرى تأثيره على التراب...

    كيف نكتشف المكان، المكان البعيد، والنائي بعيدا عن عاديته، وبعيدا عن كل ما يجعل منه مألوفا، أتذكر الآن وصولي الأول إلى اسطنبول، كنا نسير على ضفة من الحصى قرب البحر، وكان الظلام دامسا، وفي الغسق الشفاف كان رذاذ البحر يضرب وجوهنا، انتابني تلك اللحظة شعور غريب، شيء أشبه بلحظات نسيان أو نوم، حركة الظلام التي تسقط في المياه العميقة في البحر، صوت الصخرة التي يضرب بها الموج، وهذا العشب الغضر والذي كنت أجاوره بحذائي، أحسست بدماء عنيفة تنبض في داخلي، تدفع عني الضعف والنوم والخور والنسيان، شيء يلهبني يجعلني أركض أو أنغمر بالماء..أتحد بالبحر والفضاء والرمال ...الرحلة ببساطة هي هذه...الرحلة تمرين حي على الشعر.. تجديد وانبعاث للجسد مثلما يجدد الشعر بفعالية جسد اللغة ويمنع عنها التكلس والموت...مثلما يهزها أو ينفضها بقوة ويجعلها نابضة فتية تتلائم بشكل فتان مع عواطفنا..الرحلة هي الشعر، أي بمعنى آخر هي إخلاص للمعرفة والتحرر، شيء يضاء في الروح وفي الدم واللحم، دروب تنار من جديد تمنحها نظرة متجددة. والرحالة شاعر تائه تسيطر عليه فكرة عمر الإنسان وعمر الأرض، وروح المكان. 

    علي بدر- روائي من العراق

    سؤال المدينة

    سؤال المدينةهل تكفي القواميس الباردة لتصف لحظة افتراق عن ميناء أو عن امرأة أو عن مدينة تركت فيها أحلامك؟ 

    المدينة تسألك.. وأنت تسألها.. لكن ثمة من يفك أسرارها. 

    من أين نبدأ في الكتابة عن المدن؟

    أمن خرائط الجغرافيا أم من سجلات التاريخ أم من أرقام الدليل السياحي ـ كم هي مقيتة الأدلة السياحية! - أم نبدأ من عيون النساء؟ 

    وهل يمكن أن نقرأ المدن من غير أن نقرأ عيون النساء؟ 

    قال لي صديق ذات مرة: 

    « ... ويا صديقي، فالمدينة مثل المرأة، ليست مستوطنة في الجسد، بل هي مستوطنة في الروح... «

    ثم أضاف:

    «من يصدق أننا نحب مدننا رغم أن مدننا هي كلها انهيارات القلب؟»

    المدن هنا موجودة على الخارطة أمامي، أبصرها، أفتح أبوابها، لكني أرغب أن أكون فيها مرة واحدة.. وفي لحظة واحدة.

    المدينة هاجس، يتشكل كبذرة في الوعي قبل أن تغزو القلب.

    ومدن المغرب العربي، هذا البياض الذي ما إن تدخل في دائرته حتى تكتشف أنك داخل في مدن تركت قدسيتها لتصبح مدنا مألوفة، تتألق بشمس القادمين وتأفل بقمر العشاق. 

    في هذه النقاط القصية، تقترب من نفسك ومن غرائزك، تستقبلها باحات المنازل المطلة على السماء:

     الرباط.. مدينة تتنفس برئة قرية. 

    الجزائر تنفتح كجرح أو كفم على الفضاء.

    قرطاج.. ما تزال تبحث عن هنيبعل.

    طنجة تنظر إلى الأندلس بحنين طارق بن زياد.. وإلى الصين وسمرقند بحماس ابن بطوطة. 

    وهران تتذكر بألم أقدام الجيش الإنكشاري والغزاة الإسبان والمستعمرين الفرنسيين دون أن تنسى الطاعون.

    والقيروان تتألق بالمجانين . 

    وفاس.. تؤدي بك أزقتها إلى المتاهة.. متاهة الذاكرة والكتابة.. ابن عربي وابن خلدون وابن باجة.

    وتلمسان.. مدينة الحرير والسبع وثلاثين منارة والحرير... وهمفري بوغارت يتذكر « كازابلانكا «. 

    وأصيلة تستعير لون أبواب بيوتها من زرقة السماء. 

    أما العرائش.. فقد اختارها جان جينيه، منزلا فقيرا.. أمام البحر . 

    ما هي المدينة؟

    أنصنعها نحن أم تصنعنا هي؟ 

    لنسأل المعماريين والبنائين.. ولم لا نسأل دواة الحبر.. وريشة الوراقين؟

    المدينة تأخذ شكل الحبر.. والحبر يأخذ شكل الحروف. تبزغ هذه المدن في ذاكرتي كلما حاولت نسيانها.. وأتذكر أن لكل مدينة عطرا خاصا، هو عطر الأم .

    أليست المدن تولد من رحم الذاكرة؟

    والألفاظ تولد من رحم دواة الحبر؟

    شاكر نوري - شاعر وروائي عراقي مقيم في الإمارات العربية المتحدة

     

    عبور مفازة صَيْهَد

    من المصادفات التاريخية التي سيبدو سردها، هنا، ذا فائدة وطرافة هي أنه لولا مقالة لـ باكون يقترح فيها إمكانية عبور الربع الخالي بالمنطاد لكان بيرسي كوكس أثناء رحلته بين «عبري» و»أدَم» في العام 1905 أول من سيحظى من الأوروبيين بريادة اكتشاف الربع الخالي بعد أن وافق رفاقه البدو على مرافقته في تلك الرحلة، لكنه تراجع عن تلك الفكرة بعد أن قرأ تلك المقالة، كما يروي في مقالة له نشرت في «المجلة الجغرافية» عام 1925. لذلك تسابق كل من برترام توماس وجون فيلبي في ثلاثينيات القرن العشرين من الألفية الثانية لعبور الربع الخالي، تلك الصحراء التي سماها العرب الأقدمون مفازة صَيْهَد. لكن برترام توماس هو من فاز بإحراز قصب السبق حين اجتاز بيداء الربع الخالي من صلالة حتى قطر عام 1931، تاركاً لمنافسه جون فيلبي عكس رحلته تلك باجتيازها بعد عام واحد فقط من الشمال إلى الجنوب. وقبل ذلك بكثير استطاع الرحالة جيمس ويل ستيد عام 1835، الذي لم يعبُر الربع الخالي، أن يرصُد من قمة الجبل الأخضر المشهد المترامي لذلك الربع قائلاً في وصفه: «سهول شاسعة من الرمال المتحركة الفضفاضة تمتد على مرمى البصر، والتي في اجتيازها حتى البدويّ الشديد بالكاد يجرؤ على المجازفة.». لكن الرحالة البريطاني ويلفرد ثسيجر هو الوحيد الذي استطاع اجتياز تلك البيداء بشاعرية وحُب قل نظيرهما، وبوصف لمّاح لحياة البدو الذين رافقوه فشرب من مشربهم ولبس ملابسهم وتعلم لغتهم، في محاولة منه للتماهي مع حياتهم التي أسَرَتهُ وأضحت ذكراه الطيبة الوحيدة من هذه الحياة التي تتغير باستمرار ولا تتيح لأولئك البدو إلا أن يغيروا نمط حياتهم كما يروي في كتابه الشيق «الرمال العربية» عن رحلتيه اللتين عَبَر فيهما الربع الخالي مرتين بين 1946 - 1948 منزعجاً من هول المصير الذي سيؤولون إليه بعد اكتشاف النفط في الجزيرة العربية. 

    محمد الحارثي - شاعر من سلطنة عمان

    القصر الصيفي في بكين 

    يعدّ هذا القصر أكبر حديقة إمبراطورية موجودة في العالم في وقتنا الحاضر, وأكملها و أكثرها جمالاً وقيمة ثقافية ومعماريّة. وقد أُدرج هذا القصر في قائمة التراث العالمي، وذلك في عام 1998, وهو يجسّد خلاصة الحدائق الصينيّة التقليدية، وجوهرها الأساس. وقد بني بجوار جبل ساحر الاخضرار، وعليه أيضاً. و حتى تكتمل الصورة الجماليّة لدى الإمبراطور تشان لونغ فقد جمع آلاف العمال و الفلاحين لكي يشقّوا بحيرة واسعة أمامه, بحيث يبدو الجبل وراء القصر والبحيرة أمامه. وتبلغ مساحة هذا القصر مع البحيرة حوالي ثلاث مائة هكتار.

     وتتكون هيكلية هذا القصر - اللوحة الجماليّة البديعة - من البحيرة السابقة بحيرة (كون مينغ), التي تشكّل ثلاثة أرباع هذا القصر, ومن جبل تغطيه غابات جميلة متناسقة، و يطلق عليه الصينيون: (جبل العمر المديد)، وهو جبل متوسط الارتفاع مغطّى بطبقة وفيرة من النباتات المتناسقة, والأشجار القديمة التي لا تزال تحتفظ بجاذبيتها وسحرها حتى الآن. وهو يطلّ على بحيرة (كون مينغ). وتتوزّع مقصورات هذا القصر على مساحة جبل العمر المديد، وهي في آية من الإبداع في التصميم، و الروعة في الجمال و الزخرفة والتصوير. وهي تقع بالقرب من باب القصر الشرقي, بجوار شاطئ البحيرة, وتجمع بين فخامة القصور الإمبراطورية عبر تشكّلها التاريخي, وجمال الحدائق المشهورة في جنوب الصين, وروعة هندستها وتخطيطها الجمالي المدهش. ومن أهم المقاصير الموجودة في هذا القصر مقصورة (الفضيلة البوذية) التي تقع على قمة الجبل, وهي تعدّ مركزاً للقصر الصيفي, ورمزاً روحياً ودينياً مهماً جداً، حيث كان أفراد الأسرة الإمبراطورية يتعبدون تقربا إلى بوذا داخل هذه المقصورة. وقد بُنيت هذه المقصورة البوذية على قاعدة من الأحجار الضخمة، وبلغ ارتفاعها أكثر من عشرين متراً. وتتكوّن المقصورة من ثمانية جوانب، وثلاثة طوابق يغطيها سقف قرميدي مطلي بالمينا الخضراء والصفراء وهي من أهم رموز العمران الإمبراطوري الصيني.

    من «رحلة بكين» - 2001

    محمد عبد الرحمن يونس