نظرة حمدان خوجة الجزائري إلى الآخر

    (أوروبا نموذجا)

    إن شخصية حمدان خوجة الجزائري جديرة بالدراسة نظرا لما لها من أبعاد سياسية وفكرية وإصلاحية. ونظرا لما كان عليه من رؤى لذوات الآخرين، مسلمين ومسيحيين، وعلى الرغم من هذا لم تنل هذه الشخصية حظها من البحث.
    ويمكن إجمال هذا الموضوع في النقاط الآتية:
      أصله.
      محيطه وعصره.
      تعليمه وثقافته.
      آثاره العلمية والإصلاحية.

    1- أصله

    إن الهدف من الحديث عن أصله هو إزالة ما يثار من شكوك حول أصوله التي هي جزائرية المنبث والميلاد والنشأة والشعور، وإن كان من "الكراغلة"، أي من أم جزائرية أصيلة وأب تركي. ويتأكد هذا من قول حمدان نفسه: "أنا، الكرغلي بالذات، كنت مستشارا في حكومة الداي".  ويتأكد أيضا من اعتبار الفرنسيين المعاصرين له على أنه من الكراغلة. وكذلك من سيرة حياته منذ أن كان في الجزائر إلى أن استقر في اسطنبول.
    وقد خلط أرجمند كوران بين شخصية حمدان خوجة وشخصية والده عثمان خوجة إذ قال خطأ: "إن حمدان أفندي من بودر (Budur) بتركية رحل إلى الجزائر وترقى رتبة دفتر دار، وهو أحد العلماء الأشراف"( ).
    أما عن تاريخ مولده، فالمصادر التي بين أيدينا الآن التي تكلمت عن حمدان، لم تذكر السنة التي ولد فيها بالضبط، إلا أن المستنتج من أقواله ومنها ما جاء في رسالة له بعثها إلى ملك فرنسا لويس فيليب تحدث فيها عن نفسه قائلا: التماسا لسنده ولعطفه على رب عائلة بلغ الثانية والستين من العمر( ). وبناء على هذا يكون حمدان ولد حوالي سنة 1773.
    وعن مكان مولده كان في الجزائر العاصمة، ونذهب إلى ذلك بناء على دلالات كثيرة، منها قول الحاج أحمد باي قسنطينة في مذكراته، عندما قدم إلى قسنطينة ذات يوم المدعو سي حمدان من مواليد مدينة الجزائر( ). وكذلك استقرار أسرته في الجزائر العاصمة مدة طويلة. وأيضا سفره إلى اسطنبول وهو في حوالي سن الحادية عشرة، والذي قد يكون لغرض التعرف على أرض الأجداد، كما هو معهود من الأتراك.
    علاوة على أنه من الكراغلة الذين يكونون من مواليد المدن الجزائرية وخاصة العاصمة، وبناء على هذا، يكون حمدان خوجة جزائري المولد والنشأة، والعرق عن طريق الأم، لأن أغلب الأتراك الذين جاءوا إلى الجزائر كانوا يتقربون من الأسر الجزائرية العريقة( )، فضلا عن النشأة والإحساس، بحكم أنه قضى حياته في الجزائر وخارجها مرتبطا بها فكرا وشعورا. ويظهر لنا ذلك واضحا من المفاهيم التي وصف بها الجزائر مثل "وطني "، إني "جزائري"، "أبناء بلدي". جاء هذا في رسائله ومؤلفه المرآة وعرائضه التي رفعها إلى الحكومة الفرنسية ومذكراته التي سلمها إلى اللجنة الإفريقية. وكذلك من ذكره الصريح في أكثر من مناسبة أنه جزائري المولد والدار مثلما جاء في ختام الترجمة لكتاب نور الإيضاح (إمداد الفتاح) حيث ذكر حمدان: انتهت الترجمة المباركة بعون الله وحسن عنايته لكاتبها... الفقير إلى مولاه حيثما توجه حمدان بن المرحوم عثمان خوجة الجزائري مولدا ودارا الإسلامبويي مهاجرا وقرارا( ).
    إذن يكون حمدان خوجة، بناء على هذه المعطيات، من المؤهلين للحديث عن علاقته بالذات الأخرى غير الجزائرية، ومن الذين أوجدوا قنوات اتصال بين الحضارات. ومن الذين عرفوا الآخرين بالجزائر.
    أما عن تاريخ وفاته فلا يعرف على وجه التحديد على الرغم من أن جورج إيفار (Georges Yver) حدده ما بين سنة 1840 و1845( )، في حين قال محمد بن عبد الكريم: ثبوت وفاته أواخر 1840( ). والراجح أن وفاته كانت في الفترة ما بين سنة 1840 و1841.
    ونبني هذا اعتمادا على ما جاء في سجل عثماني لمحمد ثري من جهة. وعلى أن الأمير عبد القادر كان قد بعث برسالة إلى حمدان خوجة في تاريخ 10 ديسمبر 1841، وإننا لم نعثر لحد الآن على الرد ولسنا ندري إذا كانت تلك الرسالة وجدته حيا أو فارق الحياة، لأنه من المحتمل لو كان قد توفي قبل هذا التاريخ ما كان الأمير قد بعث إليه. أو كان حمدان قد ردّ عليه، خاصة وأنه كان منشغلا بأحداث المغرب بعامة، وشؤون الجزائر بوجه خاص.
    وكيفما كان الحال فإن حمدان خوجة  قد يكون عاش قرابة سبعين سنة، قضى معظمها في الجزائر وفي فرنسا وفي اسطنبول وفي بلدان أخرى، أي أنه يعدّ من الرحالة الجزائريين النادرين. حيث استوعب في هذه الفترة ظروف أهم الأحداث التي عرفها العالم الإسلامي والأوروبي، لاسيما في الحركات الفكرية التي أحدثت صراعا قويا بين النظم المحافظة والنظم "الليبرالية" التي ظهرت بشكل قوي آنذاك( )، ويكون حمدان عاش أهم تلك الأحداث ومر بتحولاتها الخطيرة، لأنه عاش مع الفرنسيين والأوروبيين عامة وقت السلم ووقت الحرب، فكان لهذه التحولات أثرها القوي في شخصيته التي لعبت دورا كبيرا على المسرح السياسي والفكري. ومن ثم فالحديث عن صورة الآخر في المخيال الجزائري لا يكون إلاّ بمثل ما تركه حمدان خوجة من آثار.

    2- محيطه وعصره

    منع رجال النظام العثماني الكراغلة من تولي مناصب سامية في البلاد( ). الأمر الذي حرم البلاد من خبرتهم، وشجع أطرافا أخرى غير جزائرية على احتكار التجارة خاصة، في وقت كانت فيه الدولة العثمانية والعالم العربي الإسلامي في أدنى درجة الانحطاط. وسبب ذلك عوامل كثيرة، أهمها غلق باب الاجتهاد( ).
    وظلت مهمة النظام العثماني القيام بمقومات ثلاثة وهي حفظ الأمن حماية الحدود وجباية الضرائب. أما الباقي فكان موقوفا على الجزائريين. فكانت العناية بأمور الثقافة بيد الجزائريين. وإذا اعتمدنا قول حمدان خوجة فإن طاقات فكرية كانت تكمن في أوساط المجتمع الجزائري، إذ كانت أفكارهم منظمة لا تصعب عليهم الأمور ويدركونها بكيفية مدهشة لهذا اعتنوا بالعلوم والآداب فكان منهم شعراء وأساتذة التاريخ ومشرعون( ). وتأثروا ا بعوامل خارجية وفي مقدمتها هجرة الأندلسيين الذين كانوا يختلفون من حيث المستوى الفكري والمادي عن سكان المغرب، فقد انتشرت معالم الحضارة الأندلسية خاصة في ميدان التعليم من قواعد اللغة والأدب والعلوم والموسيقى فطوروا طرق التدريس، بأن أضافوا إلى طريقة حفظ القرآن لدى الأطفال تعليم الحديث والقواعد العامة بجانب الخط الأندلسي الذي نافس الخط المغربي فتعين كبار العلماء منهم في المدارس( ). ونتج عن هذا لقاء حضاري كبير أثر الجزائريون فيه وتأثروا به.
    مثلما تأثر الجزائريون بمعالم النهضة الأدبية الفنية الأوروبية بظهور جامعات كتلك التي أنشئت في ايطاليا وفرنسا ابتداء من القرن الثالث عشر لدراسة الفلسفة والطب والقانون وسائر العلوم الأخرى، احتك المغاربة بوجه عام والجزائريون بوجه خاص بالأوروبيين عن طريق التجارة، خاصة بعد أن رفع عنهم وعن الكورسكيين الحظر الذي فرضته عليهم الغرفة التجارية المارسيلية. ولما جاء نابليون بونابرت سمح للكورسكيين - بحكم أنه كورسيكي- بممارسة التجارة بحرية فكان من بينهم المغاربة. جرى هذا، علاوة على الصلة التي كانت تربط سكان الغرب الجزائري بما ظهر من معالم حضارية في أسبانيا وسكان الشرق الجزائري بالمدن الإيطالية وبفرنسا.
    نتيجة لهذه العوامل وغيرها، ازدهرت الثقافة خلال أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.
    وكان من الجزائريين من سافروا إلى تونس ومصر لإتمام تعليمهم بجامعتي الزيتونة والأزهر، كما أن بعضهم ذهب إلى ليفورن بإيطاليا لدراسة الطب واكتساب المعارف الأوروبية في مختلف الميادين، وهناك من سبق له أن سافر إلى بريطانيا وفرنسا( ).
    ففي هذا المحيط الثقافي وفي هذه العلاقات بين الجزائر والآخر، عاشت ونشأت فئة متنورة كان لها شأن كبير آنذاك في المجال الفكري والسياسي والإصلاحي وفي مقدمة هذه الفئة حمدان خوجة.
    وكان المستوى الاجتماعي الطبقي الميسور في الجزائر  يتكون من العثمانيين والكراغلة الذين كانوا يملكون أجزاء غير قليلة من البلاد ويحكمون فيها. وينتمي حمدان خوجة إلى هذه الطبقة بحكم أنه كان يملك ثروات هائلة في الجزائر العاصمة وضواحيها خاصة في سهل متيجة، فهو يعتبر من كبار الأغنياء آنذاك لأنه جمع بين التجارة والفلاحة. وإذا اعتمدنا قوله فإنه كان يملك ثروات حيوانية وتجارة رابحة يمكن ذكر بعضها - على سبيل المثال- 10 آلاف رأس من الأغنام، 600 رأس من البقر مع 200 زوج من الثيران و60 جملا، بجانب عدد كبير من البغال والأحصنة، بالإضافة إلى 600 خلية نحل. هذا عدا عن رأس مال تجاري يقدر بـ 300.000 فرنك( ).

    3- تعليمه وثقافته:

    درج حمدان في ذلك المحيط الثقافي والاجتماعي، فتعلم على والده بادئ الأمر( )، ومن المحتمل جدا أنه تلقى دروسا على يد شيوخ كثيرين، منهم محمد بن علي الذي راسله حمدان قائلا: "نحيي عتبة شيخنا وأستاذنا ومربينا"( ).
    وكما هو معتاد عند أهل المغرب قد يكون حمدان تلقى حفظ القرآن في صغر سنه، والدال على ذلك كثرة الآيات التي استدل بها في كتابته خاصة إتحاف المنصفين... التي يبدو فيها أنه ملم بالأحاديث النبوية والأصول الفقهية خاصة المذهب الحنفي( ). كما أنه مطلع على الأفكار الفلسفية والحضارات التي سبقت الحضارة الإسلامية كاليونانية. ونستدل على ذلك من قوله "ولكون سمية من السموم ومنفعة كثير من الأدوية تثبت على اليونان وهم الفلاسفة وأقرها الشارع. ثم عربت كتبهم ودونت ووقع الإجماع على جواز العمل بتلك الأدوية( ) بالإضافة إلى إطلاعه الواسع على أمهات الكتب في الفكر الإسلامي.
    وبهذا تبوأ حمدان خوجة مكانة عالية من بين أترابه، الأمر الذي يجعلنا أن نشاطر الأستاذ عبد الجليل التميمي فيما ذهب إليه، فإن حمدان يعد الشخصية الجزائرية التي تمتعت بثقافة وإطلاع واسعين جدا والذي ترك عددا من الوثائق السياسية الهامة حول أحداث الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي( ).
    وقد نذهب بعيدا بالقول إن حمدان خوجة يعد الشخصية العربية الإسلامية الوحيدة التي تفطنت إلى أهمية الذات الأخرى من غير الذات العربية الإسلامية، أي أنه سبق رافع رفاعة الطهطاوي وخير الدين باشا وغيرهما في المحاكاة مع الآخر بلغة عربية وغير عربية.
    وبالرغم من أنه ترعرع في محيط اجتماعي رفيع وتتلمذ على شيوخ سواء عن طريق الحلقات أو عن طريق الاطلاع إلا أن ثقافته لم تكتمل إلا من خلال رحلاته عبر بلدان إسلامية ومسيحية، ولسنا ندري على وجه التحديد القصد من تلك الرحلات أكانت لغرض التزود من منهل المعرفة أم لهدف الربح التجاري أم لهدف آخر، والمحتمل أنها كانت لغرض التجارة بالدرجة الأولى وبهدف حب الإطلاع بالدرجة الثانية.
    وحسب ما لدينا من معلومات، فإن أول رحلة له قام بها وهو صغير السن في حوالي الحادية عشرة من عمره رفقة خاله الحاج محمد أمين السكة إلى اسطنبول( ). إذ قال: وفي سنة 1801 كنت عائدا من القسطنطينية صحبة خالي فارسينا بتونس( ). وقد أكسبته تلك الرحلة شيئا كثيرا، فهو يكتب بخط رقعي  جميل يكون قد تعلمه في اسطنبول. وأيضا من إجادته اللغة التركية بجانب العربية نطقا وكتابة. ولإدراكه لدقائق المذهب الحنفي.
    ويحدثنا حمدان عن نفسه بأنه سافر إلى باريس سنة 1820 حيث احتك بشخصيات سياسية ومنهم لويس فيليب قبل أن يصبح ملكا على فرنسا (1830). كما أنه سافر إلى كل من أسبانيا وبعض الولايات الإيطالية. وإذا اعتمدنا قول بيشون يكون حمدان سافر إلى إنجلترا أيضا( ). كل هذا جعله يكتب ويصور حقيقة الأوروبي والمسلم وغيرهما، ويفرق بين سلوكياتهم وبين مخزون حضاراتهم.
    وبناءً على هذا يكون حمدان ملما ببعض مبادئ اللغة الفرنسية والإنجليزية ولم يكن متمكنا من دقائقهما، وإلا لما لجأ إلى مترجم ليعرض أفكاره على الملك الفرنسي( ).
    ومهما يكن فقد أكسبته تلك الرحلات والاتصالات أفقا واسعا وثقافة عميقة، أهلته أن يتعايش مع أهم التيارات الفكرية والسياسية التي انتشرت في أوروبا خاصة بعد قيام الثورة الفرنسية. واتساع مبادئ الإمبراطورية النابوليونية. كما أكسبته تلك الرحلات الأدوات اللازمة لتحليل العناصر اللازمة لتطوير المجتمعات. ومن الدلالات التي تؤكد مدى استيعابه لما وجد في أوروبا قوله "وفي أثناء رحلتي درست مبادئ الحرية الأوروبية التي تشكل أساس الحكم التمثيلي والجمهوري، ووجدت هذه المبادئ كانت تشبه مبادئ شريعتنا مع فارق بسيط في التطبيق"( ).
    ومن الممكن جدا أنه كان يتردد على المكتبات بالدول والولايات التي زارها خاصة باريس، فيطالع أهم المؤلفات سواء قبل الغزو الفرنسي للجزائر أو بعده. ونبني ذلك على شواهد كثيرة منها ذكره: "لم أعزم على ذكر الجنرال كلوزال في كتابي هذا إلا بعد أن قرأت كتابه"( ). أو ذكره بأنه اطلع على جل النشريات التي صدرت على الجزائر خلال السنوات الثلاث من الاحتلال( ). ويذكر في موضع آخر: "والذي يدهشني هو أن بيشون قد عرض قبلي في كتاب وبكيفية صادقة هذه الأحداث( ). وقوله أيضا: "ومما أنتقيه من كتاب زهر الرياض كان كالمحاضرات، وكذلك ما في الجزء الأول منه الذي وجدته في خزانة الكتب في باريس"( ).
    وقد قيم حمدان تلك الرحلات وأعدها في صالح أعماله فوصفها بقوله: "وكنت قد تجشمت أسفارا كما قيل - أبعد من آمالي صرفت فيها برهة من العمر لولا اتهام النفس لعددتها من صالح أعمالي. فكنت رأيت بالبلاد الفرنجية انتظام أمورهم واعتنائهم بأمور السياسة في صيانة جمهورهم"( ). وإذا اعتبرنا رحلات حمدان على أنها كانت بالدرجة الأولى قصد التجارة فإن هذا الجانب لم يلهه عن اهتمامه بألوان المعرفة، وهذه من المميزات الخاصة في شخصية حمدان.
    ولدينا من المادة ما يثبت اتساع أفقه وكثرة اهتمامه بشؤون العالم الإسلامي، إذ كانت روحه تتوق إلى إصلاح أحوال المسلمين، لهذا انتقد حكم أولي الأمر، على أنهم لم يطبقوا مبادئ الشريعة الإسلامية.

    4 - آثاره العلمية والإصلاحية

    لحمدان آثار علمية قيمة، تعتبر من المصادر الأساسية لدراسة الفترة الأخيرة من العهد العثماني في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي، كما أنها تعطينا صورة واضحة عن مستوى الفكر في العالم الإسلامي آنذاك، وعن العلاقات بين الجزائر وغيرها من البلدان.
    فمعظم آثار حمدان خوجة هي مؤلفات وترجمة ومذكرة ورسائل. وهو لم يلجأ إلى الكتابة إلا بعد أن مر بمراحل تجارية وسياسية متعددة. ولما فشل في جميعها وضاعت منه ممتلكاته وتقلصت آماله، لجأ إلى ميدان آخر ليعوض ما فاته عسى أن يريح نفسه شأنه في ذلك شأن كثير من المفكرين أمثال ابن خلدون الذي فشل في تحقيق ما كان يصبو إليه من مناصب سياسية، فعوض ذلك بتآليف مشهورة. وقد نجح حمدان في هذا اللون نجاحا كبيرا. إذ استمر يكتب بروح متفتحة وبأفكار جديدة مدعمة بالحجج القوية متسما في ذلك بقدرة فائقة. إذ أنه في مدة قصيرة ألف المرآة والمذكرات وراسل شخصيات متعددة على مختلف المستويات، واتصل بجناح المعارضة في باريس وأثر فيهم وتأثر بهم. ولم يكتف بالمراسلات السياسية، بل وسع نشاطه فخاطب بجرأة أولئك الجامدين من المسلمين بأصول فقهية وأسس علمية لا تقبل جدالا واستطاع أن يسلم من آذاهم، وقلما نجد هذه الروح المتفتحة لدى معاصريه من المسلمين. ومن مؤلفاته:
    1 - المرآة: ألفه في باريس سنة 1833 باللغة العربية ثم ترجمه صديقه حسونة الدغيس( ). وصف من خلاله الاضطهاد الذي مارسه الفرنسيون ضد السكان الجزائريين، ثم قارن بين ما هو عليه الشعب الجزائري من عبودية واضطهاد وبين ما عليه الشعوب الأخرى من عدل وحرية. وعقد مقارنة بين نظام الحكم العثماني ونظام الحكم الفرنسي في الجزائر حيث فضل فيه الأول.
    2 - إتحاف المنصفين والأدباء عن الاحتراس من الوباء: ألفه باللغة العربية سنة 1836 ثم ترجمه إلى التركية وأهداه إلى السلطان محمود الثاني خان. وكان يهدف من وراء هذا العمل الجليل إلى أن تطبق أفكاره التي حث فيها العالم الإسلامي على اليقظة والأخذ بمعالم الحضارة الأوروبية ـ والنتائج التجارب التي توصلوا إليها للوقاية من الأمراض وكيفية علاجها. كما نبذ التزمت وألح على التفتح.
    ومن حيث المقارنة، يحضرني كتاب تخليص الإبريز في تلخيص باريز للشيخ الطهطاوي (1801-1873)( ). الذي أخذ بنظرية التطور الحضاري وفتح باب البحث في أسباب الرقي والتأخر. وقد انبهر الطهطاوي كإمام للبعثة المصرية (1826) بباريس وبقي بها حتى سنة 1831، انبهر بما وصلت إليه أوروبا من حضارة فقرأ عدة مؤلفات انعكست آثارها على فكره، فأدرك الفارق بين العالم الإسلامي والمسيحي. وهي نفس الفكرة التي تفطن إليها حمدان وعرضها في كتابه (الإتحاف) إذ قال الطهطاوي يصف حالة الأوروبيين "وقد قويت شوكة الإفرنج ببراعتهم وتدبيرهم بل وعدلهم ومعرفتهم في الحروب وتنويعهم واختراعهم فيها"( ). وكان غرض الطهطاوي هو نفس غرض حمدان، أي أن يقبل العالم الإسلامي على الأخذ بحضارة أوروبا.
    ومن آثاره الإصلاحية:
    ولما حدث اتصال العرب بالغرب وأطلعوا على منجزاته انشطر العالم العربي الإسلامي إلى فريقين، فوقف فريق من المسلمين وهم كثرة بدءا بشيخ الإسلام ثم القضاة وفئة من علماء ومفتيين وأئمة وقفوا موقف الحذر تارة، والإنكار لما توصل إليه العالم الغربي تارة أخرى( ) حجتهم في ذلك بدع تجب محاربتها. بينما تبنى فريق آخر من المسلمين أهم ما جاء به الغرب خاصة في ميدان العلوم، ونذكر من هذا الفريق حمدان خوجة الذي يعد في نظرنا رائد الاصلاح السياسي والاجتماعي في العالم الإسلامي آنذاك. ومن أبرز ما في هذا الجانب من شخصيته أنه دعا إلى نبذ التعصب والتزمت اللذين كانا يسودان العالم الإسلامي نتيجة لموقف المحافظين من علماء الدين الذين أخذوا بظاهر الآيات والأحاديث النبوية فأغلقوا باب الاجتهاد والتزموا التقوقع واعتبروا كل شيء أخذ عن غير مسلم كفرا، فأدرك حمدان أن هذا هو السبب في تخلف العالم الإسلامي بالرغم من أنه سبق العالم الغربي إلى الحضارة. لهذا ناشد السلطان العثماني وأولي الأمر أن يسرعوا إلى وضع حد للأعمال العقيمة التي كان يمارسها هؤلاء الجامدون، وأن يبادروا إلى إصلاح كل ما من شأنه أن يلحق ضررا بالبلاد الإسلامية، لأن الحد من نشاطهم هو من باب إصلاح المجتمع الإسلامي ومنطلق لتحضره. وقال حمدان في هذا الصدد: يجب على السلاطين وعلى أولي الأمر أن يبادروا بإصلاح ما يدخل عليهم الضرر (على الرعية).. ولا يرخص لهم- بعد تحقق ذلك- أن يساعدوا الجهال على تصلبهم وجهلهم( ). وذهب حمدان إلى أبعد من ذلك بأن حاول أن يفطن الحكام إلى قاعدة هامة في التجديد إذ قال: "إن كل عصر له متطلبات وخصائص جديدة ولدى ظهور عادة حديثة وجب التخلي عن القديم حتى نتفادى حدوث اضطراب وقلق في الشعب، وحتى لا يعرقل ذلك تسيير دولاب الإدارة الناجحة"( ).
    ثم انتقد هؤلاء الحكام الذين لم يطبقوا الشريعة الإسلامية لأنهم لم يفهموا جيدا مبادئها السمحة التي من بينها أن ظروفا تترتب على زمن وحاجات الإنسان لم تتوقعها القوانين ولذلك يجب على أي مشرع أن يفهم هذه الضرورات ليعمل على إيجاد طريقة حكيمة لتطبيق هذه القوانين( ).
    يكون حمدان بهذه الروح المتفتحة وبهذا الرأي العميق قد أدرك عوامل تطور المجتمعات، أي أنه أدرك قيمة الآخر، من جهة. كما أنه يعد بحق رائدا لأنه قلما نجد شخصا معاصرا له في هذا المستوى الفكري.  كما أن الفضل يعود إليه آنذاك في أنه ساهم في تعريف العالم الأوروبي بحقيقة الشريعة الإسلامية خاصة في كتابه المرآة حين نشر باللغة الفرنسية. وهو الوحيد في العالم العربي الإسلامي من نشر له مؤلف بالفرنسية في أوروبا عام 1833
    من آرائه الإصلاحية إلحاحه على تطبيق الحجر الصحي الذي كان معمولا به في أغلب بلدان أوروبا بينما لم ينظم أو يعمم في البلاد الإسلامية( ). إذ قال: لكشف حقيقة ما يستعمله الفرنج لمن يقف على رسالتنا حتى لا يتوهم من لفظ (الكرنتية) أنها أمر غريب يصادم ديننا... والأولى التزام الاحتياط في أول الأمر... وكل ما ذكرناه من تصرفاتهم ليس فيها ما يكره شرعا ولا طبعا ( ). وقال في موضع آخر أن مبنى انكار من أنكر كل ما نسب إلى الإفرنج إنما مبناه على الجهل والتعصب( ).
    وعند حمدان ليس نبذ التعصب والتزمت فحسب بل على العالم الإسلامي أن يستعين برأي الأوروبيين الذين تقدموا أشواطا كبيرة في كيفية الاحتراس والتداوي من هذا المرض وغيره خلاف الذين أهملوا أمر الطب مع أنه فرض كفاية وصرفوا اهتماماتهم إلى العلوم الشرعية والأدبية لمقاصد متنوعة فامتاز الأوروبيون واليهود بالمهارة المبنية على التجربة لأنهم - توارثوا الصنائع المهمة وزاد فيها آخرهم على الأول فتوفرت عساكرهم ومتاجرهم وهما الركيزتان اللتان عليهما المعول، فاكتفوا بقلة حزمنا عن قتالنا حيث ضعفت قوانا، واستأصلنا معظم رجالنا( ).
    وتفطن حمدان قبل غيره من رجال الفكر العرب المسلمين إلى أعمدة أساسية في بناء الحضارة وهي أن المسلمين لم يقبلوا على العلوم التجريبية والرياضيات والطب، فأهملوا هذا الجانب الفكري الخصب وحصروا اهتماماتهم في الإقبال على العلوم النظرية( ).
    وتعجب حمدان من موقف المسلمين المتعصبين الذين ضربوا عن الأخذ بمعالم الحضارة الأوروبية بل قالوا بتحريم ذلك فيستنكر حمدان ويقول ويا للعجب كيف يتهجم هؤلاء على مثل هذا التحريم والتكفير بغير سند ولا نص ولا إجماع. ويطيلون ألسنتهم فيما هم فيه مخطئون. ويتعامون عن شيوع الربا في بلاد الإسلام( ).
    وصفوة القول إن حمدان خوجة بهذا التحليل والتركيب لدقائق الأمور شخصية على جانب كبير من التفتح والمعرفة العميقة للعوامل المحركة للمجتمعات وأجهزتها الحاكمة. كما كان إلى حد كبير مصيبا في طرق أهم المواضيع في عصره إذ كثيرا ما دعا إلى تطبيق نظريات إصلاحية. إلا أن دعوته لم تتعد حدود الكلمة المكتوبة ولم تحظ بتأييد أو تطبيق في المجتمع الإسلامي آنذاك، خلافا لما كان بالجانب السياسي من شخصيته التي كان لها تأثير واضح في الجانب الاجتماعي سواء وهو في الجزائر أوفي فرنسا أوفي اسطنبول. مثلما يعتبر من الذين جمعوا معرفة بين الذات الجزائرية والأوروبية شعوبا وحضارة.

    المصادر والمراجع المعتمدة

    • - أرجمند كوران، السياسة العثمانية تجاه الاحتلال الفرنسي للجزائر، تعريب عبد الجليل التميمي، ط.2، تونس 1970.
    • - مذكرات أحمد باي وحمدان بوضربة، تعريب محمد العربي الزبيري، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1973.
    • - الشرنبلاني، إقرار الفتاح، ترجمة حمدان خوجة (مخ)، المكتبة السليمانية قسم أسعد أفندي رقم 589.
    • - محمد بن عبد الكريم، حمدان خوجة الجزائري، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1972.
    • - أبوالقاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج.1، ش،و،ن،ت، الجزائر، 1979.
    • - الجزائر في مؤلفات الرحالين الألمان، تعريب د. أبي العيد دودو،ش،و،ن،ت،الجزائر، 1975.
    • - التميمي عبد الجليل، بحوث ووثائق في التاريخ المغربي، الدار التونسية للنشر، ط.1، تونس 972.
    • - محمد بن عبد الكريم ذكره، إتحاف المنصفين والأدباءعن الإحتراز من الوباء، ش، و، ن، ت الجزائر 1968.
    • - جمال الدين الشيال، التاريخ والمؤرخون في مصر في القرن التاسع عشر، ط.1، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1958.
    • - المنجد في اللغة والإعلام، ط.20، دار المشرق، بيروت، 1960.
    • - خير الدين الزركلي، الإعلام، ط.3، ج.1 (؟).
    • - علي المحافظة، الإتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة، ط.2، الأهلية للنشر والتوزيع، 1978
    • - أحمد أمين، زعماء الإصلاح، مكتبة النهضة المصرية، 1949.
    • - وظيف الله محمد الأخضر، محاضرات في النهضة العربية الحديثة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزئر 1980
    • - مخطوط لحمدان، المكتبة الوطنية، الجزائر العاصمة، رقم 1261.
    • - A.M.G., H20.
    • - Extrait de L’Observateur des Tribunaux , T.IV. Dezanche , 3,4.Paris,1834
    • - Georges Yver in R.A., 1913.
    • - Hamden , (K.) , Le miroire , T.1 , Goeshy , Paris , 1833.
    • - Yacono( X..) ,in R.A., Année 1954.
    • - Renaudot (M) , Alger , Tableau du Royaume de la ville. Monie-Ainé , Paris , 1830.
    • - Pichon (B.) , Alger sous la domination française , Paris , 1833.
    • - Rozet , Alger, Bouslama , 2ème édition , Tunis , 1980.
    • - Habart (M.), Histoire d’un parjur , Minuit , Paris , 1961.

    د. عميراوي احميده - الجزائر