رحلات الحج من موريتانيا (بلاد شنقيط)

    تقديم الرحلات وإسهامها في التواصل المشرقي ــ المغربي

    أنتجت الحضارة العربية الإسلامية علوما جمة ومعارف واسعة، لاسيما في ميدان الجغرافية والرحلات، التي غطت شعوبا وأمما دانت بالإسلام أو خضعت لسلطانه أو وصلها قبس من الحضارة والثقافة على أيدي التجار والدعاة العرب والمسلمين.
    وقد أنتجت المدونة الجغرافية العربية، مئات المؤلفات القيمة المتنوعة في المنهج والأسلوب، مع وحدة الرؤية العربية الإسلامية وطبيعة المنهج الوصفي السائد.
    ومثل الحج أهم دافع للرحلة من إفريقيا إلى آسيا، وكان مناسبة كبرى للصلات الدينية والعلمية والحضارية بين العلماء من أقصى الصحراء إلى أعماق الهند، مثلا، والتعارف بين شعوب بلاد الإسلام الواسعة.
    كان الحجاج هم المصدر الوحيد لما يحكونه لمستمعيهم من أهل بلادهم( )، ولذلك ظلت الرحلات الحجّيّة بالغة الأهمية في نقل الأخبار، الصحيحة والزائفة، بين أمصار دار الإسلام، لاسيما أقطار المغارب التي لا تأتيها، عادة، رحلات من المشرق، بحكم المركز الديني هناك.
    يشكو الباحثون، اليوم، من ندرة المادة الاقتصادية والطبيعية في رحلات الحج، وهي شكوى في غير محلها، لأن ما يشغل بال أهل الرحلات هو ما يهم أهل عصرهم، من المشاعر الدينية والأخبار العامة التي تعني حياة الناس اليوم، وقضايا العلم والعلماء وشيئا من أحوال العادات والتقاليد في الأمصار يأتي عرضا. 
    وتبقى وصايا الحاجّ لغيره من الحجاج مستقبلا، هامة وحاضرة، كطرق السكنى والعيش والرحلة والصرف للذهب والفضة وأسعار المواد.
    وبالطبع هناك فرق بين الرحالة الحجاج، والرحالة الجغرافيين، لأن هؤلاء لهم حد مقبول من الاهتمام بأحوال المسالك والممالك، وطبائع العمران وأحوال الشعوب وأساطيرهم وعاداتهم وغرائبهم. 
    ولذلك كانت "كل رحلة مكتوبة تعكس ثقافة وهدف واهتمام صاحبها، كما تعكس تطلعاته ونظراته إلى ملابساته ومشاهداته وما هو قادر عليه من تركيب وتحليل وأخذ وعطاء في المجالات الحضارية والعلمية والثقافية زيادة على وعيه بظروف الزمان والمكان( ).. ص 9
    ومن هنا ظل (هدف فريضة الحج مرتبطا عند بعض الرحالين بأهداف أخرى، من لقاء أعلام المعرفة، والأخذ عنهم وربط السند العلمي بهم، وتكميل الثقافة على أيديهم والسعي لنيل أكثر ما يمكن من إجازاتهم ومؤلفاتهم، والاطلاع على ذخائر خزائنهم، وغرائب معلوماتهم ومحفوظاتهم، ومروياتهم عن أشياخهم...)( ).
    وقد اشتملت الرحلات الشنقيطية على جوانب هامة، من تاريخ وأخبار وأوصاف بلاد الإسلام وأهلها، وإن بنزر متواضع بفعل العامل الجغرافي.
    وتمتاز رحلة ابن طوير الجنة مثلا بالحوار الحضاري الإسلامي حيث اشتملت على ذكر حجاج آسية الوسطى ونتفا من أخبارهم ووصف مدنهم في التراث الإسلامي وجانبا من طرائفها والمسالك والمسافة بينها ومكة والمغرب.
    ولعل الرحالة الشنقيطي الذي زار الهند واتصل بعلمائها وأهلها، هو محمد أمين الشنقيطي (1293-1351هـ/1876م-1932م) وكان ذكر سفره إلى الهند وعمان والبحرين والإحساء.
    وجاء في رحلته( ) (... وفي سنة 1326هـ (1908م) وهي نفس السنة التي تولى بها الشريف حسين إمارة مكة، وبعد إلقاء الشنقيطي قصيدته بحضرته ـ كما تقدم ـ بعد هذا سافر شيخه شعيب إلى تركيا، وكان يقرأ عليه طلاب من قازان، مقامات الحريري، فعهد إلى تلميذه محمد الشنقيطي بالاستمرار معهم حتى إكمالها، ففعل، ... ثم سافر إلى الهند وهناك اجتمع بالشيخ عبد الوهاب الزيّاني من أهالي البحرين فأكرم مثواه... وبعد أن ترك الهند قصد عُمان ومنها إلى البحرين، ثم توجه إلى الإحساء..).
    ولم يترك لنا محمد أمين الشنقيطي شيئا كبيرا عن رحلته للهند باستثناء علاقته ببعض علمائها وأعيانها، ثم إنه تركها بسرعة راجعا إلى الجزيرة.
    وذكر الشيخ ماء العينين في رحلته الحافلة، أسئلة من رجل من حاجّ آسية الوسطى عن أحوال بلاد شنقيط وأهلها وكيف يتبايعون بغير نقود.
    وقد ساهم بعد المسافة بين المغرب وآسية الوسطى، وغيرها من أصقاع الشرق الإسلامي، في قلة المادة الإخبارية الأسيوية في الرحلات الشنقيطية، لكن النتف والإشارات حول تلك البلاد وأهلها، مع ذلك، حاضرة في رحلات الشناقطة.

    مدونة الرحلات الشنقيطية (الموريتانية)

    لم يمنع البعد وصعوبة السفر أهل بلاد شنقيط (موريتانيا القديمة) من الرحلة للحج والعلم، وتدوين ذلك في أسفار حافلة بأوصاف الناس والأشياء وذكر التواريخ والعلماء والكتب والإجازات والاستجازات والإلماع، أحيانا، بأخبار الدول والممالك.
    رحْلات الشناقطة الموريتانيين المدونة هي: رحلة من توات إلى الحرمين للفقيه الحاج البشير البرتلّي الولاتي، وكانت إلى عهد قريب في مكتبة طنطا أو الزقازيق بمصر. و رحلة المنى والمنة للفقيه الطالب أحمد بن المصطفى بن طوّير الجنّة الحاجي الواداني، التجاني بن باب العلوي ت1260هـ صاحب رحلة مشهورة كمُل منها مجلد قبل أن يجتاز بلاد الواسطة والجريد بتونس. ترجم له ابن السائح الرباطي وغيره.  ورحلة الحج للشيخ ماء العينين بن محمد فاضل الحوضي الشنقيطي ت1910م، وقد حققها أخيرا (سبتمبر 2010م) الأخ الباحث مربّيه ربه ماء العينين بالمغرب، وكان زميله الدكتور محمد الظريف حقق الرحلة المعيْنيّة (الصغرى) لماء العينين العتيق ونشرتها دار السويدي، و الرحلة الحجازية للفقيه محمد يحيى الولاتي ت  1330هـ/1912م ، ونشرت بتحقيق د.محمد حجي بمعهد الدراسات الإفريقية بالرباط، ورحلة إلى الحجاز للفقيه محمد فال بن بابا العلوي ( 1266 - 1349 هـ) ( 1849 - 1930 )، ورحلة حج الشيخ المعلوم البُصَادِي ت1349هـ ورحلة محمد يحيى بن أبوه اليعقوبي ت1349هـ، ورحلة إلى بيت الله الحرام للعالم الموريتاني الحجازي الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي ت 1393هـ .
    هذه، هي الرحْلات الشنقيطية المدونة والمعروفة، وقد انتهينا، تقريبا، من إكمال تحقيق رحلة المنى والمنة لابن طوير الجنة، وانتهى زميلنا مربيه ربه من تحقيق رحلة الشيخ ماء العينين وهي رحلة هامة جدا، ونحن بصدد تحقيق باقي الرحلات وتوجيهها للأخ الأستاذ نوري الجراح بمركز ارتياد الآفاق للعناية بها( ).
    ونحن في هذا البحث التعريفي الوصفي، سنعرض للرحلات التالية:
    رحلة المُنَى والمِنّة، توجد منها نسخ متفرقة في البلدان المغاربية والسنغال، أهم نسخة وأجودها هي نسخة فاريبورغ بألمانيا وأصلها موريتاني، وهناك نسخة وادان مدينة صاحب الرحلة وهي نسخة جيدة، وبالمغرب هناك نسخة المكتبة الوطنية بالرباط منقولة على ميكروفيلم رقمه 1534 وهي مبتورة الأول تنقصها صفحات عديدة بالوسط. وقد اهتم الفرنسيون بهذه الرحلة فنشر الأستاذ ديستانك عرضا لأبرز محتوياتها في أحد أعداد (المجلة الإفريقية) الشهيرة La Revue Africaine الصادر سنة 1911، كما قام مستشرق إنجليزي اسمه هنري ثرلوال نوريس H.T.NORRIS (أستاذ بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن) بترجمة النسخة المحفوظة بوادان (موريتانيا) إلى اللغة الإنجليزية ونشرها عام 1977م.
    الرحلة الحجازية: للفقيه محمد يحيى الولاتي، وكان حققها د.محمد حجي، لكن التحقيق لم يشمل أجزاء أخرى من الرحلة شملت فتاوى وأحكام ونبذ أخرى. توجد نسخ الرحلة.
    رحلة إلى بيت الله الحرام: للعالم محمد الأمين الجكني الشنقيطي، وكان حققها  وطبعتها دار ابن تيمية بتقديم الشيخ عطية محمد سالم وهو تلميذ الشنقيطي، وقام بتلخيصها تلخيصا وافيا الأستاذ محمد صالح المنجد وهو العمل الذي رجعنا إليه لوصف مسار الرحلة وفوائدها.
    رحلة الحج للشيخ المعلوم البُصادي وقد نظمها الشيخ سيديّا ولخصها بعض الإخوة الموريتانيين ونشرها على الشبكة ولم يثبت من اسمه إلا (يعقوب) تواضعا.
    رحلة إلى الحجاز والجزيرة والهند: ملخصها بقلم صاحبها العالم المجاهد الشيخ محمد أمين فال الخير الحسني الشنقيطي وقدم لها ولحياة مؤلفها الكاتب العراقي عبد اللطيف الدليشي الخالدي.
    رحلة للحجاز: محمد الأمين بن أبّوه اليعقوبي ت1349هـ وقد نشرت في الجامعة وعرضنا هنا ملخصها من نشرها بقلم باحث من أسرة المؤلف.

    أولا: الرحلات في الزمان والمكان

    تعود الرحلات الشنقيطية إلى ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن الموالي، وتغطي تقريبا، مجالا يمتد من غرب الصحراء الكبرى، والمغرب الكبير، ودول الساحل الإفريقية إلى السودان على البحر الأحمر، فضلا عن مصر والحجاز.
    لكن بعضها، زاخر بالإشارات الهامة عن أحوال وتواريخ وحضارات وشعوب دار الإسلام الآسيوية الوسطى والهندية.
    ولأن الحج هو الباعث على تلك الرحلات، سيكون تاريخ الحج وركاب الحاج ومسالكه وأحواله وتنظيمه، سبيلا إلى فهم الأصول التاريخية للرّحلات الشنقيطية.
    كان الحج من بلاد شنقيط( ) ومحيطها الإفريقي والصحراوي، يتم عبر ركب الحاج التكروري، الذي ينسب إلى بلاد التكرور( ) لكن انهيار مملكة سنغاي( ) تحت ضربات جيش المنصور السعدي ت1012هـ/1603م، أدى إلى تفكك ركاب الحاج واستقلال كل أهل بلد بركبهم الخاص.

    أ ـ رِكَابُ الحاجِّ الشنْقِيطية
    ابتداءً من القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين (السابع عشر والثامن عشر الميلاديين)، نشأ بالنسبة إلى الحج من بلاد شنْقِيط، نوع من التخصص الإقليمي في تسيير قوافل الحجاج فأصبحت ولاتة تعرف تكوين ركب حاج ضخم ينطلق منها في وقت معلوم، . أما مدينة شنْقِيط فقد أصبحت منذ هذه الفترة تقوم بدور جهوي آخر سيأتي عرضه تفصيلاً.

    ركْبُ الحاجِّ الوَلاتِي
    يُنْسب هذا الركب الحجّي إلى مدينة ولاتَة( ) (وتكتب أيضا: ولاتا) الواقعة على حافة الهضبة الكبرى في أقصى الشرق الموريتاني. وهي أقدم مدن موريتانيا حيث تأسست في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي وقد بنيت في القرن الهجري الثاني/الثامن الميلادي، ثم ازدهرت على يد المجموعة الصنهاجية ـ العربية في القرون الموالية كمحطة تجارية نشطة على الطريق التجاري الغربي، وحاضرة علمية لا مثيل لها في غرب الصحراء.
    ويستشف ذلك بوضوح مما يصرِّح به الفقيه الولاتي محمد بن أبي بكر الصديق البرتلي (1140- 1219هـ) في مؤلفه: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التّكْرورْ حين ترجم للحاج أحمد بن الحاج الأمين الغلاوي الملقب «التواتي»، أصيل «ولاتة»، فقال عنه: «حج مرات بيت الله الحرام، وهو شيخ الركب من أرضنا حتى يصل إلى توات فيكون الأمر لأبي نعامة»
    كان ركب الحاجَّ الولاتي هو ركب حجاج أهل البلاد كلها قبل أن تسمى بلاد شنْقِيط، وهو ما يرجع إلى أسبقية مدينة ولاتة على مدينة شنْقِيط زمنيا وتنظيما لركب الحاجَّ، وبفعل اتجاه طرق القوافل التي كانت أقرب لولاتة قبل القرن الثالث عشر/ الـ 19م منها لشنْقِيط التي ستتحول نحوها الطرق في ذلك القرن وتصبح مركزا للركب الشنْقِيطي الكبير.

    ركب الحاج الشنْقِيطي( )
    البداية الأولى لاستقلال ركب الحاج الشنْقِيطي القادم من بلاد شنْقِيط عن مثيله التّكْرورْي، ربما حدثت منذ انطلق ركب الحاج من بلاد شنْقِيط عبر هذه المدينة في نهاية ق11هـ/17م ويضاف إلى ذلك ما يعرف عن أهل هذه المدينة من ولعهم المحموم بالحج، الذي يؤكده ما جاء في صحيحة النقل من أنه (قد تحج الدار من أهل شنْقِيط كلها لا يبقى فيها أحد من شدة اعتنائهم بالحج....).
    وهكذا انتظم خروج ركاب الحاج الشنْقِيطي على نحوٍ مُتَّضِحٍ بجلاءٍ من أعْداد الملتحقين به فضلاً عن نوعيتهم التي أسلفنا إليها الإشارة. فقد كان يقدر عدد الحجاج المنطلقين من شنْقِيط سنوياً بثلاثة إلى خمسة آلاف حاج ، وهو رقم هائل إذا أدركنا أن عدد حجاج (موريتانيا) اليوم وقد تطورت وسائل المواصلات، لا يكاد يصل 2000 حاج سنويا. وفي تقرير أكثر تواضعاً كان يقال إن ركب الحجيج يتكون من 60 راحلة بصحبتها 300 للبيع( ).
    وقد انطلقت من مدن بلاد شنقيط رحلات حجية هامة نعرض هنا جوانب منها مع التعريف بأصحابها:
    1 - رحلة الطالب أحمد بن طوير الجنة الحاجي الواداني( ): للتعريف به فهو عالم صوفي، والطالب لقبه على عادة العلماء في الانتساب للتلمذة ولو بعد أن يجاوزوا آماد الطلب. أما طوير الجنة، اسم أبيه، فهو تلك الفراشة الجميلة اللطيفة التي يتفاءل بها المغاربة ويسمونها أيضا بشار الخير.
    ولد عام 1202هـ بمدينة وادان( ) في أسرة علمية محافظة، وبعد أن حفظ القرآن ومبادئ الفقه والنحو دفعه والده للتلقي عن الشيوخ، فأخذ عن ابن عمه أحمد سالم بن الإمام وأخيه محمد السالك بن الإمام، ومحمد فال بن امْباريكي ت 1269هـ، ثم لازم العالم الأصولي سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي ت1233هـ، بقرية تجـﯖجة مدة اثنين وعشرين عاما، أخذ عنه العلوم التي تلقاها في فاس والقرويين وغيرها من أمصار الإسلام.
    ولما أتم درسه على ابن الحاج إبراهيم، عاد إلى بلدته وادان وانثال إليه الطلبة وكان من أبرزهم تلميذه المشهور محمد الصابر التاشدبيتي، والأديب المشهور محمد بن محمد بن الصغير ابن انبوجة التيشيتي، صرح بذلك ابنه عبد الله في كتابه (ضالة الأديب).
    كان ابن طوير الجنة فقيها واسع الاطلاع قوي الشخصية، يستحضر الدلائل والنصوص ويجيب بديهة عن الأسئلة. وكان متصوفا على درجة عالية من الزهد والورع وحسن الاعتقاد في الصالحين.
    ومن أهم محطات حياته التي أعطته شهرته، رحلته المشهورة المعنونة (رحلة المنى والمِنّة) إلى المشرق لأداء فريضة الحج، ومر خلالها بكثير من البلدان واتصل بكثير من الأعيان من رجال العلم والحكم والسياسة ـ مسلمين وغير مسلمين ـ وشاهد برا وبحرا مظاهر الحياة الجديدة التي تختلف عن تلك التي يعيشها قومه الشّناقِطة في صحرائهم.
    وكان خرج من بلده يوم 7 جمادى عام 1245هـ متوجها نحو الشمال، وبعد شهرين من المسير وصل إلى ناحية وادي درعة وفي نيته أن يلتحق بالركب السجلماسي ( الفيلالي) ولكنه لما بلغها وجد الركب رحل، فأقام ثلاثة أشهر عند قبيلة تجكانت، بناحية تندوف، ثم سار نحو إقليم سوس ودخل من قراه ردانة وتيوت، وقصد بعده حاضرة مراكش، زائرا في طريقه إليها كثيرا من الأضرحة والزوايا ملاقيا العديد من أهلها وغيرهم، منهم الشيخ التهامي بن محمد الأوبيري الذي استضافه في زاويته، وحمّله رسالة إلى السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام العلوي يخبره فيها بمقدمه ويعرفه بمكانته في قومه ويرغبه في لقائه.
    ولما وصل مراكش استقبله السلطان واحتفى به وأكرم نزله وتمتع بمجالسته وانبساطه معه في مذاكرته، وحدث السلطان في تلك المذاكرات عن شأن بلاد شنْقِيط وسكانها وعلمائها وزاوياها وعربها وعادات أهلها، وحياة المغافرة بها ومعاملتهم للزوايا، وعبّر السلطان بمرارة عن تراجع الحركة العلمية بالمغرب، مبديا الإعجاب بنهضة العلوم والدرس في صحراء شنْقِيط.
    وبعد مراكش توجه ابن طوير الجنة إلى فاس ليلتحق فيها بركب الحاج الفاسي المنطلق برا، لكنه فوجئ عند وصوله إليها بخبر الغزو الفرنسي للجزائر وسيطرته على العاصمة، فعدل عن التوجه برا إلى المشرق واختار التوجه إليه عن طريق البحر، فكتب على السلطان يطلب السفر بحرا فأمر قائده بالعرائش بأن يُركب الطالب أحمد ومن معه في السفينة مع العناية بهم.
    ولم تتجاوز مدة إقامة الرحالة ابن طوير الجنة بفاس خمسة أيام لقي خلالها عددا من العلماء وزار الكثير من أضرحة الصالحين ولاسيما ضريح المولى إدريس الثاني. ثم سافر بعدها يوم 1 جمادى الثانية عام 1246هـ إلى العرائش ليبحر من مرساها إلى الإسكندرية، وهو يذكر أن السفينة التي ركبها كانت مملوكة لتاجر من أهل فاس يقيم بمدينة الكرنة Livourne لا يذكر اسمه لكنه قطعا التاجر الناجح والشاعر الأديب أحمد الطالب اللبار الذي كان يتجر مع إيطاليا وبها توفي عام 1266هـ.
    وفي مرسى الكرنة وكل المراسي الأخرى التي توقف بها كان ابن طوير الجنة يخضع لنظام الحجر الصحي (الكرنطينة) وهو في نظره نظام مخالف للشرع، وسببه ـ حسب ـ قوله (..اعتقادهم (أي النصارى) الفاسد أن الموت يكون بالعدوى لا بانقضاء الأجل كما هو معتقد أهل السنة).
    وبعد انتهاء مدة الحجر الصحي توجه إلى الإسكندرية ثم على القاهرة فالسويس قبل أن يقطع البحر الأحمر إلى ينبع من أرض الحجاز، وكان همه الأكبر في كل تلك البلاد زيارة قبور الفقهاء والصالحين كالإمام الشافعي وخليل بن إسحاق المالكي والخرشي والزرقاني وابن الحاجب والشاعر محمد البوصيري صاحب الهمزية والبردة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.
    وأقام ابن طوير الجنة سبعة أيام بالمدينة ذهب بعدها على مكة المكرمة فدخلها يوم 6 ذي الحجة 1246هـ حيث أدى فريضة الحج، وعاد منها على المدينة يوم 22 من نفس الشهر فمكث فيها 17 يوما.
    سافر بعدها صحبة ركب الحاج المصري إلى مصر حيث استضافه تاجر مغربي اسمه أحمد الغربي الذي نظم بعد الضيافة سفره على برقة فبنغازي فطرابلس. ويذكر ابن طوير الجنة أنه لما كان في بنغازي اقترح عليه أهلها الذين لم يقصروا في الاحتفاء به تأليف كتاب في الرد على إحدى الجماعات التي يرونها بدعية، فألف لهم رسالته المسماة فيض المنان في الرد على مبتدعة هذا الزمان).
    ولما انتقل بحرا من طرابلس زار عددا من المدن الشهيرة بالبلاد التونسية كصفاقس والقيروان وجربة والمنستير، ولم يتخل عن عادته في زيارة الأضرحة والقبور في كل بلد حل به، وأعجب بما رآه من سعة العمران في العاصمة تونس، وبما ضمه جامعها الزيتونة من فطاحل الفقهاء وجهابذة العلماء مما جعله يقيم بها ستة أشهر.
    وخلال إقامته كان يترقب مرور سفينة تنقله مباشرة إلى المغرب دون المرور على الجزائر خوفا من اللصوص الذين كانوا يعترضون القوافل في طرقها وينهبونها. وبالفعل وجد السفينة التي تنقله إلى المغرب، فركبها يوم 30 جمادى الأولى عام 1247هـ ولكن الرياح أجبرته على التوقف في مرسى بجاية، وهي مدينة كانت في السنة الأولى من احتلال الفرنسيين لها، ولما علم ضبط الاحتلال بوجوده فيها وعرفوا مكانته سارعوا إلى إكرامه والاحتفاء به رغبة منهم في كسب ود أعيان قبائل الصحراء، وجوارها الذي كانت دولتهم فرنسا تتسابق مع الإنجليز لاحتلالها.
    ومن عنايتهم به أنهم جعلوا في خدمته مترجما يرافقه، ويلبي أغراضه، وأن حاكم الجزائر الفرنسي الدوق دوروفيكو وضع لنقله ومن معه من المسلمين سفينة حربية أمر ربانها بأن ينزله في أي جهة كانت، ولو كانت بعيدة دون أداء كراء.
    وسارت به السفينة نحو طنجة، وقبل أن ترسو بها عرجت على جبل طارق حيث أنزلته فاستقبله قنصل المغرب به، وهو يهودي يسمى يهْدا بن عْليّلْ، واستضافه في بيته، كما استقبله حكامه الإنجليز بمثل الحفاوة التي استقبله بها الفرنسيون بالجزائر، ولنفس الأسباب والأغراض، وربما حسبه الإنجليز أحد أمراء الصحراء لأنهم أطلقوا المدافع ترحيبا بمقدمه، فردت عليها السفينة الحربية الفرنسية بطلقات مماثلة، والمدافع لا تطلق عادة إلا للترحيب بالعظماء من ملوك ورؤساء وأمراء، وأقاموا له الحفلات والعروض العسكرية البديعة وإن لم يعفوه من الحجر الصحي، جريدة وقائع جبل طارق (GIBRALTAR CHRONICLE ) مقالا في عددها الصادر يوم 14 يناير 1833 نعتته فيه بملك شنْقِيط.
    للمترجم مؤلفات منها:
    تاريخ ابن طوير الجنة، حوادث من 57هـ إلى عام 1258هـ من دون تسلسل ولا استقصاء، ورحلة المنى والمنة، توجد منها نسخ متفرقة في البلدان المغاربية والسنيغال، نسخة المكتبة الوطنية بالرباط منقولة على ميكروفيلم رقمه 1534 وهي مبتورة الأول تنقصها صفحات عديدة بالوسط. وقد اهتم الفرنسيون بهذه الرحلة فنشر الاستاذ ديستانك عرضا لابرز محتوياتها في أحد أعداد (المجلة الإفريقية) الشهيرة La Revue Africaine الصادر سنة 1911، كما قام مستشرق إنجليزي اسمه هنري ثرلوال نوريس H.T.NORRIS (أستاذ بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن) بترجمة النسخة المحفوظة بوادان (موريتانيا) إلى اللغة الإنجليزية ونشرها عام 1977م.
    ومن رحلته نقتطف حديثه عن انطلاقه وبعض محطاته المحلية والمغربية والمشرقية إلى رجوعه لمدينته وادان:
    ((...إنا خرجنا من تِيشّيتْ ـ جمع الله شتاتنا وشتاتها وأعظم ميقاتنا وميقات جميع بلادنا ـ  يوم الخميس وقانا الله وجميع المسلمين كل بأس، يوم السابع من جمادى الأولى عام خمسة وأربعين بعد المائتين والألف، يوم خروج المصطفى من المدينة المنورة [ونعني بذلك،  اليوم الذي خرج فيه المصطفى - صلى الله عليه وسـلم لحجـة الوداع، وهو يوم خروجنا ـ نحن ـ من تيشّيت إلى المدينة المنورة] على ساكنها أفضل الصلـــواة وأزكى السلا م قاصدا حجة الإسلام وهي حجة الوداع.
        وخرجنا قاصدين بيت الله الحرام والمصطفى صلى الله عليه وسلم سيد الأنام أكرم أنبياء الله الكرام صلى الله عليه وعليهم وعلى آله العظام وذريته الطاهرين الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، ومكثنا بين تيشيت و وَلاتَة اثنتي عشرة ليلة، ومكثنا فيها اثنتي عشرة ليلة، وخرجنا منها مـع تَجَكانِتْ  قاصدين وادي درعة ، ومررنا على طريق لكصيبة، ومكثنا بينهمـا أربعة عشر يوما لا ماء بينهما وإنما الماء في القرب على الجمال،[ و] لكل رجل أربع قِرب، ومكـــثنا بين ولاتة ووادي درعة  بضعة وستين يوما، لا إنس ولا أنيس ولا دار ولا ديّار، وإنما هي مهامه فيح، فوجدنا أهليهم بوادي درعة وكنا قاصدين السير مع الركب الفلالي فوجدناهم حجوا قبلنا، فمكثنا عند تجكانت شعبان ورمضان وشوالا وكنا أتيناهم في أوائل شعبان، فلما مكثنا عندهم هذه الأشهر صرنا متشوفين  إلـى فاس  ومراكش  والجبل الذي دون مراكش من عادته قطاع الطرق من هوّارة  وغيرهم ممن هـو معروف.
    عام قفولنا من الحرمين عام سبعة وأربعين ومائتين وألف والله ورسوله أعلم بعواقب الأمور خرحنا الله نحن والمسلمين عموما وخصوصا في الأمور كلها أحوالها وعواقبها ومآلها آمين يا أرحم الراحمين، وبين الجزائر وتلمسان عشرة أيام وبين تلمسان وفاس عشرة أيام فحصل أن بين تونس وفاس أربعين يوما سيرا بلا إقامة وهي من الأربعينات الأربع التي بين فاس ومكة شرفها الله تعالى، والثانية هي التي من تونس إلى طرابلس، والثالثة من طرابلس إلى مصر، والرابعة من مصر إلى مكةـ شرفها الله تعالى. ومن وادان إلى فاس نحو خمسين يوما، فصار الحاصل بين ودان ومكة شرفها الله تعالى نحو خمس أربعينات تقريبا..)( ).
    2 - رحلة محمد يحيى بن محمد المختار الولاتي، لا نعرف تاريخ مولده ولا أسماء شيوخه أول درسه، ودرس برهة على ابن بوگفه وهو فقيه ولاتي، ثم على عمار بن محمد الطفيل، وأبي بكر بن أحمد الولاتيين، وتنقل يستمع ويطالع يساعده في ذلك ذكاء وقاد وعلو همة وقوة شخصية، وأعطته رحلته شهرة واتصالا بالعلماء والسلاطين في المغرب والمشرق.
    كان معتزا بشخصيته ونسبه ومدينته، حتى إنه لم يقبل أن يُنسب كأهل موريتانيا ومحيطها إلى مدينة شنْقِيط، بل تشبث بهويته الولاتية فاشتهر بلقب: الولاتي حتى توفي.
    ترجم له ابن إبراهيم في الإعلام بمن حل مراكش من الأعلام (7/180-181) وحلاّه بالفقيه العلامة الأصولي المشارك الفهامة.
    توفي الفقيه محمد يحيى سنة 1330هـ/1912م، وترك عشرات المصنفات بالغة العمق والرصانة وجودة التحرير في الحديث والأصول والفقه والفتاوى ومسائل مختلفة.
    يصفه المفتي التونسي محمد باش طبجي وصفا بالغ الدلالة: (.. رجل تلوح عليه الشهامة يمثل عربيا من تهامة أو كأنه نشأ في بادية اليمن أو أدبته امرأة من علياء هوازن فلا غرو أن يحنو في نطقه الاعتيادي حذو العربية الفصيحة..)( ).
    بدأ الرحلة من ولاتة في 7 رجب 1311 (14يناير 1894م)( ) ثم بقي أسبوعين طريح الفراش في البادية لمرض ألم به وانتقل إلى تيشيت حيث مكث بها ثمانية أشهر، ومنها إلى آغْرَيْجيتْ، قرية قبيلة أولاد بَلّ وهم رفقته في الرحلة، ثم سافر إلى شنْقِيط ومكث شهرا في الطريق، ثم أقام بشنْقِيط شهرين كاملين، ومنها ارتحل في 5 رمضان 1312هـ قاصدا اكليميم التي وصلها 4 شوال 1312هـ ونزل في ضيافة القائد دحمان بن الشيخ بيروك، ومكث مدة أجاب فيها عن نازلة تتعلق بالجمعة في مسجد اگليميم لدى قبيلة تكْنة، ومنها رحل إلى تازروالت، ثم إلى مدينة الصويرة حيث استضافه الشريف عبد الله بن كردن السباعي، وأقام عنده عشرة أيام، ومن الصويرة ركب بحرا إلى الرباط أيام السلطان عبد العزيز العلوي، ثم ارتحل منها إلى الحجاز لثمان بقين من شوال عام 1313هـ مارا بطنجة ومنها عبر الجزائر ومنها إلى تونس فبور سعيد بمصر، ومنها إلى جدة عبر قناة السويس، وبعد عودته كملت رحلته بتاريخ بأروان 6 شوال 1317هـ /1900.
        وتمثل رحلة الولاتي مرحلة الحج الفردي غير المنظم الذي عرفته البلاد منذ نهاية 13هـ/19م وأغلبه عبر المغرب في العهد العلوي، الذي كان يحتفي بالعلماء الشناقطة وييسر لهم أمر حجهم.
    3 - رحلة الشيخ محمد أمين بن فال الخير الحسني( ) وقد ولد في غرب موريتانيا (عند الآبار المعروفة باسم: عگل قبيلة إدابلحسن =الحسنيّون)، ونشأ في طلب العلم وحفظ القرآن العظيم والمنظومات العلمية كما ينشأ طلاب العلم في بلده لكنه توسع في دراسة الأدب والشعر الذي كان سائداً في المنطقة آنذاك، ولما بلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً أي في سنة 1318 ذهب إلى المغرب لطلب العلم ودار في مدنها: الصويرة ومراكش والدار البيضاء والرباط، ومنها كان ينوي الذهاب إلى فاس حاضرة العلم والعلماء في المغرب الأقصى لكنه أصيب بالجدري ثم شفاه الله منه في العام نفسه فتوجه إلى القاهرة، ووفد على بلديّه الشيخ المشهور العلامة محمد محمود التركزي الشنقيطي المعروف بابن التلاميد، فعني به وأخذه إلى مفتي الديار المصرية آنذاك الشيخ محمد عبده، فعُني به أيضاً وكتب له كتاباً إلى محافظ السويس ليركبه إلى جدة، فأدى العمرة في أواخر المحرم سنة 1319.
    ثم توجه إلى المدينة ليصاب بحمى ثقيلة لمدة سنتين لكنها لم تمنعه من التردد على العلماء ودروسهم، وبقي في الحجاز بين مكة والمدينة إلى سنة 1326/1908، وذلك لأنه قد بلغه استيلاء الفرنسيين على بلاده فلم يشأ أن يبقى تحت العبودية، ثم سافر إلى الهند، ثم إلى عُمان فالبحرين، ثم الإحساء وقرأ هناك على شيخها عيسى بن عكاس.
    وفي صفر سنة 1327/1909 جاءته رسالة من أحد مشايخه يطلب منه أن يتوجه إلى الزبير في العراق ليدرس في مدرسة بناها مزعل باشا السعدون فلم يجد بداً من الذهاب، فلما وصل الزبير وجد أن مزعل باشا قد مات، وقد عين أوصياؤه رجلاً مغربياً مدرساً في المدرسة فهمّ بالرجوع فطلب إليه بعض الطلبة أن يعقد لهم دروساً ففعل فأعجب به كل من سمعه حتى إنهم رجوه أن يبقى بينهم فاستجاب لهم وبقي بينهم ورأوا أن يقيدوه فزوجوه فتاة يتيمة فكانت أمَّ أولاده السبعة.
    وقام في البصرة يعظ بأسلوب قوي وجريء يحارب فيه الأوهام والبدع والخرافات، وينعى على العلماء جمودهم وتقصيرهم، وعلى الدولة العثمانية تعطيلها للحدود الروادع وإقرارها للفواحش - وهذا والله أعلم لأنه كان يدير الدولة العثمانية آنذاك جمعية الاتحاد والترقي الماسونية- وكل هذا أثار عليه بعض المشايخ الذين حسدوه ورفعوا إلى مدير الناحية أمره وأنه يجب إبعاده لأنه يحرض العوام على الدولة العثمانية ويقلل من شأنها وهيبتها في النفوس؛ لكن كان المدير عاقلاً عالماً بسبب الحملة هذه على الشيخ فذهب إلى الشيخ محمد بن عوجان إمام مسجد الباطن وكان تقياً ورعاً فسأله عن الشيخ الشنقيطي فأثنى عليه وبين أنه لا يقصد في وعظه إلا الخير، وأنه قد حصل به خير كثير لأهالي الزبير فاقتنع مدير الناحية وكفَّ عنه.
     وبقي الشنقيطي يدعو إلى الله تعالى ويجتهد في نشر الخير إلى سنة 1331/1913 حيث دُعي إلى الكويت ليشارك في الجمعية الخيرية التي أنشأها مجموعة من أهل الكويت وكان الغرض منها إعداد طلاب العلم في البلاد العربية المتفوقة علمياً آنذاك مثل القاهرة ودمشق وبيروت، والإنفاق عليهم حتى يعودوا، ولها أغراض خيرية متنوعة، وقد أسهمت هذه الجمعية في تحريك المجتمع الكويتي آنذاك ودفعه إلى نهضة فكرية وعلمية وأدبية فقد دعت إلى الكويت مشايخ كثيرين كرشيد رضا وحافظ وهبة ومصطفى لطفي المنفلوطي وعبد العزيز الثعالبي التونسي وغيرهم، وظل الشيخ الشنقيطي في الكويت يعظ ويدرس إلى أن أصبحت الحرب العالمية الأولى على الأبواب، وكان الحاكم في الكويت آنذاك الشيخ مبارك الذي كان قد عقد اتفاقية مع الإنكليز سنة 1899 فخشي من الجمعية فأغلقها، وكاد الشيخ الشنقيطي أن يعتقل إثر أحداث جرت هناك حيث تخوف مبارك منه ومن مناصرته الدولة العثمانية فهرب إلى الزبير تاركاً زوجه وأولاده ست سنوات!!
     ولما وصل البصرة راح يدعو للجهاد في سبيل الله ضد الإنجليز الكفرة، ولم يكتفِ بهذا بل شارك في القتال بنفسه في معركة الشعيبة، وهي قرية تبعد عن البصرة عشرة أميال وعن الزبير ميلين، وقصة هذه المعركة كالتالي:
     وردت برقية من البصرة لمختلف المدن العراقية جاء فيها: "ثغر البصرة الكفار محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع" وتليت البرقية على الناس، وصار الوعاظ والخطباء يلهبون الحماس ويثيرون المشاعر الدينية وأن الإنكليز إذا احتلوا العراق فإنهم سيهدمون المساجد، ويحرقون القرآن، وينتهكون حرمات النساء، وساد العراق كله حركة جهادية جليلة خاصة عندما أفتى شيخ الإسلام في الدولة العثمانية آنذاك خيري أفندي أن الجهاد قد أصبح فرض عين على جميع المسلمين، والتحم المسلمون بالإنجليز في الشعيبة ثلاثة أيام أظهر فيها المسلمون شجاعة هائلة وحماساً عظيماً، وكان الهنود المسلمون جنوداً في الجيش البريطاني!! فأثرت فيهم دعوات الجهاد فكان الإنجليز ينخزونهم بالسيوف والحراب ليخرجوهم لقتال المسلمين، وانتهت المعركة بانتصار الإنجليز المتفوقين عسكرياً.
    ومن ثم انتقل الشنقيطي إلى بغداد لمدة أربعة أشهر ومنها إلى حائل التي مكث فيها قليلاً يدرس ثم توجه إلى عنيـزة واجتمع بالملك عبد العزيز هناك، واستضافه آل البسام مدة كتب فيها مذكراته.
     ثم إن الشيخ أحمد الجابر الكويتي أراد الحج فعرّج على عنيـزة واقترح على الشيخ الشنقيطي أن يرافقه إلى الحج، فوافق الشيخ وأكرم الشريف حسين مثواهما في مكة، ثم عاد إلى عنيـزة وبقي فيها سنتين يدرس ويعظ، ثم لما مات مبارك الكبير عاد إلى الكويت ليرى أسرته التي تركها ست سنوات!! والتقى بأمير الكويت الشيخ سالم الذي أساء استقبالهم إلى حد غريب فطرده من البلد وأمهله ثلاثة أيام للخروج منها، وربما كان ذلك بسبب ما جرى بين مبارك الكبير والشنقيطي، والله أعلم.
     وتوجه الشيخ إلى الزبير ثم لحقت به أسرته بعد ذلك، وأخذ في وعظ الناس وإرشادهم، ودعاهم إلى إنشاء المدارس فاستجاب له نفر من الزبيريين وأنشأوا جمعية النجاة سنة 1339/1920، ومدرسة النجاة سنة 1342/1923، وقد تفوقت هذه المدرسة على مثيلاتها، وصار لها أثر جليل، وبلغ عدد طلابها سنة 1366/1947 أربعة آلاف طالب منذ تأسيسها.
     ولما تأسست المدرسة سأله أحد وجهاء العراق عن رأيه في افتتاح مدرسة للبنات فبين الشيخ أهمية هذا الأمر، لكن الحسدة لم يرضوا إلا أن يؤذوه بهذه الفتوى فهيجوا عليه العامة بدعوى أنه يريد شيوع الاختلاط بين الرجال والنساء، وفاجأه أحد العوام بعد العشاء فضربه بعصا ضرباً مبرحاً، لكن أنقذه بعض الحاضرين، وأخذ الرجل للسجن، وانتشر الخبر في العراق والكويت والخليج، ووردت البرقيات المنددة بهذا الصنيع الآثم، ولما خرج الرجل المعتدي من السجن جفاه الناس وعضّه الجوع بنابه حتى جاء باكياً إلى الشيخ تائباً معتذراً فواساه الشيخ بطعام من حانوت يتعامل معه، وكان الشيخ بهذا مطبقاً لقوله تعالى: [والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس].
     ولما صار الشيخ أحمد الجابر أميراً للكويت -وكان صديقاً للشنقيطي- جاءته دعوة من النادي الأدبي في الكويت سنة 1343/1924 فلباها مسروراً واستقبل استقبالاً حافلاً وأقيمت له حفلة تكريمية رائعة، أنسته ما لاقاه زمان مبارك وسالم من قبل، وعاش أياماً سعيدة في الكويت.
     ثم إنه عاد إلى الزبير ليشرف على المدرسة التي أسسها هو وثلة من وجهاء الزبير، وكان يعمل كل ما في وسعه من أجل إنجاح مقاصد المدرسة ورعاية طلابها وجلب التبرعات لها من المحسنين في العراق والكويت، وسار على هذه السيرة حتى صار خريجو المدرسة منتشرين في الزبير والبصرة والكويت وبغداد وغيرها وصار منهم الأطباء والمحامون، والعسكريون والمربون، والشعراء والوعاظ والمعلمون، وثبت الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى على عطائه وبذله حتى لقي الله تعالى سنة 1351/1932، ودفن في مقبرة الحسن البصري رحمه الله تعالى.
    وهناك رحلات أخرى عبر طريق السافانا الإفريقي (من شرقي موريتانيا غربا إلى السودان شرقا) وقد ازدهر مع تعذر طريق البر والبحر شمالا، بفعل احتلال الجزائر، ثم الاحتلال الفرنسي للمغرب، وازدياد النهب والسلب في صحراء الجزائر، اتجهت عدة رحلات حجية هامة نحو الحجاز عبر طريق بري طويل، يمر بمالي فالنيجر فشمال نيجيريا إلى تشاد فالسودان حيث ميناء سواكن( ) ومنه إلى جده.
    ويمكن تقديم رحلتين بارزتين مرتا عبر هذا الطريق الطويل والشاق، وهو في الحقيقة طريق إفريقي بكل المقاييس، حيث تلتقي الغابة بالسافانا، والصحراء بالمياه، والبشر بالأسود وبني آوى وكل صنوف الدواب.
    رحلة محمد الأمين الجكني، (شهرته في بلده آبا بن خطورة):  ستأتي ترجمته في القسم الخاص بالحضور الشنْقِيطي في الحجاز، وتأتي رحلته كأهم رحلة شنْقِيطة عبر الطريق الإفريقي الشرقي (طريق السافانا كما يسميه الباحث الإنجليزي ).
    ونصها ملخصا كما نقله محمد صالح المنجد( ): ((....بدأ الرحلة في السابع من شهر جمادى الآخرة، وحط عصا الترحال في العشر الأوائل من ذي الحجة من نفس العام، وصل على الموسم رحمه الله، وكان الباعث على الخروج كما بين قول الله تعالى:  [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]  (آل عمران:97) لا قول عمر بن أبي ربيعة:
    إن كنت حاولت دنيا أو أقمت
                                   لها ماذا أخذت بترك الحج من ثمن

    ثم قال: اعلم أنا خرجنا من عند أهلنا بجانب الوادي والبطاح والمياه والنخيل وودعنا كل قريب وخليل،  .. (ومر بقرى شرقي موريتانيا* ثم وصل قرية النوارة في مالي (يسميها النواري)... الشنْقِيطي في قرية النواري: وقال: بتنا في القرية الفلانية بـالنواري ... وليس لي فيها معرفة. قال: وجاءت بنا السيارة، بلد بامكو الليلة الثالثة آخر الليل فنزلنا عند تاجر منا طيب الشمائل والأخلاق اسمه أحمد بن الطالب الأمين، وهو من أخص إخواني وتلاميذي، فبالغ في إكرامنا وأهدى لنا ثياباً ودفع عنا أجرة السيارة إلى بلدة نبتا فابتدرنا السفر إلى هذه الجهة، وركب معنا أخونا المذكور في السيارة، وباتت بنا في تلك الليلة في قرية اسمها سكتو وباتت في الليلة الثانية في قرية اسمها صن، ومررنا في طريقنا على قرى صغيرة مساكنها العرش والأخواص، يزرعون الذرة واللوز، وليس على أبدانهم شيء من الثياب أصلاً، ... سمعت بالاستفاضة أنهم وثنيون يعبدون الشجر، وما نزلنا في شيء من قراهم، ولا كلمنا منهم أحداً مع أن السيارة تمر بنا من بين مزارعهم، ... ثم جاءت بنا السيارة بلدة مبتى وقت الظهر فنزلنا في دار فيها تجار منا فبالغوا في إكرامنا وبتنا معهم ليلتين، ثم ذهبنا إلى بلدة فاوى ودوينصة، ودخلنا فاوى وقت الضحى، فنزلت عند رجل تاجر من أبناء العلم اسمه الزاوي، وهو رجل طيب الأخلاق والشمائل فأحسن إلينا غاية الإحسان، واجتمع علينا التجار من قبيلتنا الجكنيين، كانوا في أرض فاوى فمكثنا معهم أسبوعاً في غاية الإكرام والتبجيل. وزارنا كثير من أهل فاوى، ... الشنْقِيطي يلقى الترحيب والإكرام في أكثر القرى التي مر بها:
    قال: ولما قدمنا إلى بلدة أنيامي في الضحى بعد الليلة الثانية، نزلنا عند تاجر اسمه الكيدي تورى، وهو رجل كريم السجايا والطبائع، فيه نفع للمار به من عامة المسلمين -جزاه الله عنهم خيراً- ففرح بقدومنا وأكرمنا غاية الإكرام، ورغب جداً في أن نقيم عنده شهر رمضان وقد استهل ونحن عنده، ووعدنا بأن يحملنا من كيسه في طائرة إلى جدة إن أقمنا معه مدة، ... الشنْقِيطي وبعض الصعوبات التي واجهته أثناء الرحلة: ركبنا في قطار الحديد إلى قرية تسمى جص فبتنا دونها ليلة، وجئناها من الغد فوجدناها كما قال الشاعر:
    ولكن الفتى العربي فيه
                                 غريب الوجه واليد واللسان

    غريب الوجه: أي: ما ترى فيها عربيا، واليد واللسان، ولا لسانا عربيا، فلم يفهموا كلامنا، ولم نفهم كلامهم، وبتنا فيها ليلة واحدة، ثم وجدنا واحداً يفهم من العربية قليلاً، فحصل بيننا مفاهمة مع صاحب سيارة ذاهبة إلى بلدة مادثري، فدفعنا لصاحبها أجرتها وركبنا فيها، فلما سارت بنا تسعة وستين ميلاً وقع فيها خلل مانع من الحركة، فمكثنا يومين وليلة في محل واحد موحش، كثير البعوض والندى -الرطوبة- في خلاء من الأرض ثم أصلح فسادها حتى لم يبق بيننا وبين البلدة التي يقصدونها إلا مائة ميل وسبعة عاودها الفساد، فمرت بنا سيارة ذاهبة إلى تلك البلدة، فدفعنا الأجرة لصاحبها وركبنا فيها، فأدخلتنا البلدة في تلك الليلة، فنزلنا على تاجر اسمه عبد المحمود، فأصلح لي خللاً كان في جواز رفيقي عند الحكومة، فشكرت له، وتذكرت قول الشاعر:
    وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعةً
                                 من جاهه فكأنها من ماله

    ومكثنا في هذه البلدة ليلتين، ثم سافرنا إلى فورنلي، فركبنا بالأجرة في سيارة مشت بنا خمسة أميال ففسدت فساداً مانعاً من الحركة، فبتنا في ذلك المكان، وأرسل الله مطراً كأفواه القرب، فلما كان آخر النهار فعل لها سائقها شبه الإصلاح، وسرنا فيها آخر النهار سيراً ضعيفاً للخلل الواقع بها، فلما سارت بنا ستة أميال راجعها الفساد بأشد من الحالة الأولى فبتنا في ذلك المكان تلك الليلة، ولما ارتفع النهار مرت بنا سيارة، فدفعنا الأجرة إلى صاحبها وركبنا فيها، فسارت بنا بقية اليوم، فلما كان آخر النهار حبسها المطر، في قرية اسمها كنبار، فلما كان من الغد وجاءت بنا آخر النهار إلى بلد اسمها كسرى، فأتعبنا أهل مركزه بتفتيش المتاع، وأخذوا منا جوازات السفر وباتت عندهم. أي: هذا يؤخذ منه، كيف الذي كان يحج البيت العتيق، يعاني من المشاق الشديدة في السفر، والآن ينبغي أن نحمد الله سبحانه وتعالى على الوسائل التي هيأها للسفر، فكيف كانوا يعانون لأجل الذهاب إلى البيت العتيق، وتعترضهم هذه الاعتراضات. ... ...الشنْقِيطي في معهد أم درمان: ثم ذكر بعد ذلك في الطريق أن بعض الأساتذة المدرسين في معهد أم درمان، وأثنى على أم درمان، وعلى معهد أم درمان، وعلى الطلاب الذين في هذا المعهد الديني، ... ...الشنْقِيطي في أرض الحجاز: سافرنا في العشر الأواخر من ذي القعدة من سنة (1367) هـ متوجهين إلى سواكن، فبتنا دونها، وجئناها من الغد فنزلنا في خيم مبنية للحجاج، وأخذنا جوازات السفر إلى الحجاز، وما توصلنا إلى أخذها حتى تعبنا من الزحام في المركز لكثرة الحجاج المزدحمين لأخذ الجوازات، وكان بواب المركز يُدخل قبلنا كثيراً من أخلاط الناس من أسود وأحمر ونحن جئنا قبلهم، فذكرني ذلك قول عصام بن عبيد الزماني :
    أدخلت قبلي قوماً لم يكن لهم
                               في الحق أن يدخلوا الأبواب قدّامي

    أي: هذه شغلة الواسطات، دخل ناس قبلنا ونحن واقفون، ثم بعد أن تحصلنا على أخذ الجوازات وبعد أن سلمنا الرسوم المقررة مكثنا في محل النظر في صحة الحجاج ثلاثة أيام، ثم ركبنا في السفينة متوجهين إلى جدة، فمكثت السفينة بنا يوماً وليلة في البحر، ثم نزلنا من الغد في جدة في بيت لآل جمجوم عمومي لنزول أهل قطرنا -أي: هذا البيت مخصص للشناقطة ينزلون فيه- فمكثنا ليلتين في جدة، ولم نجتمع بأحد من أهلنا، لكن اجتمعنا برجل سوداني موظف في بعض الشركات اسمه أحمد بكري، فأحسن إلينا وحملنا إلى مكة المكرمة بواسطة رجل طيب من موظفي إدارة الحج، فركبنا من جدة بعد صلاة المغرب، محرمين ملبين تلبية النبي صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك. وكان إحرامنا بالحج مفرداً. ...)).

    ثانيا: الرحلات والتواصل الفكري

    لم يكتب تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، بشمولية وتحليل نقدي، لسببين اثنين على الأقل:
    - مشكل المنهج: حيث سيطرة التاريخ التقليدي، الماثل في الحدث السريع في معطياته السياسية والوقائعية، مما جعل زمان الثقافة البنيوي مغيبا لصالح الزمن السياسي الذي تعكسه الحوليات والتراجم والطبقات في سرد وفيات الأعيان ورحلاتهم ومناقبهم، ولم يجر تحليل لها وكشف عن ما تحويه من شواهد تصلح لبناء التاريخ الثقافي الصامت الذي يبرز تطور المؤسسات والخطاب والأفكار عبر القرون والمدة الطويلة بتعبير مدرسة حوليات الفرنسية الشهيرة.
    - قضية الإيديولوجيا: حيث يسيطر التفكير القطري على تاريخ الثقافة العربية، ويكرس الصراع على الريادة والتميز وينظر إلى الماضي بعين الحاضر، ويؤرخ للثقافة من منظور إيديولوجي يلغي تاريخيتها.
    ولذلك فنحن هنا، نقدم مثالا من تاريخ الثقافة العربية الإسلامية في الأمصار (الطرفية)، في موريتانيا وبلاد "السهل" الصحراوي، وصلتها بمراكز الفكر العربي التقليدية لاسيما في المشرق العربي: المركز الديني والسياسي للحياة الثقافية العربية من ظهور الإسلام إلى القرن الرابع الهجري.
    لقد دُرس الفكر العربي دراسة إيديولوجية من قبل مفكرين عرب معاصرين، لاسيما في أعمال حسن حنفي، وقدم تحليل نقدي للعقل المنتج للفكر العربي في مشروع الجابري، لكن لم يتم أبدا نقد التاريخ الثقافي العربي من وجهة تاريخية حديثة تنفتح على مقولات "التاريخ الجديد" و"التاريخ الكلي" لدى مدرسة الحوليات الفرنسية، ويعيد عرض تطور وانعطاف وتراجع الفكر العربي وفق تاريخيته الحقة على كامل المجال الزمني ـ المكاني العربي، من دون مقولات مسبقة تفرض على التاريخ الثقافي نفسه، وتتجاوز مقولات لا تاريخية من قبيل "المركزية العربية" وطروحاتها القطرية: المركز الثقافي الثابت (مصر ـ الشام ـ بغداد) والنظرة التقليدية للمجالات الأخرى بوصفها مجالات طرفية مستهلكة للبضاعة المشرقية وتابعة لها دوما.
    وبالرغم من أننا لسنا بصدد كتابة نقدية للتاريخ الثقافي العربي، هنا، لكننا سنقدم، ولأول مرة ربما، عرضا لجوانب من تاريخ الفكر العربي في حركة التواصل بين "مركزه" و "أطرافه" من خلال معطيات ثقافية لم يجر قط تحليلها تاريخيا ووضعها في سياقها الزمني والمنطقي، وهي الإجازات التدريسية التي تتضمن شبكات هائلة من الأسماء والكتب والرجال والاصطلاحات العلمية والإشارات الزمنية والمكانية، التي تكشف عن التاريخ الصامت و"الحقيقي" لحركة العلوم العربية والإسلامية الاستدلالية الخالصة وانتقالها وتطور تدريسها وتراجعها بين مستهلكيها ومنتجيها في المشرق والمغرب.
    ويمكن رصد حركة الكتب والتقاليد العلمية من تحليل تاريخي موثوق لانتقال "مراكز" الثقافة بين كل الأمصار أو بين معظمها، مع إسهام جميع الأقطار في صنع ذلك التاريخ المعرفي ـ الاجتماعي.
    ولذلك فإن إجازة فقهية لدى علماء مصر في القرن التاسع مثلا، قد تبين حركة مصنف لمؤلف مغربي من أهل القرن الخامس، انتقل عبر مسندين مغاربة إلى المشرق، ثم استقر في شبكة الإسناد المشرقية المصرية ردحا من الزمن، ليعود المغاربة بعد قرون إلى استجازة المصريين بذلك المصنف المغربي الأصل والإجازة، وحين يتلقاه علماء من بلاد شنقيط، عبر إجازة المصريين لعالم تنبكتي مثلا، سيدخل الكتاب في شبكة إسنادية صحراوية، ينزوي في حاضنة علمية ليُتلقى، بعد ذلك من مُؤلفيه المغاربة ومُسْنديه المصريين، لأنه صار في تقليد علمي شنقيطي ـ صحراوي ـ سوداني، وقس على ذلك.
    وهي حركة يمكن رصدها من تتبع تاريخ انتقال المتون والإجازات بين الأمصار المشرقية والمغربية، ويسمح بتجاوز التأريخ التقليدي للثقافة العربية بعرض مادتها ميتة من الطبقات والتراجم.
    وقد يسمح، في حال اكتمال تحديد المفاصل الكبرى لشبكات الإسناد، من كتابة تاريخ نقدي جديد متكامل للثقافة العربية الإسلامية، يكمل نقدها ايبيستمولوجيا وإيديولوجيا.
    وتعتبر الحلقة الشنقيطية ـ الصحراوية ـ السودانية (التكرورية)، محورا بارزا في بناء تلك الشبكات العلمية العربية الإسلامية، وفهم جوانب أساسية من علاقاتها وروابطها.
    لقد كان عصر التدوين والازدهار في الفكر العربي "الوسيط" فترة انتشار الإسلام في البلاد الموريتانية وحوزها من غرب الصحراء، وعندما تبلورت مظاهر الحياة الثقافية في الحواضر الصحراوية الموريتانية "الشرقية" مثل مدينتي: تمبكتو، ولاتا، كان ذلك في القرون 8-10هـ وهي عصر تراجع وانكفاء للمعارف العربية الإسلامية في الأمصار الكبرى، ولكن الثقافة العربية الإسلامية لم تنضج في البلاد الموريتانية إلا في حدود القرن العاشر وبداية تاليه (ق16-17م).
    تبلورت المدونة الثقافية الشنقيطية على مراحل وكان ذلك في وقت اتخذ  تكوين الثقافة العربية الإسلامية دروبا ومسالك "وأزمنة" مختلفة عن  الزمان المعرفي للثقافة الشنقيطية، الأمر الذي أثر على وحدة النسق الفكري بين ثقافة المركز وامتداداتها المتبلورة في الأطراف وخصوصا في بلاد شنقيط.
    ومع ذلك فإن قراءة منسجمة للتاريخ الثقافي العربي تكشف عن معطيات تعدل الصورة التقليدية، إذ ظل النابهون من الطلبة والجلة من الفقهاء يرحلون إلى المشرق من مختلف الأصقاع الإسلامية، أداء لفرض الحج وسعيا للتحلّي بإجازات تكون ما أمكن عالية السند، مما أنتج في نهاية المطاف شبكة من العلاقات الفكرية المعقدة بين منتجي الثقافة ومستهلكيها في مختلف الأصقاع العربية والإسلامية.
    وقد أدى  موسم الحج إلى الانتقال بالتواصل الفكري بين أطراف البلاد العربية والإسلامية من درجة التواصل النخبوي "الموسمي" إلى وحدة حقل ثقافي وسط قوامه "رحلات علمية وإجازات واستجازات في جميع الاتجاهات، تبادل على مستوى الإفتاء والاستفتاء يدل على تشابه المعطيات والنوازل و وحدة أدوات التفكير والاجتهاد".
    ومن هنا فإن اللقاء بين الفقهاء الشناقطة وأضرابهم في المشرق والمغرب ساهم في تقريب الشقة بين أزمنة ثقافتهم والثقافة العربية. فلقد كان موسم الحج ملتقى هاما "لمثقفي" العالم الإسلامي حيث كانوا يتلقون فيه عن بعضهم البعض مشاغلهم الفكرية المختلفة. وبذا مكّن "التفاعل الدائب بين المركز والأطراف لاسيما في موسم الحج، من الحفاظ على بقاء ووحدة الفضاء الثقافي العربي الإسلامي".
    كما أن النابهين من الطلبة والفقهاء ظلوا يرحلون إلى المشرق من كل الأصقاع الإسلامية، أداء  لفرض الحج وسعيا إلى التحلي بإجازات تكون ما أمكن عالية السند، مما أنتج في نهاية المطاف شبكة من العلاقات الفكرية المعقدة بين منتجي الثقافة ومستهلكيها في أصقاع العالم الإسلامي، فساهم الحج بذلك في خلق حقل ثقافي وسط كان من نتائجه المباشرة كثرة الرحلات العلمية وازدهار التبادل على مستوى الإفتاء والاستفتاء مما يؤكد تشابه المشاغل العلمية وتشابه النوازل ووحدة أدوات التفكير وإلا لما تم التفاهم بين منتجي الثقافة في مختلف بقاع دار الإسلام..
    وبذلك أسهمت الرحلات في حركة العلوم العربية الإسلامية وانتقال مصنفاتها وإجازات منتجيها ومستهلكيها من العلماء والطلبة.
    وقد يعجب أهل اليوم حين يعرفون أن أعداد حاجّ أهل البلاد الموريتانية قديما كانت تفوق أعدادهم حاليا رغم تطور وسائل النقل ويسر الرحلة وحسن المقام الذي يلقاه حاجّ اليوم.
    ويعود ذلك إلى قوة وفعالية المجتمع الأهلي الإسلامي (الخطط الدينية والمؤسسات التجارية والتنظيمية) في مدن: تينيگي، ولاتة (ولاتا)، تمبكتو، تيشيت، وادان، شنقيط، أوجفت، النعمة، تجگجة، تڤبة، قصر السلام، أروان،... وفي بواديها: أژوادْ، بلاد الحوض، بلاد تگانت، بلاد الرقيبة، بلاد آدْرارْ، الساقية الحمراء، تنْدوف،.. بقيادة كبار العلماء الذين كانت لهم صلات وثيقة بالمشرق وأعطوا للشناقطة شهرتهم: الشيخ المختار الكُنْتي ت1226هـ، عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي ت1233هـ في القرن الثاني عشر، محمد محمود بن التلاميد التركزي الشنقيطي ت1323هـ، وأبناء ما يأبى الجكنيون، ومحمد عبد الله بن زيدان بن غالي الْبُصَادي ت1933، محمد عبد الله بن آده البصادي ت1984، الشيخ أحمد بن الشمس الحاجي، الطالب أحمد بن طوير الجنة الحاجي الواداني، الفقيه محمد يحيى الولاتي، الشيخ محمد المجتبى بن خطري البصادي ت1958، وغيرهم من الأعلام.

    سلسلة بعض أعلام الشّناقِطة الأكثر شهرة في المشرق

                               الاسم والقبيلة                                                                                                                                    الإقليم

    1. أبو بكر بن أحمد بن عمر الأقيتي ت991هـ                                                                                                                      تمبكتو.الشرق
    2. أبو بكر بن الحاج عيسى بن أبي هريرة الغلاوي  ت1146هـ
    3. الحاج عبد الوهاب الناصري                                                                                                                            بلاد الحوض "الأقاليم الشرقية"
    4. أبو بكر بن الطالب محمد البرتلي ت1179هـ                                                                                                         الحوض "الأقاليم الشرقية"
    5. أحمد الحبيب بن المختار العلوي (لقي الزبيدي)                                                                                                                  غرب البلاد
    6. أحمد بن أحمد الأقيتي الصنهاجي ت 991هـ                                                                                                         تمبكتو إقليم أزواد ـ الأقاليم الشرقية
    7. أحمد أكد الحاج العلوي الشنْقِيطي (أول من حج من مدينة شنْقِيط)
    8. الشيخ محمد البناني العلوي التججكي
    9. محمد بن عبد الله بن الشيخ البناني العلوي التججكي
    10. عبد الله بن أحمد رمضان العلوي التججكي
    11. الطويلب بن الإمام العلوي التججكي
    12. الحاج بن الطويلب بن الإمام العلوي التججكي  (قدم من حجه سنة 1204هـ)
    13. السالك بن عمار بن الإمام العلوي رئيس تجكجة حج سنة 1237هـ 

    14. أحمد بن الأمين العلوي   ت 1331هـ الركيز                                                                                                                غرب البلاد
    15. أحمد بن الحاج الأمين الغلاوي  الملقب بالتواتي ولاتة                                                                                                      الأقاليم الشرقية
    16. أحمد بن الشمس الحاجي ت1342هـ                                                                                                                         غرب البلاد
    17. أحمد بن المنجي الإديجبي المدعو أحمد المغربي" ت1400هـ                                                                                            إقليم البراكنة
    18. أحمد بن اند عبد الله المحجوبي الولاتي ت1140 ولاتة                                                                                              بلاد الحوض ـ الأقاليم الشرقية
    19. أحمد بن عمر الأقيتي ت943هـ ...........................
    20. أحمد بن محمد الراضي المعروف ب "محمدُّ بن أحمد محمد الحاجي ت1415هـ                                                                    بلاد الرقيبة ـ الأقاليم الشرقية
    21. أحمد بن محمد السباعي عُرِف بابن الحاج ق12هـ                                                                                                          الساقية الحمراء
    22. أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الملقب بونعامة الكُنْتي ق12هـ                                                                                            شمال شرقي البلاد
    23. أحمد خونا بن خطار الجكني ت1414هـ بلاد الرقيبة                                                                                                      الأقاليم الشرقية
    24. أحمد فال بن سيد المختار الكُنْتي ت1395هـ                                                                                                               الأقاليم الشرقية
    25. أم الخيرات بنت أحمد المختار الجكنية ت 1391هـ                                                                                                بلاد الرقيبة ـ الأقاليم الشرقية
    26. البشير بن الحاج أبي بكر بن الطالب البرتلي ت 1214هـ ولاتة                                                                                  بلاد الحوض الأقاليم الشرقية
    27. البشير بن مباريكي اليدمسي ت1354هـ                                                                                                                  غرب البلاد
    28. بوبّهْ بن أحمد مولود بن الطالب محمد بن المهاجري اليونسي الولاتي                                                                                   الأقاليم الشرقية
    29. التجاني بن باب بن أحمد بيب العلي ت1270هـ                                                                                                          غرب البلاد
    30. الحاج أحمد بن اند عبد الله بن علي المحجوبي الولاتي                                                                                              ولاتة الأقاليم الشرقية
    31. الحاج عثمان المجاور الغلاوي                                                                                                                              الأقاليم الشرقية
    32. الحاج عيسى بن أبي هريرة الغلاوي
    33. الحاج محمد الرقيق العلوشي الولاتي   
    34. محمد محمود التندغي   توفي بالأردن
    35. محمد يحي بن محمد الأمين بن أبوه اليعقوبي ت1349هـ   له رحلة حج مدونة                                                                       الأقاليم الشرقية
    36. الحاج المختار الجكاني الديشفي العطواني شهرة .........
    37. عبد الودود بن الحاج المختار الجكني العطواني .........
    38. أحمد بن عمر الكنتاوي أجازه الزبيدي 1195هـ .........
    39. أحمد الحبيب بن المختار بن القاضي العلوي أجازه الزبيدي سنة 1193هـ 
    40. أحمد بن محمد السباعي الإدريسي أجازه الزبيدي سنة  1193هـ                                                                                      الساحل ـ الشمال
    41. أحمد بن محمد بن أبي نعامة الكُنْتي التواتي  أجازه الزبيدي سنة 1197هـ                                                                           الساحل ـ الشمال
    42. أحمد بن المختار الشنْقِيطي أجازه الزبيدي سنة 1193هـ                                                                                                    ؟
    43. إبراهيم بن الحسين السباعي الشريف ذكر الزبيدي اسمه وإجازته سنة 1193هـ                                                                      الساحل
    44. عبد الله بن محمد الكنتاوي المغربي أجازه الزبيدي سنة 1194هـ                                                                                       الساحل
    45. عبد الله بن أحمد المغفري الشنْقِيطي سمع من الزبيدي 1193هـ                                                                                     الجنوب ـ الشرقي
    46. عبد الرشيد الدليمي الشنْقِيطي كتب له الزبيدي على رسم يؤيد حق الشّناقِطة في وقفهم سنة 1199هـ                                            أزواد ـ الأقاليم الشرقية
    47. عمر بن محمد المغفري الشنْقِيطي أجازه الزبيدي سنة 1193هـ ؟
    48. عمر بن المختار الشنْقِيطي  عالم كبير تلقى عنه الزبيدي مع وجوه الطريقة الوفائية سنة 1174هـ 
    49. عمر بن مصطفى بن محمد بن زكرياء بن داود بن صالح الكنتاوي أجازه الزبيدي 1198ه 
    50. محمد بن سيدي عثمان بن عمر الولي الولاتي                                                                                                       ولاتة ـ الأقاليم الشرقية
    51. الحاج الأمين بن المختار الغلاوي الملقب التواتي ت12هـ                                                                                         بلاد الحوض الأقاليم الشرقية
    52. الحاج عثمان الأنصاري الواداني                                                                                                                            الشمال
    53. الحاج يعقوب الواداني                                                                                                                                        الشمال
    54. الحاج علي اللمتوني الواداني                                                                                                                                الشمال
    55. الحاج البشير بن عبد الحي البربوشي الرقيبي وطنا ت ق13هـ                                                                                 الساقية الحمراء ـ تيرس
    56. الحاج الحسن بن آغبدي الزيدي ت1123هـ                                                                                                      تيشيت ـ الأقاليم الشرقية
    57. الحاج سيدي محمد بن الحاج الحسن بن آغبدي                                                                                                   تيشيت ـ الأقاليم الشرقية
    58. الحاج أبوردة الداودي العلوشي                                                                                                                    تيشيت ـ الأقاليم الشرقية
    59. الحاج بن أبي بكر بن الطالب صديق الجماني                                                                                                    تيشيت ـ الأقاليم الشرقية
    60. الحاج الرحموني الرقيبة                                                                                                                           الأقاليم الشرقية
    61. الحاج بارك الله فيه اليعقوبي                                                                                                                       تيرس ـ غرب البلاد
    62. سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي ت 1233هـ                                                                                           بلاد تكانت الأقاليم الشرقية
    63. الشيخ التراد بن العباس القلقمي ت1365هـ                                                                                                     الحوض ـ  الأقاليم الشرقية
    64. الشيخ ماء العينين القلقمي ت 1328هـ                                                                                                          بلاد الحوض ـ الأقاليم الشرقية
    65. الشيخ محمد الأمين بن زيني القلقمي ت 1389هـ                                                                                              بلاد الحوض ـ  الأقاليم الشرقية
    66. الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن حبيب العلوي ت1247هـ                                                                                 الركيز ـ غرب البلاد
    67. الشيخ المختار بن الشيخ الطالب أعمر بن نوح البصادي                                                                                       تكانت ـ الأقاليم الشرقية
    68. الشيخ محمد المجتبى بن خطري الْبُصَادي ت1379هـ                                                                                        الأقاليم الشرقية
    69. الشيخ محمد عبد الله بن آده الْبُصَادي ت1404هـ                                                                                              الأقاليم الشرقية
    70. الشيخ محمد محمود التندغي ق14هـ                                                                                                            تيرس
    71. الطالب أحمد المصطفى بن طوير الجنة الحاجي ت1265هـ                                                                                 آدرار
    72. الطالب أعمر بن أحمد بن صنب العلوي ت ق13هـ                                                                                           بلاد الحوض ـ  الأقاليم الشرقية
    73. عمر بن السالك بن محمد اسويدات الحاجي ت1388هـ                                                                                       بلاد الرقيبة ـ  الأقاليم الشرقية
    74. عبد الله بن سيدي محمود الحاجي ت1255هـ                                                                                                 الأقاليم الشرقية
    75. محمد الأمين محمد المختار الجكني "آب بن خطور" ت1393هـ                                                                            بلاد الرقيبة الأقاليم الشرقية
    76. محمد الأمين بن عبدي فال البوحسني ت1351هـ/1932                                                                                   العقل ـ غرب البلاد
    77. محمد حبيب الله بن مايأبى الجكني ت 1353هـ /1935م                                                                                   الرقيبة ـ الأقاليم الشرقية
    78. محمد (الدّاه) بن أحمد النقودي (قبيلة التناكيد) ت1404هـ/1983م                                                                        آمرج ـ الأقاليم الشرقية
    79. محمد بن سيدي محمد العلوي (ولد محمدي شهرة) ت بعد 1250هـ                                                                       شابا العقل ـ غرب البلاد
    80. محمد أحمد بن عبد القادر الغلاوي المالكي ت 1418هـ                                                                                    الرقيبة ـ الأقاليم الشرقية
    81. محمد البيضاوي الجكني ت 1374هـ/1954م                                                                                              الرقيبة ـ الأقاليم الشرقية
    82. محمد الأمين محمد عبد الله الْبُصَادي ت 1393هـ                                                                                           الأقاليم الشرقية
    83. محمد الخضر بن ما يأبى الجكني ت 1398هـ                                                                                              بلاد الحوض.
    84. محمد الطيب بن أحمد بن حمتي الدليمي ت 1420هـ ................
    85. محمد المصطفى بن الإمام العلوي ت 1388هـ                                                                                             بلاد تكانت ـ الأقاليم الشرقية
    86. محمد الملقب "الّاه" التنكودي ت 1404هـ                                                                                                  بلاد الحوض ـ الأقاليم الشرقية
    87. محمد الملقب المجيدري بن حبيب الله اليعقوبي المعقلي ت 1204هـ                                                                      تيرس
    88. محمد حبيب الله بن ما يأْبى الجكني ت 1363هـ                                                                                           بلاد الحوض ـ الأقاليم الشرقية
    89. محمد صالح بن عبد الوهاب الناصري ت1271-1272هـ                                                                              بلاد الحوض ـ الأقاليم الشرقية
    90. محمد صالح بن محمد البوحجاري ت 1388                                                                                             الأقاليم الشرقية
    91. محمد عبد الله بن زيدان بن غالي الْبُصَادي ت 1353هـ                                                                                  بلاد تكانت ـ الأقاليم الشرقية
    92. محمد عبد الله بن مختار فال الْبُصَادي ق14هـ                                                                                            الأقاليم الشرقية
    93. محمد غالي بن محمد الأمين الدليمي المكنى ابن آفا ت 1409هـ                                                                        بلاد الحوض  ـ الأقاليم الشرقية
    94. محمد فاضل بن الشيخ المعلوم الْبُصَادي ت 1364هـ                                                                                    غرب البلاد
    95. محمد فال (أباه) بن أحمد بيب العلوي  ت 1349                                                                                        الركيز ـ غرب البلاد
    96. محمد محمود بن التلاميد التركزي الشنْقِيطي ت1323هـ                                                                                الرقيبة ـ تكانت ـ الأقاليم الشرقية
    97. محمد محمود بن الشيخ بن زيدان الْبُصَادي ت1414هـ                                                                                  بلاد تكانت ـ الأقاليم الشرقية
    98. محمد يحي بن محمد المختار الداودي الولاتي ت1330هـ                                                                               ولاتة ـ بلاد الحوض ـ الأقاليم الشرقية
    99. محمود بن عمر الأقيتي ت 955هـ                                                                                                        تمبكتو إقليم أزواد  ـ الأقاليم الشرقية
    100. يحيى بن إبراهيم اللمتوني  "الكدالي خطأ" ق5هـ                                                                                       رئيس صنهاجة
    101. يانو الحاج بن عمر اللمتوني                                                                                                             آدرار ـ الشمال
    والقراءة الأولية لهذا الجدول غير الحصري، تدل على أن أغلب علماء البلاد الذين عُرِفوا في المشرق أو كان لهم دور فيه أو لهم رحلات هم من شرقي موريتانيا (بلاد شنْقِيط) قبل الاستعمار، ولا سيما من الأقاليم الموريتانية الشرقية: بلاد الحوض، أزواد، بلاد الرقيبة..
    وبذلك كانت الرحلات من بلاد شنقيط، مدونات تحكي أداء فرض الحج، وأسفارا حافلة بأخبار الدول وأوصاف البلدان والناس. وينبغي تحقيقها علميا ونشرها للكشف عن نفائس الجغرافية الإسلامية وأدب الرحلة العربي.

    د. حماه الله ولد السالم - موريتانيا
    المؤتمر الدولي الأول الدوحة 2010