قضايا أسرى الجهاد البحري في الرحلة السفارية

    "الصورة المقنعة للآخر"

    مدخل

    رغم توفر البلاد العربية على آلاف الأميال من الشواطئ والمضايق، وإشرافها على العديد من البحار والمحيطات، لا نفهم الأسباب التي حالت دون اهتمام العرب بالأنشطة البحرية، حتى يجعلوها محركا لاقتصادهم على غرار ما حصل ما بين القرنين الـ 15م و الـ 19م من اهتمام البلدان الأوروبية كالبرتغال وإسبانيا وفرنسا وإنجلترا وهولندا وغيرها بالاقتصاد البحري بشقيه العسكري والتجاري، باعتباره المحرك الرئيسي لكل نمو وازدهار خلال العصر الحديث. فالكتابة الاستعمارية اعتبرت تهميش أمور الملاحة البحرية في المخيلة العربية، مسألة ثقافية متجذرة في شخصيتهم الحضارية والتاريخية، وحاولت جعل ظاهرة القرصنة البحرية أو اللصوصية هي أساس أنشطتهم، واتهمتهم بتعذيب الأسرى المسيحيين بطريقة همجية وقاسية وما إلى ذلك....أما الاسطوغرافيا العربية فقد أرجعت طمس تاريخ علاقة العرب بالبحر إلى ندرة المصادر والمراجع، وقلة المتخصصين فيه. ولملء هذا الفراغ الوثائقي والتاريخي المهول على الأقل في شقه الإنساني( ) المتعلق بقضايا أسرى الجهاد البحري في أوربا، اعتمدت دراستنا هذه على الرحلات السفارية( ) وما ورد فيها من معلومات وحقائق قيمة عن حياة الأسرى المسلمين وصور مقنعة عن الآخر، ظاهرها جميل ومدهش و باطنها ماكر و صادم ، دونها  شهود عيان مغاربة، حلوا بالديار الأوروبية في إطار بعثات دبلوماسية مكلفة من قبل السلطان بمهام رسمية، أهمها رصد وإحصاء عدد الأسرى المسلمين المسجونين في المعتقلات السرية الأوربية، مع تقديم يد العون والمساندة لهم في محنة الأسر والغربة، والتفاوض بندية من أجل إطلاق سراحهم بكل الوسائل والسبل، وعقد اتفاقيات سلم وهدنة، وجلب الأسلحة وتجهيز السفن الجهادية بالعدة القتالية. مجهودات ساهمت إلى حد ما في التخفيف من شدة الاحتقان والتصعيد في المواجهات البحرية مع الآخر في زمن كان الصراع  على أشده لتحقيق الامتياز والذات.  

    1 – لمحة عن علاقة العرب بالبحر قديما

    لعبت البحار دورا متميزا في تاريخ البشرية ومازالت، وعلى ضفافها قامت أهم الحضارات والإمبراطوريات، كالآشورية والبابلية والفرعونية والفارسية واليونانية والرومانية والإسلامية... الخ، وعلاقة العرب بالبحار قديمة، قد برع أهل اليمن وحضرموت وعمان والبحرين وباقي أهالي الخليج العربي في ركوب البحر بحكم اشتغالهم بالتجارة في البر والبحر، وبعيد ظهور الإسلام بالجزيرة العربية ساهم هؤلاء التجار في نشر الإسلام في سواحل الهند والسيلان وجزر المالديف واندونيسيا  والصين وشرق آسيا. وبوصول الفتح الإسلامي بلاد الشام ومصر دخل العرب "في عصر الخلافة الأموية ثم العباسية، والدولة الطولونية والفاطمية والأيوبية..."( ) سجال التنافس التجاري والعسكري على سيادة شواطئ وجزر البحر الأبيض المتوسط انطلاقا من قبرص ورودس وكريت وصولا إلى جزيرة صقلية. صراع توج بانتصار سفن المسلمين على سفن البيزنطيين( ) في معركة ذات الصواري العنيفة سنة 655م،و فتح أرخبيل مالطا الاستراتيجي وسط المتوسط سنة 870م. وغرب المتوسط تمكنت المراكب المغربية بقيادة طارق بن زياد من فتح بلاد الأندلس والسيطرة على مضيق جبل طارق، وقد استمر تفوق الأسطول البحري المغربي في عهد الدولة المرابطية ثم الموحدية، وكذلك أيام الدولة المرينية. انتصارات أعطت للمسلمين دفعا معنويا كبيرا دعم فكرة حصار القسطنطينية إلى أن تم فتحها، وحررتهم مما لصق بهم من تهيب لركوب المياه.
    تحول الدولة الإسلامية من دولة برية إلى دولة برية – بحرية، جعلها خلال القرن العاشر الميلادي تبسط سيادتها على معظم ضفاف البحر الأبيض المتوسط بجزره المختلفة، فترة زاهية وجميلة وصفها المؤرخ ابن خلدون في مقدمته قائلا: "... وكان المسلمون... قد غلبوا على هذا البحر من جميع النواحي وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه. فلم يكن للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء بجوانبه... وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الأسد على فريسته..."( ).
    سيادة لم تستمر طويلا بل سرعان ما أصابها الفشل والوهن وبدأت في التفكك والانحصار، وتزامن ذلك مع بداية الحروب الصليبية التي جرت أطوارها ببلاد الشام على مدى قرنين، و تمكنت المماليك المسيحية من طرد المسلمين من جزيرة مالطا ما بين سنتي 1240 – 1250م، و من بلاد الأندلس العربية الإسلامية سنة 1492م . و وجهت ضربة قوية للوجود الإسلامي بالبحر المتوسط بعيد هزيمة الأسطول العثماني في معركة ليبانتو سنة 1571م. حرب مفتوحة حولت البحيرة المتوسطية في العصر الحديث إلى واجهة للصراع بين الضفة الشمالية المسيحية، والضفة الجنوبية الإسلامية، أصبح التواصل بينهما شبه منعدم بل اتخذ طابعا عدائيا صرفا، ظاهره ديني وباطنه أطماع اقتصادية واستعمارية.

    2 – لم يعد أحد من المسلمين يرغب في السفر إلى أوربا

     تحولت موازين القوة العسكرية لفائدة دول أوروبية كاثوليكية متعصبة، كإسبانيا التي لم تتوان حتى بداية القرن 16م في إحداث محاكم التفتيش لتجريم وطرد من تبقى من المسلمين واليهود في شبه جزيرة إيبيريا، والبرتغال التي نفذت بأساطيلها هجمات غادرة وهمجية و دائمة على مراسي الثغور الإسلامية بشمال إفريقيا. وحولتها من حواضر تجارية نشيطة وآمنة مثل سبتة ومليلية وطنجة وأصيلة وغيرها( ) إلى مدن أشباح  وقلاع عسكرية، تفرض الحصار البحري على المغاربة وتزرع الموت في قلوبهم والدمار في مدنهم وقراهم. هذا الغزو الأوروبي العنيف أرغم المغاربة على أن يولوا ظهورهم للبحر،  وتولدت عنه نتائج سياسية واقتصادية واجتماعية وديموغرافية جد خطيرة، وسبب هزات نفسية عنيفة، وفتنة في الدين، وبلبلة في المعتقدات داخل المجتمع المغربي، بقي بعضها قائما إلى يومنا هذا.
    احتلال كل المراسي المغربية "ماعدا مرسى سلا و الرباط على نهر أبي رقراق"، مع فرض حصار بحري على طول سواحله، منع المغاربة من ركوب البحر باعتباره عالم للتجارة والتواصل مع أوروبا المسيحية اللاتينية، وذلك خوفا من السقوط في الأسر والعبودية، الأمر الذي فرض على الطرف الإسلامي الجنوبي الإفتاء وبالإجماع على:
    أولا: منع رعاياه من شد الرحال إلى أرض أوروبا "الكافرة" بدعوى أن المؤمن سيعيش فيها تحت قهر حاكم مسيحي متعصب وغاصب لأرض الإسلام، وبالتالي سيتعذر على المسلم التمتع بحرية العقيدة ومزاولة واجباته الدينية والشرعية.
    ثانيا: الاكتفاء بإعداد العدة لحرب دفاعية جهادية طويلة لطرد المحتلين من السواحل أو اقتناص سفنهم  لردعهم من الاقتراب منها، وبذلك عاش المغاربة على إيقاع الكر والفر وداخل حلقة مفرغة.( )  والجهاد ضد الغزاة البرتغاليين الراغبين في تأسيس إمبراطورية استعمارية تحتكر التجارة البحرية العالمية مع إفريقيا وآسيا اشترك فيه سكان الخليج العربي مسقط و هرمز و البحرين و الإحساء وقطر ودبي... وأهالي البحر الأحمر واليمن والمماليك والعثمانيون ومسلمو الهند وجزر المحيط الهندي( )، وأدى في نهاية الأمر إلى اندحار جيوش و أساطيل و قلاع الأيبيريين إلى حيث لا رجعة.
    لكن الطرف الأوروبي الناهض في المجال الصناعي والعلمي كفرنسا وإنجلترا و هولندا حل مكان الأيبيريين، و حرص على التحكم في زمام المبادرة الحربية في البحار العالمية، والتفوق في صناعة الأسلحة النارية، واقتصاديا عمل على فرض الهيمنة على العلاقات التجارية مع الجنوب عامة، لذلك وضع كل العراقيل الممكنة أمام التجار المغاربة على قلتهم ومحدودية إمكانياتهم، بل منع حتى المغاربة المتعاونين معه في الثغور المحتلة على المحيط الأطلسي كآسفي وآزمور والجديدة مثلا من حق امتلاك سفن خاصة بهم، وإذا ما وصلوا على ظهر سفن أيبيرية إلى موانئ أوروبا يمنعون من الإقامة بها أو التحرك بحرية داخل مدنها، لذلك لم يستفد المغاربة طيلة فترة العصر الحديث من التطور الحاصل في علوم وفنون صنع السفن العابرة للبحار والمحيطات بعد الاكتشافات الجغرافية الكبرى، ولم يتمكنوا من تعلم طرق وكيفية قيادة السفن على الأقل "خوفا من غزو إسلامي جديد للبرتغال... لم تترك لرجال الملاحة المغربية فرصة الاطلاع على ما جد في ميدان الملاحة كتحديد خطوط الطول والعرض، ورسم الخرائط، واستعمال البوصلة... ولم تقم للملاحة المغربية قيامة بعد تحرير الجيوب المحتلة، ولم تصل إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الغزو البرتغالي... وكذلك كان الأمر في ميدان صناعة الأسلحة النارية وتقنيات الحرب والتجارة والصناعة وميدان الطب والصيدلة( ) ..." بل كان المغاربة وفي غالب الأحيان يستغلون من طرف الآخر بطرق بشعة، مثل استخدامهم كقوة عضلية في التجديف داخل سفنهم، أو تشغيلهم في الأعمال الشاقة والخطيرة، بل يباعون كالعبيد وبالمزاد العلني على أرصفة الموانئ وفي أسواق النخاسة(.(( )
         ونتيجة لكل هاته المعاناة ازداد العداء والتعصب الديني والعرقي في البلاد الإسلامية ضد النصارى عموما،( (( )ولم يعد أحد من المغاربة يرغب في السفر إلى أوروبا، إلا عند الحاجة القصوى والاضطرار فقط، وهذا ما حصل فعلا مع قلة قليلة من المغامرين جلهم من الوسطاء التجاريين ورجال الإدارة المخزنية الذين سبق لهم أن اختلطوا بالتجار الأجانب الوافدين على المراسي المغربية، أو من رياس البحر الذين قضوا فترة من حياتهم في البلاد المسيحية كأسرى سنوات الجهاد البحري، أو أشخاص من أصول أندلسية موريسكية عاشوا ردها من الزمن تحت حكم الإسبانيين. هاته الفئة القليلة من المغاربة هي التي تمكنت من دخول عواصم و قصور السلطة و الحكم بمدريد و باريس ولندن ولاهاي وغيرها والاحتكاك مباشرة بالأوربيين، وبالتالي تمكنت من معرفة أحوالهم السياسية، وعاداتهم الاجتماعية، ونهضتهم الاقتصادية، والإلمام بلغاتهم اللاتينية، وهي التي احتكرت ترأس كل السفارات المغربية( ) التي توجهت إلى أوروبا.

    3 – الرحلة الاضطرارية إلي ديار "الكفر"

     كان عدد المغاربة الذين زاروا أوروبا حتى نهاية القرن الـ19م محدودا جدا، وفي غالب الأمر مقتصرا على من كلفوا بمهمة دبلوماسية رسمية من طرف السلطان، ومن حسن الحظ أن بعضهم على قلتهم دوَّن لنا تفاصيل رحلته إلى أوروبا، وهو محرج للكلام عن إقامته المؤقتة بديار "الكفار"، مبديا عدم إعجابه بشرائعهم وحياتهم الدنيوية الصرفة والتي لا يحركها الإيمان بالله، مواقف مزدوجة ومتناقضة كان الآخر على علم بها( ). وما كتبه المغاربة عن أوروبا في رحلاتهم القصيرة والرسمية، رغم قلته ومحدوديته بقي مغمورا ومسكوتا عنه ومجهول المظان، و وصلنا في نسخة واحدة في الغالب النسخة التي حررها المؤلف بنفسه.( ) وبالتالي لم يلق اهتماما كبيرا في صفوف النخبة المثقفة المغربية، ولتسليط الضوء عليها اخترنا في هذه الدراسة  فقط الرحلات السفارية التي  تتناول قضايا الأسرى المسلمين في أوربا، وعددها قليل مقارنة مع ما تراكم من تقارير سفارية  منذ القرن 16م إلى بداية القرن20م، أذكر منها على سبيل المثال رحلة إدريس بن محمد بن إدريس العمراوي "تحفة الملك العزيز بمملكة باريز" سنة 1860م( )، ورحلة أبي الجمال محمد الطاهر الفاسي "الرحلة الإبريزية إلى الديار الانجليزية" سنة 1860م( )، ورحلة محمد بن سعيد السلوي إلى فرنسا سنة 1866م،( )  ورحلة أحمد بن محمد الكردودي "التحفة السنية للحضرة الحسنية بالمملكة الإصبنيولية" سنة 1880م،( ) ورحلة الحسن بن محمد الغسال.. تقييد "الرحلة التتويجية" لعاصمة البلاد الإنجليزية.. سنة 1902م،( ) وغيرهم. واستمر هذا التقليد الإبداعي في النخب المثقفة المغربية حتى في عهد الحماية الفرنسية مثل رحلة محمد عبد السلام السائح  "أسبوع في باريس" سنة 1922م.( )
    تواجد هؤلاء الرحالة الاضطراري بأوربا المسيحية تنفيذا لأوامر السلطان جعلهم في حرج كبير في كيفية الحديث عن صورة الآخر مباشرة  وهو في تقدم و تطور مستمر، وفي نفس الوقت كتاباتهم تتضمن حديثا مضمرا غير مباشر عن أوضاع بلدهم المغرب المتخلفة، لذلك نجدهم يحاولون ختم رحلاتهم بما يظهر التبرؤ من كل الشبهات التي قد تخامر القارئ لرحلتهم السفارية. مثلا: الرحالة الكاتب محمد الصفار التطواني الذي رافق السفارة المغربية إلى فرنسا سنة 1845م قال: "أستغفر الله مما جنته يداي، وأبصرت هناك عيناي من المناكر الشنيعة، وسمعته أذناي من الإشراك والكفريات الفظيعة ومن مخالطة أهل الضلال، وأسأله سبحانه الانتظام... وأن يميتنا على حسن الخاتمة بجاه عين الرحمة".( ) وباعتذار مماثل حاول الرحالة إدريس الجعيدي السلوي في ختام رحلته السفارية إلى فرنسا وبلجيكا وإنجلترا وإيطاليا في صيف 1876م، أن يدفع عنه هو الآخر كل شبهة وذلك لإطنابه بأسلوبه العلمي المتميز في وصف صنائع الفرنج وحيلهم العجيبة، مبينا أن المدح والإعجاب الذي أبداهما حول أحوال الأوروبيين لا يعني أن معتقداته الدينية قد تزحزحت من مكانها وتبرأ مما يتحدث به الجهالة أو العوام، ويدعو الله أن يهديه إلى سبيل الرشاد.( )

    4 – إطار قاتم لصورة مقنعة

    من خلال الرحلات السفارية المذكورة سابقا تمكنّا من استنتاج و تحليل معالم  الصورة العامة( ) التي عملت الحكومات الأوربية على ترسيخها في ذهنية وقلوب ضيوفها العرب. صورة مركبة من شقين تجمعهما عملة واحدة، فكل السفراء المغاربة الذين وفدوا عليها منذ بداية القرن الـ16م إلى نهاية القرن الـ19م، يجمعهم في رحلاتهم وتقاريرهم ورسائلهم قاسم مشترك ذو وجهين لصورة مقنعة ظاهرها جميل وباطنها ماكر.
    الوجه الأول الجميل  والمدهش يتجلى في البروتوكول الرسمي الذي تفرضه مثلا الدولة الفرنسية على ضيوفها المغاربة، يرتكز على دعوتهم لحضور الحفلات والسهرات الجماعية والمختلطة، والمقامة في أبهى قاعات الفنادق والقصور الممتلئة بالمصابيح المتلألئة والشمعدان الفضي البراق والمرايا العظام و الأفرشة الحريرية و باقات الورود العطرة، مع حضور مآدب الأكل الملكية الفخمة، وسط جو من المرح والموسيقى والرقص والمشروبات الروحية، وتلقي الهدايا العجيبة والإغراءات المالية ما إلى ذلك، بعدها يؤخذون في عربات ملكية لمشاهدة مسرح ألعاب السرك البهلوانية، وترويض بعض الحيوانات المتوحشة والأليفة، ثم إلى مسرح الأوبرا وغيرها للاستمتاع بالنظر إلى فنون رقص البالي على إيقاع الموسيقى السمفونية، ومشاهدة المسرحيات التعبيرية داخل فضاء باهر بالألوان والرسوم والأضواء والأنغام الساحرة والأصوات الناعمة والألحان الشجية، كلها تتناغم مع حركة الممثلين ورقص الفتيات وهن بملابس شفافة وذات ألوان براقة تظهر مفاتن وأنوثة وجمالية المشاهد المركبة فوق خشبة المسرح، أجسام غضة ونحيفة ومتناسقة في الحركة والإيقاع تمثل وترقص تحت أضواء خافتة، تجعل الناظرين وخاصة أعضاء السفارة المغربية منبهرين بهذا العالم الساحر،( ) إنها متعة الدنيا وومضات كاذبة من سحر الجنة التي هي إلى زوال حسب تعبير الرحالة المغربي، وحظ المسلم منها سيلقاه إن شاء الله في العالم الآخر، العالم الموعود.
    بعد تهييج الأحاسيس العاطفية والنفسية داخل أروقة القصور الفرنسية، يخرج المضيفون ضيوفهم المغاربة لمشاهدة شوارع باريس الفسيحة والنظيفة والمنظمة، والتسوق من متاجرها وأسواقها العامرة بكل أنواع التحف والعطور والبلار الذي يسلب العقل، ثم يستريحون في المنتزهات لتناول الحلويات والمشروبات الباردة وسط حدائق غناء بالورود والألعاب والمسليات،( ) ولمشاهدة عظمة تاريخ فرنسا في العمران والعلم والاختراع، وما حققته من انتصارات كبرى، يحملون مع التراجمة إلى داخل المتاحف والخزائن والمزارات والمآثر المتنوعة، و خير شاهد لإثبات عظمة فرنسا العلمية والثقافية هي زيارة المكتبة الوطنية التي تضم رفوفها عشرات الآلاف من المؤلفات والمصنفات والمجلات والصحف المطبوعة محليا بالمطبعة الوطنية الكبرى، ومن ضمن معروضاتها مخطوطات ومصاحف باللغة العربية تذكر الزوار المغاربة بشمولية ثقافتهم ومعرفتهم بخبايا الثقافة الإسلامية العربية، وهذا مسك ختام الصورة الأولى.
    أما الوجه الثاني الماكر و الصادم من الصورة التي دأبت فرنسا على رسمه في ذهنية زوارها المغاربة، هو قوتها الصناعية وخاصة الشق العسكري، فهي تحرص على إرهاب ضيوفها بإظهار قدراتها وإمكانياتها الحربية والقتالية والتدميرية التي لا تقهر، بحيث تخصص لضيوفها زيارات مباشرة لمصانعها ومعاملها ليطلعوا على ما تنتجه من أسلحة وذخيرة فتاكة، ولا تقتصر على ذلك بل تدعوهم وبترغيب شديد لمشاهدة مناورات حربية بالذخيرة الحية داخل ميادين الرماية والقتال والتجريب، ليتأكدوا بالعين المجردة والمشاهدة الميدانية بأن أسلحتها تعمل بفعالية قتالية عالية وتصيب أهدافها بدقة متناهية،( ) ثم تأخذهم لزيارة المدارس والأكاديميات العسكرية، ومخازن الأسلحة الهائلة وغيرها من المرافق الحربية المرتبطة بالجيوش البرية( ) وقد علق الرحالة محمد الصفار التطواني بعد مشاهدته لمناورات عسكرية بفرنسا "... ومن طبعهم أن يوروا ما عندهم، ولا يتركون عندهم شيئا جليا أو خفيا إلا أطلعونا عليه... مما هو في الظاهر فرحة وفي الباطن تخويف وفرجة، أما نحن والحمد لله لا نخافهم، وإنما نخاف الله"...( ).
    أما فيما يخص عالم البحر فأول شيء تركز عليه الدولة الفرنسية هو أنها تتكفل بنقل كل أعضاء السفارة المغربية إلى فرنسا ذهابا وإيابا على متن فرقاطة حربية رفيعة توضع رهن إشارتهم، وعندما تصل إلى مراسيها المتوسطية مثل مرسى بريسط أو طولون أو مرسيليا، وغيرها، أول ما يشاهده المغاربة هو الأوراش الصناعية الكبرى المكلفة بصنع السفن والبوارج الحربية، وما تحمله من مدافع ثقيلة وذخيرة هائلة، مراسي تموج بحركة دؤوبة بالأساطيل الحربية والسفن التجارية، مشاهد ترهب وتخيف.

    5 – وضعية الأسرى المسلمين في أوربا

    الرحلات السفارية إلى أوربا تمدنا بإضاءات وصفية نادرة تسعفنا في الكشف عن حقيقة الوضعية اللاإنسانية التي كان يعيش عليها الأسرى المسلمون في الديار الأوربية، كما تطلعنا على الجهود الحثيثة التي بدلها الرحالة المغاربة في سبيل إطلاق سراحهم من أيدي دول أوربا القوية والراغبة في تسخير واستغلال هؤلاء الأسرى في تحريك عجلة اقتصادها عبر العالم بعد اكتشافها أمريكا. أولى الرحلات جاءت كرد فعل بعد انهيار الحكم العربي بالأندلس وتهجير سكانها قسرا نحو المغرب وغيره، وقيام هؤلاء المهجرين المشردين باستعطاف السلطان المغربي مولاي زيدان بن المنصور السعدي "1603م_ 1618م" لإرسال من يطالب بأموالهم و أمتعتهم من أرباب السفن الفرنسية والبلاد المنخفضة الذين نهبوهم في عرض البحر وقت فرارهم من محاكم التفتيش الإسبانية، واستجابة لهذا النداء أرسل المورسكي أحمد بن القاسم الحجري المعروف بأفوقاي سفيرا إلى فرنسا والعمالات المتحدة أي هولندا سنة 1610م، وبعد عودته من أوربا و بطلب من علماء المسلمين ألف رحلته "ناصر الدين على القوم الكافرين"( ) كمسلم مطرود وجريح خصص معظم فصولها من أجل وصف حالة الأندلسيين المورسكيين المنكوبين بإسبانيا، مشيرا إلى أن ملوك إسبانيا تعودوا على استغلال تمرد المسلمين ليستولوا على أموالهم قائلا: "جاء إليها_ إشبيلية _السلطان فليب الثاني و قبض على أعين الأندلس بهذه المدينة مائة و أربعين رجلا و قتلهم كل ذلك ليأخذ أموالهم"( ). ومن جهة أخرى استطاع أن يحقق بعض آمال من وكله من الأندلسيين المتواجدين بالمغرب باسترداده لبعض الأموال وإرجاعها لأصحابها. جاءت رحلته بمثابة الصرخة الواعية والصيحة اليائسة لهذه الطبقة المشردة في العالم، ولكونه مشحونا بآهات الحسرة على ما حل ببلاد الإسلام دخل في مناظرات فكرية دينية مع بعض المستشرقين والرهبان والنخب الحاكمة، وبحكم ثقافته الواسعة وبراعة حجته وإتقانه الإسبانية وفهمه الفرنسية أدهش محاوريه عبر المدن التي زارها، كباريس و تولوز و ليدن و امستردام و لاهاي، فكانوا يستغربون لكونه مازال مسلما رغم ثقافته الواسعة، و كأن المسلم في مخيلتهم الجماعية مرادفا للمتوحش و الجاهل. 
    وفي القرنين الـ17م و الـ18م استفحلت ظاهرة القرصنة البحرية في المحيط الأطلسي كما في البحر المتوسط، وما ينتج عنها من احتجاز السفن وتحول ركابها إلى أسرى، مأساة إنسانية أرغمت سلاطين المغرب على إرسال بعثات دبلوماسية تنشط في الكشف عن أوضاع الأسرى المسلمين المزرية في أوربا، في وقت أصبح الأسر وبيع العبيد آفة عالمية وتجارة مربحة. وتمدنا وثائق البحرية الفرنسية بأرشيف وزارة الشؤون الخارجية وغيرها بمعلومات خطيرة أدهى مما ورد في الرحلات المغربية، وسوف نقتصر على وصف حالة الأسرى المشتغلين بالتجديف في السفن كمثال: يربطون بالسلاسل من أعناقهم ويسيرون مثنى مثنى في صف طويل، وتوضع سلسلة طويلة في الحلقات الموجودة بسلسلة الأعناق، كل سفينة كانت تضم حوالي 300 مجدف يعيشون لمدة ثلاثة أشهر مكدسين في مساحة صغيرة بأسفلها، و يقومون بتحريك عمود خشبي من 16 مترا، و التجديف أحيانا يستمر أربعا وعشرين ساعة دون توقف، يصاحب هذه الأمور السادية استعمال السوط، وعقاب الهارب غالبا بعد القبض عليه هو قطع الأنف والأدنين، والأكل يتكون من 26 أوقية من الخبز اليابس و أربع أوقيات من الفول السيئ الطهي والصلب مع القليل من الزيت والملح، و بدلة حمراء كانت تعطى كل سنة لا تقاوم المناخ البارد. هذا الوضع المأساوي هو الذي دفع السلطان مولاي إسماعيل أن يقول لسفير فرنسا بالمغرب السيد سانت أمان S.T Aman  سنة 1682م بعد أن قدم له هدايا كثيرة "لو حملت لي أسيرا واحدا من رعيتي الموجودة بفرنسا لفضلته على كل أموال العالم".( )
    منذ  بداية عهد الدولة العلوية الناشئة أواخر القرن الـ17م  شكلت قضية افتكاك الأسرى المسلمين العنصر الفاعل في السياسة الخارجية المغربية واصطلح على تسميتها بدبلوماسية الأسير. فالحافز الديني يجعل الرحلة السفارية كلها جهادا متصلا بوازع ديني قوي غايته تخليص المسلمين من أيدي الأوربيين، فإن عجز ولاة الأمور عن القتال وجب عليهم فداء الأسرى بالمال أو بمبادلتهم بالأسرى المسيحيين الذين في أيديهم. كما حدث في عهد السلطان مولاي إسماعيل "1672م_ 1727م" لما حرر مدينة العرائش الساحلية سنة 1689م، استسلم له من كان بها من الإسبانيين وعددهم ألفان( ) وأخذوا أسرى بأجمعهم فطالب الإسبان بفدائهم، قضية وظفها السلطان المذكور من أجل إطلاق سراح الأسرى المسلمين بإسبانيا، و استخراج ما بقي من الكتب العربية بالمساجد والمكتبات هناك، واختار لهذه المهمة أبا عبد الله محمد بن عبد الوهاب الغساني سفيرا لدى ملك إسبانيا لمباشرة هذه القضية سنة 1690م، وهناك ألف رحلته المسماة "رحلة الوزير لافتكاك الأسير"( ) و مما جاء فيها: "ولقينا بمدينة قالص من الأسرى رجالا ونساء عددا كثيرا و كانوا يفرحون و يعلنون بالشهادة و الصلاة على النبي ...فذكرناهم وواعدناهم خيرا من سيدنا نصره الله و أنه لا يتركهم .. فكان عندهم ذلك يوم عيد لاستبشارهم بالفرج"( ) و بمدينة سبتة المغربية المحتلة تم الفداء و مبادلة الأسرى المغاربة وعددهم ألف أسير مقابل مائة أسير إسباني من الضباط وأعيان الجيش الإسباني حسب ما تم الاتفاق عليه وكان يوم دخولهم للعاصمة الإسماعيلية مكناس يوما مشهودا. أما الباقي من الأسرى الإسبان لما سمعوا بفداء المائة أسير من كبار الجيش دونهم، سخطوا على حكومتهم، ودخل بعضهم في الإسلام، والباقي وقعت المذاكرة في فدائهم بالعوض النقدي.
    تبادل الأسرى ومعاهدات الصلح المؤقتة لا يستغرق مفعولها أكثر من سنة واحدة، لذلك استمرت معضلة القرصنة وافتكاك الأسرى قائمة لقرون بين المغرب وأوربا.( ) تتأرجح بين أخذ ورد وبسط وقبض، كل طرف يراوغ الآخر، فالطرف الأوربي كان يحتاط في شأن الأسرى المغاربة والمسلمين عامة وما كانوا يتعرضون له من عذاب مهين وأليم، ومعاملة مرعبة ومخزية، خالية من المروءة والأخلاق الإنسانية، تثير الأحقاد و وتؤبد العداوة بين الأمم والشعوب. وإذا كان لاهتمام رجال دول أوربا بفك الأسرى أبعاد إنسانية ودينية فيبقى الأهم فيها الجانب الاقتصادي، مثلا كان بفرنسا عدد كبير من الأسرى المغاربة والمسلمين عامة، تشغلهم يدا عاملة في بناء مشاريعها، ولا تقبل فيهم فداء لكي لا يحصل في أساطيلها الحربية والتجارية تعطيل، لذلك كانت تمنع السفير المغربي من الاتصال بهم حتى لا يطلع على ما يقاسونه من المحن والعذاب الأليم، أو يشكون إليه حالتهم، ولو بالكتابة، وبمقتضى ذلك كان الفرنسيون يفرقون الأسرى في السفن التي تبارح المرسى سابحة في البحر، والباقي منهم وهم العجزة والمرضى، يجمعونهم في محل واحد خارج المدينة بعيدا عنها جدا، وكل من بلغ عنهم من الفرنسيين، أو تهاون في حراستهم، يعتبر من المجرمين ويستحق العقوبة( ). وفي نفس الوقت يتظاهرون بالاحتفاء والاعتناء بأعضاء السفارة بعدما يشددون المراقبة على السفير المغربي سرا  ويعينون الجواسيس لمراقبته، ويمنعونه من الاتصال بالأسرى بشتى الوسائل، ويحجزون مكاتبه الصادرة منه والواردة إليه من المغرب، ويطلعون عليها ويترجمونها قبل أن تصل إليه أو إلى الموجه منه إليه، وأحيانا يحاصر الفرنسيون بأساطيلهم المراسي المغربية من أجل الضغط على السلطان ليقبل شروطهم. بل يعملون على قصف إحداها بعنف وعشوائية، كما حصل لما قنبلوا مدينة سلا سنتي 1765م و 1851م، ومدن والعرائش والصويرة وطنجة سنتي1767م و1844م، والدار البيضاء سنة 1907م، أما ظاهريا فيقيم الفرنسيون لسفراء المغرب الاحتفالات والضيافات، وزيارة دور اللهو الباريسية وما إلى ذلك كما ذكرنا سابقا.

    6 – فشل الرهان على التجارة البحرية

    أجمعت المصادر والمراجع على اعتبار السلطان سيدي محمد بن عبد الله "1757م_1790م" منقذ المغرب من ويلات الحروب الأهلية التي شهدها مباشرة بعد وفاة جده السلطان إسماعيل، كما حاول إعادة  إصلاح هياكل الدولة والاهتمام بشؤون البحر،( ) متبنيا سياسة دبلوماسية تطمح إلى الانفتاح على الدول الأوربية عن طريق عقد معاهدات الصلح والتعاون وتنشيط المبادلات التجارية مع الخارج، وإصلاح الموانئ وتقوية الأسطول الجهادي( ) وإشراكه في التجارة العالمية الرائجة في المحيط الأطلسي، والاهتمام بفك الأسرى المسلمين. وقد وصفته المراسلات الأوربية بطريقة إيجابية ورأت فيه الملك المتسامح و المشبع بالنزعة الإنسانية. وقد أشار الرحالة السفير شخويننخ إلى أن السلطان المذكور كان يعامل الأسرى المسيحيين معاملة حسنة مثلا لما علم بعدم قدرة الأسرى الهولنديين على تحمل حرارة مدينة مراكش المفرطة خاطبهم قائلا: "إننا نعلم أن سكان المناطق الشمالية لا يستحملون مناخا حارا كمناخ مراكش، ولهذا أصدرنا أوامرنا حتى يتم نقلكم إلى ميناء مدينة الصويرة الساحلية"( ) ولأجل ذلك اختار لهده المهمة سفيرين متميزين أولهما:
      الكاتب أحمد بن المهدي الغزال الأندلسي الذي عينه السلطان محمد بن عبد الله سنة 1766م    ليرافق السفارة المغربية ثم ليترأسها في مهمة لدى ملك إسبانيا كارلوس الثالث وأثناءها قام بتدوين رحلته "نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد"( ) وفي بدايتها حدد الغزال الهدف قائلا: "فكاك أسرى المسلمين وإنقاذهم من العذاب، وجلب ما يستعان به على الجهاد من بارود ومدافع وآلة السفن من بلادهم"،( ) وفي هذه الرحلة أفصح بأن النصارى يشترطون "في سراح هؤلاء الأسرى أن يكونوا ممن عجز عن الخدمة إما بكبر السن أو بمرض مزمن... والمقعد والأعمى"( ) لكنه تمكن من افتكاكهم وتحدث عن مشهد دخول سفارته مدينة مراكش وبرفقته الأسرى الذين تم تحريرهم" وذهبنا في هذه الجموع بعد أن قدمنا الثلاثمائة من الأسرى المسرحين على يد سيدنا... رجالا و نساء وصبيانا، وجعلنا على رأس كل واحد من الأسرى كتابا من كتب الإسلام التي انقد الله من بلاد الكفر.. المتخلفة عن عمارة العدوة من المسلمين فيما سلف".( ) نجاح الرحالة السفير الغزال في مهمته تجاوز حدود المغرب، إذ طلب منه ملك إسبانيا أن يتوسط له سلطان المغرب لدى والي الجزائر ليتبادل معه الأسرى. مهمة عسيرة نجح السفير الغزال في حلها، وأشرف على عملية تبادل الأسرى بمرسى الجزائر، حيث أرست مراكب إسبانية وأنزل منها أسرى المسلمين ألفا وستمائة ونيفا، فأخرج أهل الجزائر من أسرى النصارى مثلهم. لكن نجاحه هذا كان مؤقتا وتحول إلى تهميش وعزل من طرف السلطان بسبب الخطأ الذي ارتكبه عند كتابته نص معاهدة الصلح مع إسبانيا، مختصرا الكلام بأن المهادنة معها بحرا لا برا، الأمر الذي سهل على الآخر تحريفه بحذف "لا" وجعل مكانه واوا فصار الكلام هكذا بحرا و برا،( ) في وقت كانت الجيوش البرية المغربية تحاصر مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
    ولإنقاذ المغرب من ورطة المعاهدة المذكورة بعث السلطان  محمد بن عبد الله كاتبه الخاص الرحالة أبي محمد بن عثمان المكناسي سفيرا لإسبانيا سنة 1779م، و بغرض تجديد الاتفاق على معاهدة مرضية جديدة تراعي مصالح الطرفين، وأثناءها دون رحلته السفارية "الإكسير في فكاك الأسير"( )، و قال في الخطاب الاستهلالي: "بعثني السلطان... وأصحبني عشرة آلاف مثقال من سكته ليأخذ كل أسير حظه من صلته"( )، ولما وصل إلي مدريد استأذن الملك قي زيارة الأسرى الذين جاء لأجلهم  للوقوف على حالهم و توزيع ما أتى من الصدقة عليهم، فوجدهم يباشرون أعمالا شاقة بصحبة ذوي السوابق الإجرامية. ولما حل بمدينة اشقوبية شاهد الأسرى المسلمين معزولين في قلعة حصينة، ويحيط بها حفير، وبعدما اجتمع بهم بشرهم بأن السلطان مهتم بهم وعامل على إنقاذهم وسلم لهم الصدقة التي خصهم بها"... حتى ارتجت القصبة من أصواتهم.. ثم دخلت إلى مواضعهم تطييبا لخاطرهم...".( ) وأثناء عودته عرج على مدينة قرطاجنة لرؤية الأسرى المسلمين الذين بها، فوجدهم في أوراش الخدمة وهم في حالة سيئة من النعاس والضنى والتعب تدمي القلوب، فأخذته لمنظرهم حسرة وجرت من عينه عبرة، وسلاهم بإنقاذهم في القريب العاجل، ووزع عليهم الصلة توسعة عليهم، وتوسط في إطلاق سراح  اثنين وعشرين ومائة أسير جزائري، تخير منهم الصبيان الذين يخشى عليهم من الفتنة في الدين، والشيوخ العاجزين، وذوي الأعذار، ومن طال  مكثه في الأسر. وبمدينة سبتة السليبة سلم له حاكمها ثلاثة وعشرين أسيرا مسلما، وكان يوم دخوله للمغرب حدثا مشهودا تحدث الناس به دهرا.
       بعد نجاح ابن عثمان في السفارة الأولى إلى إسبانيا قربه السلطان منه، وعينه وزيرا ثم رئيسا للوفد الذي زار جزيرتي صقلية و مالطا و مملكة نابولي  سنة 1781م، من أجل افتداء أسرى المسلمين فقيد رحلته الثانية وسماها "البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسرى من يد العدو الكافر"( ) وتحدث فيها مطولا عن حياة الأسرى المسلمين المنتمين إلى مختلف الدول الإسلامية المتوسطية، وما عانوه من تنكيل وتعذيب على أيدي فرسان القديس يوحنا المحتل لجزيرة مالطا قائلا: "توهموا في الأسرى أنهم عزموا على القيام عليهم فقبضوا منهم كل من يظن به شيء من ذلك وسجنوهم ... وعذبوهم العذاب الأليم، فقد قيل إنهم يأتون بالكلاليب فيحمى عليها ويقطع بها لحم الرجل، ويجعل مكان ما قطع الزفت إلى أن يأتوا عليه... حتى استأصلوا جماعة من المسلمين"( ). وأضاف ابن عثمان أن عددهم سنة 1782م حسب إحصاء ميداني أجراه كاتبه هو ألف وخمسمائة أسير، ورغم العراقيل التي اعترضت إنجاز مهمته الإنسانية فقد تمكن من افتداء ستمائة و ثلاثة عشر من أصل ألف وخمسمائة أسير( )، حكاها بتفصيل في رحلته. نجاح باهر لم يسبقه إليه أحد من المسلمين "هذه الحسنة التي صيتها صار في الآفاق وانتشر.. في المشارق والمغارب والأعاجم والأعارب ... ثم اكترينا المراكب فجعلناهم فيها فوجهنا مركبا لطرابلس و بنغازي و مركبا لصفاقص ومركبا لتونس"( ). وأسرى آخرون أرسلوا إلى تركيا حسبما ذكرت مصادر أخرى. وله رحلة ثالثة ألفها عن سفارته إلى كل من اسطنبول والشام والحجاز وفلسطين وتونس والجزائر مرورا بإسبانيا وصقلية خلال الذهاب و قبرص في الإياب، حيث استغرقت حوالي ثلاث سنين.( )
     لكن أوربا المهيمنة على تجارة البحار لم تكن راغبة في دعم الإرادة الرسمية المغربية لخلق أسطول بحري قوي لأنها كانت ترى فيه خطرا على مصالحها الحيوية، بل عمل تجارها على استغلال انفتاح المراسي والأسواق المغربية لتحقيق أرباح طائلة على حساب تجارته الداخلية، وتزامن ذلك مع تعرض البلاد لكوارث طبيعية متوالية كانت لها مضاعفات اقتصادية واجتماعية خطيرة على المجتمع المغربي، الذي لم يكن مهيأ أو قادرا على التغيير وواعيا بشروط الحداثة التي لم تتحقق بعد.

    7 – وضعية الأسرى المسيحيين بالمغرب

    خروج أوربا لغزو أسواق جديدة كان مدعوما بما قدمه الرحالة السفراء والرهبان والأسرى والتجار وغيرهم من معلومات مشوهة عن العوالم الأخرى، واحتل موضوع الأسرى المسيحيين في البلاد الإسلامية حيزا هاما في رحلاتهم، مصورين أحوالهم بالمرعبة والمحزنة بعيدا عن الواقع والحقيقة، ونسوا أو تناسوا أن يذكروا حالة الأسرى المسلمين في بلادهم، وما كانوا يقاسونه من أنواع الشقاء وأليم العذاب والفتنة في الدين، وعليهم ينطبق المثل السائر رمتني بدائها وانسلت( ). ففي المغرب نجد مثلا رحلة الأسير بريسون( ) الذي عاش أربعة عشر شهرا متنقلا في جنوب المغرب، واصفا سكانه بأقبح الأوصاف والنعوت القدحية والأحكام المسبقة، ونلمس نفس الغرابة في رحلة الأسير توماس بيلو "تاريخ الأسر الطويل في جنوب بلاد البربر ما بين 1720م – 1736م"( ) الذي قضى حوالي ثلاثا وعشرين سنة في المغرب قبل أن يفر إلى أوربا، ورحلة الأسير جرمان مويط بالمغرب ما بين "1672م و 1681م"( )، و غيرهم ممن أطالوا الكلام عن بؤس الأسرى المسيحيين وعذابهم ببلاد المغرب، بل أخبروا بغير الحقيقة ليهيجوا الرأي العام بأوربا ضد المغرب والمسلمين عامة، ويتوصلوا إلى جمع الأموال عن طريق التبرعات والصدقات ليتمتعوا هم أيضا بها في أسفارهم وتنقلاتهم...
    مقابل ذلك  نجد  بعض الشهادات من أوربيين منصفة إلى حد ما عن الوضع الذي كان عليه الأسرى بصفة عامة يقول الأب بيير دان Pierre Dan  إنه كان عدد الأسرى الأوربيين بمدينة سلا والرباط في عهده ألفا وخمسمائة أسير، منهم أربعمائة من الفرنسيين. وبلغ عدد الذين أسلموا من الأسرى في زمنه ثلاثمائة وقليل من النساء، فاستطاعوا الارتقاء في السلم الاجتماعي ولعبوا أدوارا مختلفة سواء في الجيش أو الوظائف التي تتطلب الثقة والأمانة( ). وكانت لا توجد دار من دور مدينتي سلا و الرباط المشرفتين على مرسى وادي أبي رقراق في ذلك العهد إلا وفيها رقيق أوروبي، إذ  تستخدم النساء داخل البيوت حظايا وسرايا، فيصرن زوجات أولا، وينجبن الأولاد والبنات. و يقوم الرجال الأسرى غالبا بالأعمال الخارجية، كالبناء والخدمة في الأجنة والبساتين وغير ذلك.( )
    وفي مدينة مكناس المغربية باعتبارها كانت عاصمة للسلطان مولاي إسماعيل، فقد كان بها حوالي 2500 أسير سنة 1693م، أكثريتهم من الشباب شغلوا في أوراش البناء والرخام والحدادة والأسلحة وغراسة حدائق السلطان، وكان منهم المهندسون والأطباء فضلا عن رجال الدين، وكانوا شبه أحرار غير مقيدين بالسلاسل الحديدية، وقد أعفى السلطان المتزوجين منهم من أي خدمة، لفتح المجال لهم للبحث عن قوت أبنائهم، مع تمتيعهم بالمبيت والأكل والملبس مجانا، وسمح للمسيحيين بممارسة عباداتهم داخل كنيسة أهداها لهم. والأسرى كانت تعطى لهم كل سنة جلابية، وكان لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم، وكل مجموعة جنسية كان عليها رئيس ينتخب كل سنة، ولكل أسير سكن صغير من الخشب حيث ينام على سرير من التبن.( ) ويؤكد بريت ويت المصاحب لسفارة دبلوماسية سنة 1727م" و سكنهم ليس له الطابع المفزع لسجوننا.. لقد رأينا أعدادا تعيش في البلاد البربرية في سعة كبيرة.. أقل من العبودية.. "ويضيف".. وهذا ليس لمدح المغاربة.. ليس لي أي هدف سوى إعطاء الحقيقة عارية"( ). وخلاصة القول أن الأسرى الأوربيين عاشوا حياة عادية كباقي المغاربة لا تخلو هذه العيشة من قسوة ولا من رأفة القرن الـ18م، واستعين بخبرتهم وبكفاءاتهم في أوراش وأعمال كبرى.
    وفي القرن الـ19م ازدادت حدة الخلافات مع الدول الأوربية، فلم تعد تتعلق بإطلاق أشخاص من الأسر، بل أصبحت تمس السيادة المغربية،  مثل قضايا الحدود الشرقية  ما بين المغرب والجزائر بعد احتلال فرنسا لها سنة 1830م، وقضايا الحماية القنصلية المتفاحشة، وفرض اتفاقيات تجارية مجحفة في حق اقتصاد المغرب، واتفاقيات سرية أخرى بين فرنسا ودول أوروبية من أجل الاستفراد  بالمغرب، وإخضاعه للاحتلال وهذا ما حصل فعلا سنة 1912م.

    8 – الخطبة الغريبة في زمن المقاطعة

    وفي نهاية الحديث عن  الإطار القاتم لصورة الآخر المركبة والمقنعة، سأشير إلى حدث طريف وذي دلالة بالغة لو تحقق ربما نشأ عنه مواصلة ومودة بين المغرب وفرنسا. كما لا يخفى على الجميع الدور الهام الذي لعبه السفير الأميرال عبد الله بن عائشة الأندلسي المغربي( ) في مجال الجهاد البحري وأعمال القرصنة انطلاقا من مرسى العدوتين، إلى أن أسر بإنجلترا لمدة ثلاثة أعوام، تعلم أثناءها اللغة الإنجليزية وكان يتكلم بها. وبعد إطلاق سراحه عينه السلطان مولاي إسماعيل سفيرا إلى إنجلترا مستغلا الصداقات الطيبة التي ربطها مع كبار رجال البلاد هناك، وبعدها توجه سفيرا إلى فرنسا سنة 1698م، فأدهش الفرنسيين بطريقة حواره ونقاشه ودفاعه عن الإسلام، كما أعجب بدوره بما شاهده بعاصمتها الباريسية من الغرائب والعجائب... وبعد عودته للمغرب قص على السلطان مولاي إسماعيل تفاصيل رحلته السفارية إلى فرنسا، وحدثه عن الأميرة الشهيرة دو كونتي La Princesse De Conti، وأن لها معرفة بالرقص والموسيقى والأدب وغير ذلك، وأثناء عودته للمرة الثانية سفيرا إلى فرنسا لإثبات السلم والصلح وفداء الأسرى بين الجانبين، كلفه السلطان بخطبتها له من والدها الملك لويس الرابع عشر، لتكون زوجة له على مقتضى الشريعة الإسلامية، مع بقائها على دينها إن أرادت ذلك، وحبذ بن عائشة هذه المصاهرة إذ ربما ينشأ عنها تقارب في الوجهة السياسية بين البلدين، لكن هذه الخطبة لم تصادف قبولا، ووقع الاعتذار عنها بسبب الاختلاف في الدين والعقائد،( ) خطبة كانت حديث الأندية والمجالس والصحف بفرنسا، أما في المغرب فالأمر ظل سرا وبقي غامضا مطويا ولم يطلع عليه أحد، لا نجد له ذكرا لدى مؤرخينا وكتابنا في العهد الإسماعيلي وبعده،( ) رغم توفر الكثير من الوثائق بأرشيف الدولة، وعلق الدكتور عبد الهادي التازي عن هذه الخطبة الغريبة في تاريخ المقاطعة "فإن هذا الحدث لو تم لكان أثر دون شك على صلة العالم الإسلامي بالعالم المسيحي( ).

    خاتمة

    والواقع فإن موضوع هذه الندوة العلمية -العرب بين البحر والصحراء-، بالنظر إلى موسوعيتها، وطبيعة مادتها التي توزعت بين ما هو تاريخي وسياسي، وما هو اقتصادي وعسكري، وما هو إنساني وديني وهو الذي ركزنا عليه، يعد بمثابة إشكالية جامعة وكونية بقضايا العصر المتعلقة بالحوار والتعاون بين الشمال والجنوب. ومسألة تبادل الأسرى كانت إلى حد ما عاملا في "إذابة الجليد" بين عالمين ظلت حال الحرب والتوتر متصلة بينهما لعدة قرون وما زالت أثارها إلى يومنا هذا. وما ذكرته الرحلات السفارية عن أوضاع الأسرى المسلمين في أوربا ما هو إلا قليل من كثير، ومع الأسف تبدو لنا حقيقة صورة الآخر المقنعة قاتمة وتقترب من السواد في السجل التاريخي للمغرب الحديث. ويمكننا القول إن هؤلاء الرحالة قد ساهموا في احتواء الكثير من المشاكل والأزمات مع الآخر، وعملوا على تقريب وجهات النظر المتعارضة والمتنافرة، وبذلك تمكنوا من التخفيف من شدة الاحتقان والتصعيد، وبالتالي احتواء الاصطدام بالآخر، كما ساهموا في شرح وتقريب صورة الآخر من ذهنية السلطان ورجال البلاط المحيطين به، رغبة في الدفع بالمغرب نحو الإصلاح والتغيير المنشود. وفي الأخير نتساءل أين كان عصر الأنوار؟ و أين كانت النزعة الإنسية؟ وأين نجد التعصب الديني؟

    د. عز المغرب معنينو - المغرب