مغامرات مع الكتب والناس والبلاد

    محاولتي في ترجمة ابن بطوطة

    أولاً أشكر كل من اجتهد في تنظيم هذا المؤتمر الذي سيؤدّي إلى ظهور أبحاث جديدة وممتازة في مجال الرحلة إن شاء الله ... وأشعر بامتنان كبير لدعوتي إلى مثل هذه الحفلة العلمية الدولية التى تقام من قبل "المركز العربي للأدب الجغرافي-ارتياد الآفاق" بالدوحة الجميلة.
    وقد اطلعت على نشاطات هذا المركز كتحقيق أهم كتب الرحلات وطبعها (في دار السويدي) بدقة وجودة حتى انني اقتنيت بعضها في تركيا. وأيضا، توزيع جوائز ابن بطوطة أمر مهم كما نرى، وكما عبرت أدبيات الجائزة، لاسيما أن هذه "الجائزة تهدف إلى تشجيع أعمال التحقيق والتأليف والبحث في أدب السفر والرحلات." فنحن الآن نقف على حصاد هذا العمل الجيد والمؤثر.
    وبعد،
    كما عُرف عند من ذاق لذة البحث العلميّ المتعلّق باللسان والأدب، فإن الترجمة لها مساهامات كبيرة في نقل المفاهيم والمعلومات والأفكار الجديدة من مناخ ثقافي إلى مناخٍ آخر، لا سيما الكتب العلمية والتاريخية والجغرافية، أنها كدواء عاجل أو آجل، يلزم كل قوم حينما يحتاجون إلى نهضة فكرية في مجتمعاتهم.
    لم تكن رحلة ابن بطوطة كتابا تاريخياً فقط يمكن تسليمه إلى الآكاديميين بكل محتواها وألوانها، بل إنها مغامرات تضيء على ملامح الروح الإنساني قبل العصر الحديث، وهي تعد عمدة القرّاء في تاريخ آسيا وإفريقيا والبحر الأبيض والأناضول وحتى البلقان والروسيا الجنوبية، وهي من أهم مصادر الإنسانيات (الآنتروبولوجيا) وأيضا مرآة لحياة الناس اليومية وحفلاتهم وعاداتهم ومعاركهم وإحساساتهم وقوتهم وضعفهم في ذلك العصر.
    يجب أن اشير هنا إلى أنني زودت ترجمتي لأبن بطوطة إلى التركية بهوامش على النص المترجم تتعلق بكل ما ينطوي عليه الكتاب، وراعيت حاجة الناس إلى متعة القراءة وجاذبية الأسلوب وأحيانا كانت ملاحظاتى تحتوي على المعلومات الشخصية لبعض الأسماء. على سبيل المثال ذكرت تفاصيل عن حياة جلال الدين القزويني وأثره على دراسة الأدب العربي في المدارس العثمانية (الدولة العثمانية) وألمحت إلى خبرته في فن الخط خصوصا. ومرات تحدثتُ عن وصفات أطعمة الهند والترك والعرب التاريخية وُقارنتها بالأطعمة الحديثة في المطبخ التركي، وأحياناً كتبتُ عن أفكار بعض العلماء وتأثيراتهم المستمرة إلى عصرنا هذا.
    وبدهي القول هنا إن هذه الرحلة لم تكن عبارة عن رصد لحياة الاشخاص وحركتهم وحسب، بل إنها احتوت على شيء من فن الحرب وتاريخ الاقتصاد وكثير من التقاليد المتعلّقة بالموت والولادة والزواج.
    ولفهم هذه المفردات كان يجب على مراجعة الكتب السياسية والأدبية والتاريخية المنسوبة إلى ذلك العصر مثل "التعريف بالمصطلح الشريف" لابن فضل الله العُمري "وصبح الأعشي" للقلقشندي
    وقد راجعتُ أكثر من خمسة مائة كتب في مختلف المجالات حتى يصبح عملي هذا مصدراً من مصادر أدب الرحلة والتاريخ من جانب، والعلاقات الدولية والسياسية وفن الحرب والتقاليدالدينية لذلك العصر من جانب آخر.
    واستمرت ترجمتي عبر ثماني سنوات بلا توقف، وجمعت ألف وتسع مائة من الهوامش ثم نقّحتها وقصّرتها على حوالي ألف. ومن فضل الله فإن ترجمة ابن بطوطة أخذت مكانها في الجامعات والمؤسسات العلمية وصارت من أهم المصادر المذكورة في مجال التاريخ الاقتصادي والسياسي في جامعة Gazi Üniversitesi ، وجامعة Marmara Üniversitesi ، وجامعة Karadeniz Üniversitesi . وجامعات أخرى في تركيا.
    من المعروف أن القرن العشرين جاء مقترنا بمنطق علميً اختصاصي، ونظن انه في أفضل حالاته في التحليل؛ يتوغل هذا العقل في الأجزاء جزءاً بجزء، فقد لا يفهم الكل وما جرى في الميدان العريض للروح الإنساني والتاريخ البشري.
    وبالتالي فقد كان لزاما عليّ جمع شتات النقاط المختلفة لهذه الملاحظات وربطها بعضها ببعض بطريقة مناسبة وتقديم الخلاصة في بثوب جديد ونبذ ما كدر جانبا حتى لا يفقد القارئ اهتمامه بالمتن ولا يفوته منه ما هو اساسي ومهم.
    والعجيب أننا إن نقلنا المتن إلى التركية بلا شروح في الهوامش وكان القراء بلا معرفة عن أهم ما احتواه الكتاب من مصطلحات سياسية، صوفية، فقهية، ثقافية وتاريخية، فإن ذلك سيقلل من قيمة الترجمة.
    وبالمقابل فإننا لو نقلنا الرحلة إلى التركية مملوءة بالحواشى العلمية فقط، فإن قدرة الرحالة في التحكيم والإبداع مشوّبة بشيء من اليباس والتجريد.
    فماذا كان في وسعنا عمله؟ لقد اجتهدنا في تعبيد الطريق إلى من عزم على قراءة الرحلة فاخترنا أسلوباً متوازناً بين العلمية والأدبية لأناّ شعرنا بأن طلب العلم يتماشى مع الطموح الأدبي وأنّ القلق المضمر مما سيكون قد يقترن مع التعبير الصارخ عن النفس. بل إن كل من العلم والأدب عنصران يعشق واحدهما اللآخر، وبالمقابل فإن القلق الخفي والتعبير الصارخ صديقان يمشيان في شاطئ بحر واحد.
    أعرف أن ترجمتي لابن بطوطة هذه ليست بالترجمة الجامعة المانعة بالمعنى العلمي والأدبي، وحتى اليوم يخطر ببالي تغيير بعض التعريفات بأخرى غيرها وإبدال بعض الملاحظات بجمل بسيطة تحتوي على معلومات حية جديدة.
    ولأن هذه الترجمة استمرت ثماني سنوات فإنني أحمل أوزارها في عنقي حتى الآن، إنها كشخصية ثانية لي ولقد سمّاني بعض أصدقائي باسمها وقالوا: "هاي، ابن بطوطة، تعال هنا نحتسي الشاي ونتنزه في اسكندرية وبعد ذلك ترجع إلى تركيا!"
    أظن أنني جعلت الرحلة في قالب لغوي وأدبي يجذب القرّاء الأتراك بقوة إلى ما تحتوي عليه من سرور وعلم عن الروح الإنساني الذي لم يتغير كثيراً عبر القرون منذ كتابة الرحلة. وأعتقد أيضاً أن على كل من يحاول ترجمة متن تاريخيّ أصيل، مراعاة مثل هذه الأصول وخلق طريق منفرد خاصٍّ لذلك المتن، لا سيما الذين عزموا على ترجمة كتب الرحلات القديمة.
    ولأن المتن لم يولد في عصرنا، فقد لا يجد قراؤنا الكرام في كتاب كتِب في القرن الثامن الهجري والرابع عشر الميلادي ما يثيرهم بقوة اللغة التي يعرفون، فعلى عاتقك أيها المترجم المسكين (أوالمجنون او الكبير) سرد المتن بروح طازج وألوان مختلفة تلمع انعكاساتها في عيون القرّاء الذين بُهتوا أمام موجات الشاشة والانترنت وأسلوب عصرنا هذا في الأدب، المختلف تماماً عن الأسلوب القديم في كتب الرحلات التاريخية.
    أعترف أني ترجمت بعض قطعات الرحلة التي تصف الراحة وسعة العيش، ترجمتها بتؤدة متذوقا ذوق الرحالة وحظه في كسب المال وغير ذالك!.. إلهي، ايا ترى؟ هل أصبح هذا الكتاب دواء مسكّنا يشفي صدر عليل من مرض اقتصادي!
    كل هذه العوامل جعلتني متحمسّاً إلى معاني المتن ومفسرّاً عظيماً مثل غادامرً Gadamer في مُفرداتها  تأويل ألفاظ شخصياتها، فإن كان صديق لي يسأل عن مصطلح متعلق بالطعام فأنا أجيبه بلا انتظار، وإن كا آخر يسأل عن اسم امرأة مذكورة فيه فأنا أجيب عن مزاياها عيوبها معا... عفى الله عني... أستغفر الله.
    وأخيراً هناك شيء طريف لا فوات من ذكره: أصبح ابن بطوطة بطل ابنيّ أحمد وعلي. وقد رويت كل قسم من الرحلة أمامهما بثوب مناسب لهما، حتى إنني أضفت حكايات أخرى إلى الرحلة بناء على طلب شديد وماس من طرف أولادى... عفا عني الرحالة ابن بطوطة... أني جعلته يعيش في زمننا الحاضر ويتجول بين أسواق استانبول ويشارف على اسطول الكشف العلمي لجامعة هارفارد في المحيط الأطلنطي حتى يفتح أبواب الحضارة المفقودة أمام مستمعي الكرام أعني أولادي نور عيني أحمد وعلي!
    فما  هي النتيجة ياترى؟ النتيجة هي إنهما أصبحا أشجع مني في خرق العادات الرسمية في أسرتي المتعلقة بالسياحة والتجوال! فهما دائماً يسألان عن بلدة جديدة تكشف ومغامرة مثيرة تؤدي إلى تعارف أصدقاء جدد ومكان لم يمشيا فيه من قبل وأطعمة لم يأكلا من قبل.
    هذه هي ترجمة رحلة ابن بطوطة عندي؛ رحلة تموج بالفرح والحزن، وطرف عيون المعاني، وثرثرة أولادى في ليالي استانبول القصيرة زمنا،ً الطويلة أملاً.
    فشكرا لكم والسلام عليكم

    عبد السعيد آيقوت - تركيا