رحلة حنون كهمزة وصل بين قرطاجة واللوبيين

    علاقة حنون باللوبيين في المغرب الأقصى

    اعتمدت في رسالتي عن رحلة حنون الملك القرطاجي على نص الوثيقة الإغريقية لهذه الرحلة التي عثر عليها في معبد بعل كرونوس بقرطاجة، وهذه الوثيقة الإغريقية ترجمت من نص فينيقي الذي ضاع مع الأسف، وهو معروف بنص هيدلبرغ.
    جرت هذه الرحلة في القرن الخامس قبل الميلاد، وسبقتها رحلات استكشافية منها رحلة الفرعون نخاو التي تمت ما بين القرن السابع قبل الميلاد وبداية القرن السادس قبل الميلاد، وأرسل هذا الفرعون فينيقيين بحارين في رحلة اكتشاف لإفريقيا انطلاقا من البحر الأحمر حتى وصلوا إلى البحر المتوسط مرورا بإفريقيا، وقد استغرقت مدة عامين ونصف، قطع البحارون الفينيقيون مسافة 25000 كلم، وقد أورد أخبار هذه الرحلة هيرودوت، وقام هاميلكون برحلة بحرية إلى شمال أوربا قبل أن يقوم حنون برحلته المشهورة بمدة وجيزة، وتعد رحلة حنون كهمزة وصل بين قرطاجة والليبيين، ومما يجب ذكره أن حنون عبر بسفنه الساحل التونسي، ثم عرج على الساحل الجزائري القديم، أي نوميديا التي كانت توجد فيها مدن ساحلية مثل بونة، ايجيلجيلي، ايكوسيوم، تيبازة، يول ورشقون، ولكن لم يذكر لنا في الوثيقة مع الأسف المدن النوميدية "الجزائرية" التي عرج عليها حنون، وهذا التجاهل ربما ليس مقصودا، وإننا نتساءل لماذا قام بتأسيس مدن ليبوفينيقية على الساحل المغربي أي على شواطئ المحيط الأطلسي، وعزف عن تأسيس مدن في الجزائر القديمة مثلا، هل يعود ذلك إلى عوامل استراتيجية واقتصادية؟ أم هو تجاهل مقصود بالذات؟ لا أعتقد أن حنون عمد إلى عدم تأسيس مدن على الساحل الجزائري، ولا سيما أننا نعلم أن الساحل الأطلسي يومئذ كان ذات جاذبية من الناحية الطبيعية والتجارية، فقد كان الساحل الأطلسي ممرا استراتيجيا يؤدي إلى بلاد مناجم الذهب، ولكن لا ننسى أن الجزائر لها دور استراتيجي من ناحية طريق البر انطلاقا من حوض البحر المتوسط مرورا بالأطلس التلي للولوج إلى الصحراء الكبرى التي كانت تحتوي على حضارة متكاملة وكنوز منجمية كالذهب والنحاس والقصدير الذي كان موجودا في بلدان جنوب الصحراء، وقد أخطأ بلين عندما اعتقد أن حنون قام بالإبحار انطلاقا من قادس حتى حدود الجزيرة العربية...! وهذا خطأ.

     

    تضارب الآراء حول حقيقة الرحلة

    وهناك اختلاف وجهات النظر لدى الباحثين الغربيين حول حقيقة رحلة حنون من الناحية التاريخية، فاعتمادا على النص الإغريقي الآنف ذكره، هناك من المؤرخين والباحثين الفرنسيين من يشكون في الأماكن العمرانية، أي المدن التي أنشأها أو زارها حنون في المغرب الأقصى، ومن هؤلاء على سبيل المثال كاركوبينو وروبيفة Carcopino et Rebuffat، فالمؤرخ الفرنسي روبيفة Rebuffat يلاحظ أن الحفريات التي جرت لم تسمح بوجود( ) آثار لاستعمار حقيقي لا يتجاوز عام 70 قبل الميلاد، ويؤكد روبيفة أن اللقى الأثرية التي عثر عليها تعود إلى القرن الثاني ق.م، والتي نجد أن الأصل المحدد لها يمكن أن ننسبه بكل تأكيد إلى البونيين( )، وهي تعود إلى تاريخ لاحق بعيد بالمقارنة مع عهد المؤرخ بسودو سيلاكس Pseudo Scylax أي القرن الرابع ق.م، وأكثر من ذلك إلى عهد الملك حنون.
    هذا حتى ولو أن بعض الأشياء القديمة التي تم العثور عليها، كشاهد حي، فإن ذلك لا يبرهن على أصالة المدينتين( ) تيمياتريون وتاموسيدا، أما كرابيس Le Crabis ممكن أن لا يكون هو نهر سبو( )، وعلاوة على ذلك فإن موقع تيمياتريون بالمقارنة مع ليكسوس في رحلة حنون، وتلك المتعلقة بأخبار بسودو سيلاكس متناقضة، ومما يجب ذكره (حسب روبيفة) فإن ليكسوس الوارد في الرحلة ليس له علاقة أخرى إلا الاسم الوارد وهو وادي اللكوس( )، هذا مع العلم أن روبيفة له تحفظ كبير في إمكانية استمرارية رحلة حنون حتى منطقة الكاميرون، ويرى أن حنون قام بجولة كبيرة في الأطلس عن طريق وادي اللكوس، ثم بعد ذلك قام بجولة أخرى في وادي سبو، هذا مجمل الرحلة التي قام بها، ويعارض فكرة أن حنون واصل إبحاره حتى ما بعد الساقية الحمراء ووادي الذهب، ثم إلى نهاية المطاف، وهي منطقة السنغال ثم الكاميرون، فهو يستبعد ذلك، وهو بعكس ما يراه جون أرمان Jean Armin صاحب دراسة وافية عن رحلة حنون Jean Marin , Le Periple d`Hannon في 125 صفحة الذي يتعرض في هذه الدراسة إلى رحلة حنون في المغرب الأقصى، ويقارن الأسماء الواردة في الرحلة للمدن التي أنشأها حنون، أو المدن الفينيقية التي كانت موجودة قبل حنون مثل أكادير، موقادور وطنجة وغيرها، بما جاء ذكره في أخبار المؤرخين الإغريق والرومان مثل هيرودوت، بطولومي، سترابون، بلين الطبيعي، بسودو سيلاكس وسترابون.
    ويذكر جون أرمان أن إفريقيا الشمالية كانت مملوءة بحيوانات انقرضت اليوم، جاء ذكرها في رحلة حنون، والتي كانت تصدر إلى روما، لأن الرومان كانوا من هواة العراك مع الحيوانات، ومما يورده أيضا أن استرابون يشير على أنهار موريس Morus أي المغرب الأقصى، والتي كانت تحتوي على التماسيح، وحيوانات أخرى تشبه ما نراه في النيل، ويتعرض بلين إلى حيوانات خاصة بإفريقيا الغربية، أي المغرب الأقصى كانت ترعى بجوار نهر أناتيس، وهو وادي أم الربيع، ووادي درعة، ويتحدث عن ضواحي سلا بالقرب من الرباط المغربية( ).
    والتي كانت مرتعاً للفيلة، أما الكوريلا وهي نوع من القردة التي جاء ذكرها في رحلة حنون، فهي من الممكن أن تكون من فصيلة أورانج - أوتانج Orang-Outang التي عاشت في المغرب، فيما يتعلق بالأدغال والمناطق الغابية غير مسكونة بالبشر فهي لا تقتصر على إفريقيا السوداء وحدها فقط، ولكن هي موجودة حتى في المغرب مع وجود قبائل متوحشة أو منعزلة، وهذا لم يكن مقتصرا على إفريقيا بل كانت موجودة حتى في المغرب في فترة تمتد إلى ألفين وخمسمائة سنة خلت.
    ويعتقد جون أرمان أن ما ورد في النص كتعبير الأثيوبيين فهو ليس ضروريا أن يكون مرادفا للسود، فالوجوه ذات البشرة السمراء فهي تعني الأهالي السمر الذين كانوا موجودين في الجنوب المغربي، فالأثيوبيون المقيمون في سيرني حسب ما جاء في رحلة حنون، وكما جاء في بسودوسيلاكس Pseudo Scylax ذوي اللحى وأصحاب الشعور الطويلة، والذين يمتطون الخيول ويزرعون الكروم، وهذه الصفات لا تمت بصلة مع الأفارقة السود، علاوة على ذلك إن الإمكانيات المادية التي كانت في حوزة حنون لا تسمح له بالوصول إلى الكاميرون التي يوجد فيها بركان جاء ذكره في النص الإغريقي للرحلة( )، ولكن هناك من يرى نقيض هذه النظرة، وهو أن حنون وصل برحلته حتى الكاميرون بحثا عن القصدير والذهب، وهذا ما سنراه في دراستنا للرحلة، ونظرا إلى قلة الإمكانيات أوقف رحلته وعاد على أدراجه إلى قرطاجة.
    ويتعرض جون أرمان إلى مسألة سيرني، فقال في دراسته حول رحلة حنون إن الجزيرة القريبة من أرقين (تم تحديدها في الخريطة المرفقة بدراستي) يمكن أن تكون هي سيرني التي أوردها حنون في نص الرحلة، وهي نفسها( ) التي ذكرها بسودوسيلاكس Pseudo Scylax ولكن في الإمكان أيضا أن الساحل الموريطاني قد تغير بعض الشيء منذ عهد حنون، وجزيرة سيرني يفترض أيضا أنها ليست الجزيرة القريبة من أرقين (يواصل جون أرمين) ولكنها جزيرة أخرى( )، وقد تكون مارقريت وأردا، والتي تم دمجهما بالأرض.

     

    شهادات الإغريق حول الرحلة

    ورغم بعض مظاهر الشك التي تحيذ رحلة حنون، فإن ما لدينا من معلومات حول الرحلة التي جاء ذكرها في مصادر إغريقية ورومانية، تثبت أن الرحلة جرت فعلا، ولنا شهادة المؤرخ الروماني بلينيوس( ) الذي يورد لنا أخبارا عن رحلة حنون، وهذا المؤرخ معروف باسم بلين القديم، وله كتاب عنوانه التاريخ الطبيعي.
    أما هيرودوت لم يشر إلى أي شيء يخص رحلة حنون ما عدا بعض الفقرات التي تخص المقايضة بين الأهالي البربر والقرطاجيين، وهي مقايضة صامتة( ) بمواد تجارية كالذهب، وسلع محلية من إنتاج البربر، وهل يمكن أن نعتبر القرطاجيين الذين جاء ذكرهم عند هيرودوت هم الذين توجهوا إلى إفريقيا السوداء من أجل الحصول على الذهب من بلد منتج للذهب في إفريقيا السوداء...؟.
    لا نستطيع أن نجزم ونؤيد هذه الفكرة لأن عدم ذكر الرحلة في كتاب التاريخ لهيرودوت، يجعلنا نتحفظ في نعت المقايضة الواردة عند هيرودوت بأنها إشارة للرحلة في حد ذاتها.

    الوثيقة الإغريقية حول الرحلة

    اعتمدنا في معلوماتنا عن الرحلة من خلال نص الرحلة، وهو وثيقة مترجمة حرفيا على يد الفرنسي الشهير ستيفان قزال، حيث ترجمت من الإغريقية إلى الفرنسية، وقمت أيضا بترجمتها إلى العربية، ويبدأ النص بذكر علاقة حنون ملك القرطاجيين في البقاع الليبية ما وراء أعمدة هرقل، والنص تم تقديمه إلى معبد كرونوس( ).
    ونص الوثيقة مقسم إلى فقرات أو مواد مرقمة من 1 إلى 18 مادة، وورد في العنصر الأول أو المادة الأولى: إنه كان يبدو مستحسنا للقرطاجيين على أن يبحر حنون خارج نطاق أعمدة هرقل، ويؤسس مدنا ليبوفينيقية Libypheniciens، وأبحر إذا، وأخذ معه ستين سفينة، مع خمسين مجدافا، وجمهورا من الرجال والنساء، تعداده تقريبا ثلاثون ألفا، مع قوت العيش وأمور أخرى ضرورية.
    وفي المادة الثانية: يذكر حنون أنه بعد المرور على طول أعمدة هرقل، والإبحار ما وراء هذه الأعمدة على مدى يومين، أسسنا المدينة الأولى، والتي سميناها تيمياتريون، وتحتها يوجد سهل كبير، فيما يتعلق بالعنصر الأول، وهو يخص تعداد السفن، فهو معقول ومقبول، ولكن هناك مبالغة وردت في عدد الناس الذين اصطحبوا حنون في رحلته، فمن غير المقبول أن تحمل ستون سفينة بشكلها القديم المعروف في العهد الفينيقي والقرطاجي ما تعداده ثلاثون ألفا، وإنما المرجح والمقبول منطقيا هو حوالي 5000 (خمسة آلاف) مسافر لا غير، بحيث إن عدد المسافرين على متن السفينة الواحدة هو ثمانون شخصا، مع العلم أن السفن القرطاجية كان هيكلها محدودا جدا، ولهذا السبب لا يمكن وصفها بدقة، ومع هذه نستطيع تقدير وزنها بحيث لا يتجاوز الخمسين طنا، أما طول السفينة فيساوي ثلاثين مترا.

     

    الزمان والمكان في بعثة حنون

     

    الرحلة ونشأة المدن: تأسيس مدينة تيمياتريون
    المعطيات التاريخية التي وردت في وثيقة هيدلبرغ المكتوبة بالإغريقية، لا تذكر لنا تاريخ بداية رحلة حنون، ويرجح أن الرحلة انطلقت في بداية فصل الربيع، أي في واحد وعشرين مارس، ولكن هذا لا يعني أن تاريخ الرحلة هذه يعد حقيقة منطقية مسلم بها، لأننا نعلم أنه لم يكن باستطاعة حنون الإبحار قبل هذا التاريخ، ويمكن أن نعتبر ذلك كفرضية لتحديد تاريخ بداية الرحلة.
    ويتفق كثير من المؤرخين على أن موقع مدينة تيمياتريون يوجد بالمهدية الواقعة على مصب وادي سبو بالقرب من مدينة القنيطرة في سهل الغرب الواسع، على بعد 130 ميلا من أعمدة هرقل، وهو ما يعادل يومين من الإبحار بسرعة 2.7 عقدة، مع العلم أن سرعة سفنهم كانت ثلاثة عقد، فقد يرجع هذا البطء إلى أن التيار كان يأتي من الشرق انطلاقا من مضيق جبل طارق، حيث كان معدل السرعة حوالي 0.3 عقدة( )، ونلاحظ أن حنون كان على دراية كبيرة بمنطقة المهدية والقنيطرة، التي أنشأ فيها مدينة تيمياتريون، مما جعله يقطع المسافة الفاصلة بسرعة فائقة بلا تردد، ولا سيما أنه كان يعلم أن نهر سبو عميق، يسهل للسفن الدخول إليه إلى مسافة طويلة تصل إلى ستين كيلومترا، مع العلم أن هذا النهر كان يصب في مصب نهر الغرب، الذي كان يطغى عليه الطابع المستنقعي أكثر مما هو عليه اليوم، حيث نجد العديد من المنعرجات، فأطلق عليه الاسم البونيقي سيبوب Sebub، وكان في الإمكان الاستفادة من أشجار غابة المعمورة، وكان الصيد وفيرا فيها، وهذا ما جعل القرطاجيين يزدادون حماسا لحط وإنزال الرجال، وإنشاء مدينة تيمياتريون( )، ولكن هناك من يرى أن كل هذه المزايا لا تشكل مبررا مقنعا من أجل وضع في الحسبان خطة وبرمجة تأسيس مدينة ضمن رحلة حنون، على كل حال، أراد حنون إنشاء مدينة تيمياتريون، لأنها كانت في نطاق مهمته التي كلفته بها قرطاجة، أو مجلس الشيوخ القرطاجي، وقد تم ذلك بالفعل، وشرع في تحديد الطرق نحو الجنوب، وهذا مع العلم أنه في القرن الخامس ق.م كان المجرى السفلي لنهر سبو مختلف عما هو عليه اليوم، وكانت تيمياتريون بمثابة مرفأ أمامي لليكسوس، ومحطة اتصال بنهر سبو، الذي كانت له أهمية كبيرة في التواصل البحري بين قادس وليكسوس، وكان لتوسيع التجارة في جنوب المغرب القديم على ساحل الأطلسي أبلغ الأثر، والفائدة الكبيرة، بحيث يصبح باستطاعة البحارين القرطاجيين القادمين من الرحلات البعيدة والصعبة الاستراحة في مدينة تيمياتريون، ولا سيما أنه لم يكن لهم الخيار في ظروف الإرساء.

    الدور التمويني لتيمياتريون
    وهناك قضية هامة مطروحة على بساط النقاش، وهي تخص بناء مدينة تيمياتريون الذي يستوجب وفرة كميات هامة من المعدات، وهذا ليس بالأمر الهين، علاوة على ذلك وجوب توفير كل ما يحتاج إليه السكان على مدى عام كامل إلى غاية أن يتمكنوا من إنتاج وتوفير حاجياتهم بأنفسهم، حتى إذا اعتبرنا أن تيمياتريون لم يتجاوز عدد سكانها مدينة المهدية الحديثة، أي ما لا يقل عن 5000 (خمسة آلاف) نسمة.
    وكان لها دورها في تموين سفن حنون بالمؤونة والبضائع الكفيلة لمواصلة الرحلة نحو الجنوب، ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار أهمية مشاركة قرطاجة وقادس وليكسوس في رحلة حنون، وأنه من الخطأ شحن سفن حنون بالبضائع ولوازم البناء، بما أن قادس وليكسوس المحاطتان بمناطق خصبة، حيث تتوفر الغابات العديدة، فهاتين المدينتين قد تقاسمنا أعباء بناء وتمويل المرفأ الجديد في مدينة تيمياتريون.
    وزودت ليكسوس منطقة تيمياتريون بمستوطنين في وسعهم ربط وتوطيد علاقات مع الأهالي، والتعايش معهم في تفاهم ووئام، ونفس الأمر مطروح مع قادس، لأنه كان من طبع البونيين أو القرطاجيين جلب مرتزقة إسبان إلى إفريقيا.
    وهناك من يرى فرضية قابلة للنقاش، وهو أن رحلة حنون انطلقت تحت مناخ ملائم في بداية فصل الربيع، وفي أواخر شهر مارس توجه أسطول حنون إلى ليكسوس، مكثوا مدة هناك، ووضعوا مخططا أوليا للمدينة، وفي بداية أفريل رحلت سفن حنون نحو الجنوب لتفسح المجال أمام نهر سبو المكتظ بالسفن نتيجة الازدحام، ولكن ليستهلك المسافرون جزءا هاما من الغذاء خلال الفترة التي قضوها على متن السفن التي ليست مريحة، فضلوا إذا متابعة الطريقة نحو صولوييس Solois ومدن الجنوب، ويرى صاحب هذه الفرضية المعلقة برحلة حنون أن السفن القليلة التي كانت متوجهة نحو سيرني، كانت قد فارقت باقي السفن المتجهة نحو ليكسوس، حيث كان من المنتظر أن تلتقي بحنو فيما بعد، ويقدر عدد المسافرين أو البحارين الذين كانوا على متن سفن حنون بثلاثة آلاف بحار يتكونون من حرفيين وصيادين وسماسرة وموظفين، ثم ينضم إليهم حشد من الراقصات الغجريات اللواتي استفدت من وجود حامية عسكرية، ومن مرور العديد من البحارين( ).
    وإن إنشاء مدينة لا يتطلب وجود حنون لمدة تتجاوز ثلاثة أيام، هذا أثناء المناسبات المدنية والدينية فقط، أما باقي المهام فكان بإمكان نوابه القيام بها، مع العناية بأسطوله الذي يمثل خمسة وثلاثين سفينة، والمساعدة في تأسيس المدينة الجديدة، هذا مع العلم أن المستوطنين الجدد كانوا يقدمون قرابين إلى الآلهة عند تدشينهم موقع أو أرض جديدة.

    تحديد مواقع المدن الجديدة لحنون
    وقام المؤرخون الفرنسيون بتحديد مواقع المدن التي أنشأها حنون أثناء رحلته البحرية، فكان من المصادر المعتمد عليها في هذا الشان بسود سيلاكس وسترابون، ويستبعد جون أرمان فرضية تحديد موقع سرني التي جاء ذكرها( ) في رحلة حنون في فضالة المغربية وتانسيفت وموقادور، ويرى جان أرمان أن موقع سرني يوجد في موقع الساقية الحمراء ووادي الذهب.
    وقد جاء في وثيقة الرحلة في المادة الثامنة أو الفقرة الثامنة أن حنون أخذ معه المترجمين، وبدأ المسيرة نحو القفار باتجاه الجنوب خلال يومين( )، ثم بعد ذلك في اتجاه شروق الشمس خلال يوم واحد، وبعدها يقول حنون وجدنا أنفسنا في عمق خليج مع جزيرة صغيرة لها محيط يتكون من خمس مراحل وسميناها سرني Cerne، ويقول حنون إنه ترك فيها مستوطنون، وأكد حنون بعد سفره هذا اعتقاده أن سرني كانت تقع في موقع معاكس لقرطاجة( ).
    على كل حال يتعرض حنون في رحلته إلى الأثيوبيين الذين فروا عندما اقتربوا منهم، وكانوا يتحدثون لغة غير مفهومة حتى لدى الليكسيتيين المترجمين الذين اصطحبوا حنون.
    وفيما يخص سرني فهناك قضية مطروحة، فكما هو معلوم لم يتم العثور على المدن التي أسسها الملك حنون، ولكن هناك بصمات للحضارة البونية تعود إلى القرن الخامس ق.م، وقد جمعها Euzenat في فولوبيليس Volubilis في داخل البلاد المغربية، مع العلم أن الآثار البونية الموجودة في ليكسوس تبين لنا أن النشأة تعود إلى فترة سابقة لرحلة الملك حنون، وتم اكتشاف آثار موقادور، وهي جزيرة في شمال أكادير المغربية، وهي بالقرب من مدينة الصويرة المغربية، ونعلم عن طريق الخزفيات التي تم العثور عليها، إن هذه الجزيرة تم استيطانها أو الإقامة فيها على يد البونيين في القرن السابع ق.م والخامس ق.م، ولم يتم إنشاؤها على يد الملك حنون، ولكنها لعبت دور همزة وصل هامة للقرطاجيين، وفي جزيرة موقادور بالقرب من الجزيرة حيث عثر على آثار بونية، يجعلنا ذلك نتساءل: ألم تكن هي جزيرة سرني؟ التي جعل منها حنون قاعدة انطلاق للمرحلة الثانية من بعثته، وهي مرحلة الاستكشاف، وهناك كثير من المؤلفين يتقبلون هذه الفكرة القائلة إن جزيرة موقادور هي جزيرة سرني المذكورة في الرحلة، وحتى بوليب الذي زارها يعطي نفس الموقع لسرني في جزيرة موقادور، ومع الأسف أن حنون يتحدث في الرحلة أنه يجب القيام بسفر طويل من قرطاجة إلى أعمدة هرقل، ثم من هرقل إلى سرني، مع العلم أن سرني توجد على بعد 700 (سبعمائة) كيلومتر من جبل طارق، وقرطاجة تبعد بمسافة 2000 (ألفين) كيلومتر، وهكذا فإن بعض المؤرخين منهم كاركوبينو يحدد مكان سرني هو أيضا في خليج الساقية الحمراء ووادي الذهب، في جزيرة صغيرة كانت بمثابة محطة تجارة الذهب، مثلما ذهب إليه في مقام سابق جان أرمان، وهناك من يرى أنه إذا أخذنا في الحسبان المعطيات المتعلقة بخط الرحلة، فإن نهر السنغال يعني Chretes كريتيس.
    ويعتقد جيلبير بيكار، المؤرخ الفرنسي، أن رحلة حنون أصلية وحقيقية وجرت فعلا، ويذكر بلين أن جلود النساء وإناث الكوريلا بقيت معروضة في معبد تانيت حتى سقوط قرطاجة في 146 ق.م، أما بسودو سيلاكس فيذكر في مؤلفه في القرن الرابع ق.م على أن مدينة سرني كانت مفتوحة على تجارة البونيين مع الإثيوبيين، أما عنربة الإلهة التي جاءت في وثيقة الرحلة فهي عبارة عن جبل بركاني في الكاميرون (علوه 4070م)، أما جزيرة الكوريلا التي تمثل آخر مرحلة من رحلة حنون، فهي موجودة في الكابون بجنوب ليبرفيل Libreville، فحنون إذا قطع مسافة أكثر من سبعة آلاف كلم، انطلاقاً من منطقة جبل طارق، وتسعة آلاف كلم انطلاقاً من قرطاجة، ويرى المؤرخ التونسي صلاح الدين تلاتلي أن للرحلة هدف دعائي( )، فهي تدخل في نطاق عملية مراقبة نهائية لمدينة قرطاجة مدينة ديدون لثروات وطرق بحرية في أقصى الغرب، وبخاصة في منطقة جبل طارق.
    على كل حال يتعرض حنون في رحلته إلى الإثيوبيين الذين فروا عندما اقتربوا منهم، وكانوا يتحدثون لغة غير مفهومة حتى لدى الليكستيين المترجمين الذين اصطحبوا حنون، وبعد إبحار دام عدة أيام شاهدوا فيه لهيب نار مشتعلة، وبالتأكيد يعني لهيب بركان، وتعرف فيما بعد في النهار أنه جبل شاهق كبير يدعى "عربة الآلهة" Char des dieux، وواصل حنون مع فريق البحارين رحلته، فوصل إلى خليج يدعى قرن الجنوب، حيث كانت هناك جزيرة تحتوي على بحيرة في داخلها توجد جزيرة أخرى مملوءة بالرجال المتوحشين والنساء، لكن أكثر عددا، وهم نوع من القردة تدعى الكوريلا، وقبض حنون على بعض القردة الإناث، حملهن إلى قرطاجة، ويذكر في الأخير في المادة 18، أنه لم يستطع متابعة الرحلة نحو الجنوب بسبب نقص الغذاء.
    إن هناك فرضية يتقبلها المؤرخون والباحثون برضى واستحسان، ومفادها أن من مهام الرحلة التي قام بها الملك حنون القرطاجي في الجولة البحرية، هو البحث عن طريق بحري يسمح بالتوجه نحو المناجم النيجيرية، التي هي أكثر فائدة من الناحية الاقتصادية، وتعد أقصر طريق من القوافل التي تعبر الصحراء عن طريق العربة، أو بواسطة الحصان أو الإنسان، وفي هذا النطاق فإن رحلة حنون وهاميلكون تدخل في هذه السياسة التي انتهجها مجلس الشيوخ القرطاجي، وأعطى تعليمات في هذا الشأن، والتي تخص فتح أمام البحارين البونيين طريق القصدير، مع الأمل في اكتشاف معالم طريق ليسمح للبحارين في التوجه إلى مناجم النحاس والقصدير الموجودون في إفريقيا، ولو أن كاركوبينويري أن الهدف من الرحلة هو الحصول على الذهب( )، وكان هناك هدف مسطر في التوجه ببعثة إلى الشواطئ الإغريقية من أجل إنشاء مستوطنات، كما جاء ذكره في وثيقة الرحلة، ويبدو أن حنون وصل برحلته حتى ثيون أو شيما - الكاميرون - كما جاء في رحلته، حيث أشار إلى البراكين، والتي هي موجودة في إفريقيا، وليس في المغرب الأقصى.
    وأود أن أذكر أن هناك اختلاف آراء المؤرخين حول فرضيات عديدة عن الأسباب الحقيقية التي جعلت حنون يقوم برحلته البحرية، ثم هناك مشكل تحديد موقع سرني التي أنشأها، هل تقع في منطقة فضالة بين الرباط والدار البيضاء المغربية؟ أم تقع في الساقية الحمراء في الصحراء الغربية..؟ أما ماذا؟ ولو أنا أميل إلى تقبل فكرة موقعها في الساقية الحمراء، وهي فرضية أكثر تقبلا من الباحثين، أما تيمياتريون فيرجح وجودها بالقرب من المهدية على مصب نهر سبو بجوار القنيطرة المغربية.

    الرحلة وسيلة اتصال القرطاجيين بأهالي المغرب القديم
    على كل حال فإن الفترة التي ازدهرت فيها قرطاجة خلال القرن الخامس قبل الميلاد في عهد الملك حنون، حيث رأت قرطاجة ضرورة إرسال بعثتين بحريتين نحو السواحل الأوروبية والإفريقية، فالرحلة الأولى تمت نحو الشمال الأطلسي والثانية في الساحل المغربي على شواطئ الأطلسي، وتمثل الرحلة الثانية وهي رحلة حنون كما هو معلوم احتكاكا مباشرا مع أهالي المغرب القديم الذين كانوا مقيمين في المدن الواقعة على شواطئ المغرب الأقصى، وجاء ذكرهم في نص وثيقة هيدلبرغ، أي النص الإغريقي لرحلة حنون في القرن الخامس ق.م.
    وإذا كان الفينيقيون قاموا برحلات سابقة بالمقارنة مع القرطاجيين، فإن هؤلاء الأخيرين لم يكونوا يعرفون قبل رحلة حنون في القرن الخامس قبل الميلاد منطقة السواحل المغربية بصفة جيدة، فقد كانت لهم معلومات ضئيلة عن البلدان المغربية والإفريقية، وإن حفريات موقادور تدل على أن هناك غياب للوجود( ) القرطاجي قبل القرن السادس قبل الميلاد فيها كما سلف ذكره، فالمعلومات قليلة، ولا تسمن ولا تغني من جوع حول رحلة هميلكون في شمال أوروبا، بينما معلوماتنا عن الرحلة الثانية تعد أكثر ثراء من الأولى، يعود الفضل في ذلك إلى النص الإغريقي الأصلي المترجم من البونية إلى اللغة الإغريقية عن رحلة حنون، وهو نص موثوق به، والذي عثر عليه في معبد بعل كرونوس بقرطاجة.

    مسألة ذهاب حنون لإفريقيا
    وكما سلف ذكره، هناك اختلاف في وجهات النظر لدى الباحثين الغربيين حول حقيقة هذه الرحلة من الناحية التاريخية، فاعتمادا على النص الإغريقي الآنف ذكره لرحلة حنون يوجود بعض المؤرخين الذين يشكون في الأماكن العمرانية، أي المدن التي زارها في المغرب الأقصى، وهي جزء من البلاد الليبية، وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، فيشك حتى في ذهاب حنون إلى إفريقيا مرورا بالمغرب، وذلك على أساس أنه لا توجد آثار مادية تثبت زيارته إلى تلك المناطق النائية، ولا سيما أن النصوص القديمة الإغريقية واللاتينية تعد مهمة ومتناقضة وذات شروح مشكوك في صحتها، فالسواحل الأطلسية جنوب الرباط المغربية والممتدة حتى السواحل الإغريقية تعد مهمة في نظر بعض الباحثين، ونستطيع أن نستثني فيما يذهب إليه هؤلاء مناطق جاء ذكرها في أخبار المؤرخين مثل: بطوليمي وبسودو سيلاكس، مثل: سرني، ارقين، خليج بوجدور، موقادور، أكادير، واد درعة، نهر اللكوس ونهر سبو الذي كان يدعى عند القدماء سبوب Seboub، وهناك تعابير تبدو للمؤرخين يكتنفها غموض ويصعب تحديد مواقعها بالضبط منها: سرني الذي سلف ذكرها من قبل، نادرا ما نجد مؤلفين قدماء يذكرون مواقع ساحلية أطلسية قاموا بزيارتها ومعاينتها، وكتابات القدماء على العموم تقريبا تعد مرآة، وتعكس ما قرأه من قصص البحارة الذين قاموا برحلات في تلك المناطق الساحلية، والتي يقدمها المؤلفون القدماء مع شروح غير صحيحة أحيانا، فأسماء الأماكن ليست دقيقة عندهم.
    وهناك الجانب العاطفي في الروايات التاريخية القديمة لدى المؤرخين الأقدمين، ويتجلى في ظاهرة الاستعلاء الوطني، أو روح الكبرياء المتأصلة لديهم، فالمؤرخ بوليبيوس، وسترابون، وبلينيوس لم يتقبلوا بصدر رحب على أن عدواً وراثياً مثل Un ennemi hereditaire حنون قام بتحقيق رحلة تعبر عن الشجاعة والبطولة والإقدام، التي لم يستطيع أي روماني أن يقوم بها في القديم، هذا ما جعلهم (أي المؤرخين الرومان والإغريق) يظهرون نوعاً من الشك حول هذه الرحلة، وهو شكل لا معنى له في الحقيقة، لأن الرحلة البعيدة التي قام بها حنون القرطاجي قد جرت فعلا وتم تقبلها في القديم، أي من قبل المؤرخين القدماء، فإن بلين (أوبلينيوس)( ) يورد لنا أخباراً عن رحلة حنون، وهو تأكيد على حقيقة تاريخية وقعت بالفعل في القرن الخامس قبل الميلاد، وهي أيضا ملاحظة هامة لم يأخذها بعض المعاصرين بعين الاعتبار، بل أظهروا نوعاً من اللامبالاة أو التفريط، على كل حال فإن مجلس الشيوخ القرطاجي كلف حنون بإنشاء مستوطنات لليبوفينيقيين، وهو يمثل اتصالا مباشرا بين الملك القرطاجي وأهالي المغرب القديم ليدخل في نطاق العلاقات الثنائية بين المجتمعين القرطاجي والليبي، وهناك من يرى أن هذا هو الهدف من البعثة البحرية التي كلف بها حنون.

    الغاية المرجوة من الرحلة وأثرها الاستكشافي
    وهناك غاية أساسية تتمثل في إنشاء مراكز ومحطات تجارية قرطاجية على السواحل المغربية الأطلسية، أو إحياء مراكز فينيقية سابقة فأعاد لها الحياة من جديد، أو تم بعثها من جديد، وهناك رأي آخر يرى أن الهدف الحقيقي من الرحلة هو ضمان تجارة الذهب الآتي من بلاد البامبوك( )، بل أبعد من ذلك، لكن من المحتمل أن الذهب الإفريقي وصل إلى إفريقيا الشمالية عن طريق البروليس بواسطة البحر، لأن القرطاجيين كان لهم نوايا خاصة بقيت سرا لم يفصح عنه.
    وعلى كل حال فإن القرطاجيين كانوا يرمون من وراء هذه الرحلة القيام بعملية استكشاف ذو طابع تجاري، أو عملية مسح تجاري مع البحث على مراكز مبادلات جديدة مع الليبيين، أو أولئك الذين يعيشون في حالة بونقة، يفترض أن القرطاجيين أرادوا إيجاد خطوط عبور بحرية لإيصال البضائع إلى منطقة حوض البحر المتوسط، التي كانت تصل إلى هذه المنطقة في وقت سابق عن طريق البر، ونضرب مثلا على ذلك بالنحاس الذي هو موجود على بعد مائتي كيلومتر من نواقشوط في قلب منطقة موقرين، فقد عثر أثناء التنقيبات الأثرية على آثار مراكز تذويب النحاس بالنار في أفران خاصة، وهي تبعد بمسافة خمسين كيلومترا من اكجوت، وقد عثر على ذلك في حفريات جرت خلال عام 1955( )، أما عهد استغلال هذه المناجم فغير معروف، ولكن هناك اتفاقاً أنها كانت مستغلة في فترة ما قبل الإسلام، ولكن لم يتم العثور على أي أثر قرطاجي في منطقة اكجوت بموريتانيا، ما عدا قطعتين من النقود الرومانية، وهنا يعودان إلى عهد القيصر تراجان، أما المسكوكة الأخرى فهي تعود إلى الإمبراطورية الرومانية، وعلى كل حال فإن النحاس كان وسيلة تبادل أو مقايضة ببضائع ليس لنا أثر عنها مثل القمح أو القماش( )، وهكذا فإن هناك افتراض أن رحلة حنون كان من أحدى مهامها هو البحث عن طريق بحري الذي يسمح للوصول إلى المناجم النيجيرية بصفة اقتصادية، وبأقل تكاليف إذا ما قارناها بنقل البضائع المنجمية عن طريق العربة أو على ظهور الخيول، أو بواسطة الإنسان.
    نجد أن مجلس الشيوخ القرطاجي كان يرمي إلى هدف محدد وهو الفتح أمام البحارين القرطاجيين طريق النحاس الموجود أسفل قادس، أي ما بعد المنطقة الجنوبية الساحلية المغربية، ولكن لم يستطع حنون تحقيق أمنيته في جلب النحاس والذهب أيضا لأن التكاليف الواجبة لتحقيق ذلك لم تكن لديه.
    إن رحلة حنون تعد مشكلة تاريخية، لأن كل الأمور المتعلقة بعلاقاته في هذه الرحلة تعتمد أساسا على النص الإغريقي والحفريات والآثار في المدن المغربية وغيرها، ففي هذه الحالة بعد الرحلة في حد ذاتها عبارة عن فرضيات مع اختلاف في الآراء حول ذلك، ومما يجب ذكره، هناك الكاتب التاريخي Nedeijee الذي يرى أن بعثة حنون التي نجد أنها وقعت فعلا لكنها لم تتجاوز نهر ليكسوس، وهي محدودة في اكتشاف ومعرفة منظمة للساحل ما بين جبل طارق وليكسوس، أما الجزء الثاني من الرحلة التي تبدأ من نهر ليكسوس( )، فهي من إبداع إغريقي أو بدعة إغريقية لا غير، لأن حنون لم يتجاوز نهر ليكسوس، وهذه مجرد فرضية لباحث، ولكن الاعتقاد الغالب هو وقوع الرحلة فعلا مع مشاركة الليبيين كمترجمين وبحارين، وكانت وسيلة اتصال حنون مع أهالي المغرب القديم جنوب طنجة في المدن الجديدة التي أنشأها مثل: تيمياتريون وسرني وغيرهما، ولنا في هذا الشأن شهادات المؤرخين الإغريق حول حقيقة الرحلة مثل: بسودو وسيلاكس وبلين، وفي العصر الحديث لدينا شهادات: محمد حسين فنطر من تونس وسباتينو موسكاتي من إيطاليا، وكلاهما يعتقدان بوقوع رحلة حنون( ).

    ترجمة نص وثيقة رحلة حنون
    لقد قمت بترجمة الوثيقة المتعلقة برحلة حنون من الفرنسية إلى العربية كاملة غير منقوصة، وهي معروفة عند الباحثين بوثيقة هيدلبرغ، وقام بنقلها من الإغريقية إلى الفرنسية المؤرخ الفرنسي استيفان قزال، هذا مع العلم أن النص الفينيقي أو القرطاجي للرحلة ضاع، وبقي النص الإغريقي الذي عثر عليه في معبد بعل كرونوس بقرطاجة.

    الوثيقة في حد ذاتها
    قبل الحديث بالتفصيل عن بعثة حنون البحرية، لا بد أن أقدم الوثيقة كاملة باللغة العربية، وهي تحتوي على ثمانية عشر مادة.

    نص الوثيقة الإغريقية لرحلة حنون
    (الترجمة الحرفية باللغة العربية)، كما ترجمها ستيفان قزال من الإغريقة إلى الفرنسية:
    علاقة حنون، ملك القرطاجيين في البقاع الليبية ما وراء أعمدة هرقل، والنص تم تقديمه إلى معبد كرونوس، وها هو النص كما جاء في الأصل:
    1 -  كان يبدو مستحسنا للقرطاجيين على أن يبحر حنون خارج نطاق أعمدة هرقل، ويؤسس مدنا ليبوفينيقية Libypheniciens، وأبحر إذاً وأخذ معه ستين سفينة، مع خمسين مجدافا، وجمهوراً من الرجال والنساء، تعداده تقريبا ثلاثون ألفا، مع قوت العيش وأمور أخرى ضرورية.
    2 -  وبعد المرور على طول الأعمدة (أي أعمدة هرقل)، والإبحار ما وراء هذه الأعمدة على مدى يومين، يقول: أسسنا المدينة الأولى والتي سميناها تيمياتريون، وتحتها (أي تحت موقع هذه المدينة) يوجد سهل كبير.
    3 -  بعد ذلك توجهنا نحو الغرب، ووصلنا إلى المكان الذي يدعى صولوييس Solois، وهو عبارة عن جبال ليبية شامخة مكسوة بالأشجار.
    4 -  بعدما أسسنا هناك معبد بوسيدون Poscidon، قمنا بالإبحار في اتجاه طلوع الشمس خلال مدة نصف يوم، وبعدها وصلنا إلى بحيرة ليست بعيدة عن البحر، وهي مغطاة بالقصب الغزير والطويل، وهناك فيلة وحيوانات أخرى كثيرة العدد، والتي ترعى في المراعي.
    5 -  وبعد مرورنا بهذه البحيرة، مخرنا عباب البحر مدة يوم كامل، قمنا بتأسيس على الساحل البحري "مستوطنات" أو مستعمرات على الأصح تدعى "الجدار الكارياني" "Le mur Carien": قتى، أكرا، مليتا وارامبوس.
    6 -  وبعد ذهابنا من هناك، وصلنا إلى النهر الكبير: الليكسوس الذي يأتي من ليبيا، وعلى ضفافه يوجد Nomades نوماديون والليكيستيون الذين يقومون برعي قطعان الأغنام، وبقينا بعض الوقت (أو مدة من الزمن مع هؤلاء الناس الذين أصبحنا أصدقائهم).
    7 -  في القسم الأسفل من هؤلاء، يعيش الإثيوبيون الذين يمتازون بقلة الكرم، أي بخلاء، ويسكنون في أرض مملوءة بالحيوانات المفترسة، ويفصلها جبال كبيرة التي ينبع منها حسب ما قيل نهر الليكسوس، ويقال أيضا على أنه حول هذه الجبال يعيش أناس لهم مظهر خاص، وهم التروجلوديون Les troglodytes، والليكسيون يزعمون على أن هؤلاء أكثر سرعة في السباق من الخيول.
    8 -  بعدما أخذنا معنا مترجمين عند الليكستيين، وبدأنا مسيرتنا نحو القفار في اتجاه شروق الشمس خلال يوم واحد، وبعدها وجدنا أنفسنا في عمق خليج   L 'enfoncement   d 'un golf، مع جزيرة صغيرة لها محيط يتكون من خمس مراحل، وسميناها سرني Cerne، وتركنا فيها مستوطنون أو معمرون، وبعد سفرنا هذا تأكد اعتقادنا أنها كانت تقع في موقع معاكس لقرطاجة، لأنه كان من الواجب الإبحار لمدة أطول نسبيا للذهاب من قرطاجة إلى الأعمدة (أي أعمدة هرقل، ويقصد جبل طارق بدون شك)، بالمقارنة مع الذهاب من الأعمدة، أي أعمدة هرقل إلى سرني، النص بالفرنسية للمادة 8.
    9 -  ومن هناك، بعد المرور من نهر كبير وهو كريتيس Le chretes، وصلنا إلى البحيرة التي تطوق ثلاثة جزر، وهي أكبر من جزيرة سرني، وبعد ذهابنا من هذه الجزر، قمنا بإبحار على متن سفننا مدة يوم واحد، ووصلنا إلى عمق البحيرة التي يحدها جبال كبيرة، مملوءة برجال متوحشين، يلبسون جلود الحيوانات، والذين رمونا بالأحجار، لكي يجنبوننا الإقلاع والذهاب بسفننا نحو وجهة أخرى.
    10 -  ومن هناك دخلنا إلى نهر آخر كبير وواسع، ومملوء بالتماسيح وفرسان النهر، ثم عدنا على أعقابنا، ورجعنا إلى سرني Cerne.
    11 -  وقمنا بالإبحار من هناك نحو الجنوب، خلال مدة اثني عشر يوما في محاذاة طول الساحل، الذي كان محتلا بصفة كاملة بالإثيوبيين، والذين فروا عندما اقتربنا منهم، وكانوا يتحدثون لغة غير مفهومة حتى بالنسبة إلى الليكسيتينيين الذين كانوا معنا.
    12 -  في آخر يوم اقتربنا من جبال مرتفعة مغطاة بالأشجار، حيث كانت تنبعث رائحة طيبة من أخشابها ولها ألوان مختلفة.
    13 -  بعد طوافنا بهذه الجبال مدة يومين، وصلنا إلى خليج واسع من الجهة الأخرى حيث كان هناك سهل، وهناك شاهدنا أثناء الليل نيرانا تتصاعد من جميع الجوانب من بون أو مسافة فاصلة محدودة.
    14 -  بعد حصولنا على الماء الكافي من أجل تخزينه، واصلنا إبحارنا محاذيين اليابسة على مدى خمسة أيام، وبعد ذلك وصلنا إلى خليج كبير، وأخبرنا المترجمون على أنه خليج كورن الغربي أو القرن الغربي La corne de l'occident، والذي يقوم بتطويق جزيرة أخرى، وبعد نزولنا كنا لا نشاهد في النهار إلا الغابة، أما في الليل فكنا نرى النيران، ونسمع أصوات الناي (أو النايات)، وضجيج منبعث من الصفيح المدور الذي يضرب بها على أخرى tamourins، وهناك ضجيج شديد، وقد تملكنا الخوف، مما جعل الكهان يأمروننا بمغادرة الجزيرة.
    15 -  وذهبنا على عجل من هذا المكان، فتوجهنا نحو أرض فيها لهيب نار مشتعلة، وممتلئة بالعطور، وسيل من النيران الملتهبة تروح وتجيء، ثم تسقط في البحر، واليابسة لا يمكن الدخول إليها بسبب الحرارة.
    16 -  بسبب قيد الخوف جعلنا نبتعد بسرعة، وخلال أربعة أيام من الإبحار شاهدنا في الليل اليابسة مغطاة بالنيران، وفي الوسط كانت النيران مرتفعة نحو السماء، وهي أكبر من الآخرين الذين يبدون يمسون النجوم.
    ولكن في النهار عرفنا أنه كان عبارة عن جبل شاهق كبير، يدعى عربة الآلهة Char des dieux.
    17 -  وانطلاقا من ذلك، كنا في محاذاة على مدى ثلاثة أيام لسيل من النيران، ثم وصلنا إلى خليج يدعى قرن الجنوب La corned u sud.
    18 -  في العمق كانت هناك جزيرة تشبه الجزيرة الأولى، تحتوي على بحيرة، في داخلها توجد جزيرة أخرى، مملوءة بالرجال المتوحشين، والنساء كن أكثر عددا، وأجسامهن كانت مكسوة بالشعر، والمترجمون  أطلقوا عليهن اسم الكوريلا Et les interpretes les appelaient Gorilles، وقمنا بمتابعة الذكور من هؤلاء الكوريلا، ولكن بدون جدوى، فلم نستطع أن نقبض ولو على واحد منهم، لأنهم متسلقون بارعون، ويعرفون كيف يدافعون عن أنفسهم، ولكن استطعنا أن نستولي أو نأسر ثلاث إناث، وكن يقمن بعض والتنصل من الرجال المكلفين بجرهن، فلم يقبلن متابعتهم، وقمنا بقتلهن، وإزالة جلدهن، والذي حملناه معنا إلى قرطاجة، لأننا لم نستطع متابعة الرحلة البحرية أكثر تقدما نحو الجنوب بسبب نقص الغذاء.
     

    المصادر والمراجع

     

    المصادر القديمة

    - Hérodote, d`après stéphane GSELL, texts relatifs à l`histoire de l`Afrique du nord, P. 35 du liver IV, chapitre CLx VII.
    - Pline l`ancien, histoire naturelle II, 67,3 et V, 1, 7, (Litterature paris (1883)
    - Psendo-Scylax, Periple, Q 112, In Muller biographie gracci Minore, Paris, 1855, T1.
    - ARMIN Jaques, le périple d`Hannon, BAR supplementaire Paris.
    - Tlatoani Salah Eddine, la Carthage punique.
    - Carcopino, le périple du carthaginois Hannon, Bulletin de l`Association Guillaume Budé.
    - Sabatino Moscati, L`Empire de Carthage, Edition Paris Méditerranée.
    - GSELL Stéphane, Histoire ancienne de l`Afrique du Nord, Tome l paris - 1918.
    - NEDIJEE Laneyrie Dayeur, les grandes explorateurs Edition la Rousse Paris 1966.

     

    المصادر والمراجع العربية

    - الشيخ أحمد توفيق المدني: هذه في الجزائر - طبعة جديدة المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر.
    - الشيخ عبد الرحمن الجلالي تاريخ الجزائر العام ج1 - نشر المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر.

    د. أحمد السليماني - الجزائر
    ندوة الخرطوم 2005