ابن بطوطة ورحلته في الصين

    بمناسبة ذكرى نصف قرن على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والمملكة المغربية، صدر الكتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" المسماة برحلة ابن بطوطة والمترجم إلى اللغة الصينية كاملا شاملا من العربية مباشرة إلى الصينية من أوله إلى ياءه.
    إن هذا لأمر يعتبر على جانب عظيم من الأهمية من النواحي التاريخية والثقافية والحضارية والجغرافية والأكاديمية، سواء في الصين أم في العالم بأسره إذ إن هذا الكتاب تمت ترجمته إلى الصينية  بالكامل الشامل.
    إن الوقت يطير مسرعا كصاروخ، لقد مضى علينا أكثر من خمس سنوات على الذكرى المئوية السابعة للرحالة المغربي العظيم الشيخ العالم ابن بطوطة حيث إنه "رحالة العرب والعجم" وإنه "جواب الأرض ومخترق الأقاليم بالطول والعرض" ويتحدث الناس في  كل أنحاء العالم عن رحلته العظيمة الغنية الفوائد في جميع أنحاء الصين، بل في جهات العالم، لأن مكانة هامة احتلها في تاريخ  العصور الوسطى. ونقوم بذكراه أيضا إذ إنه قد ساهم مساهمة جبارة في مجالات تبادلات الثقافة بين الصين والمغرب. لذا فإن جميع العالم يشتغل بالتحدث بمختلف اللغات عن الرحالة المغربي العظيم ورحلته المسماة بتحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار حيث قال الأستاذ الكبير د. عبد الهادي التازي: "إن رحلة ابن بطوطة ليست شيئا هينا في التراث العربي ويكفي أن أؤكد أن هذه الرحلة هي أهم  رحلة في تاريخ البشرية جمعاء."
    إنني بصفتي أحد المستشرقين والباحثين عن علم ابن بطوطة في الصين،  أرى الوجوب علينا أن نفرط في تمجيد أهمية كبرى لابن بطوطة ورحلته من كل الجهات الاجتماعية والثقافية والتاريخية والواقعية. أشعر أنه كلما تعمقنا في الدراسة والبحوث عنه برزت عظمته وقيمته وضرورة  الدراسة  الملحة والبحوث العميقة عنه  حيث أعتبر أن القيام بهذه الأمور لواجب مقدس ومسؤولية هامة يجب أن نتحمل عليها نحن المستشرقين. إنني أود أن أتحمل علي هذه المهمة التاريخية الكبرى مع زملائنا لتأسيس علم الاستشراق وعلم ابن بطوطة بميزتيهما الشرقية والصينية بالذات.
    إن جلالة ملك المملكة المغربية  يهتم اهتماما بالغا بنتائج الدراسة والبحوث عن ابن بطوطة ورحلته  فأمر تسمية عام 2000 "عام ابن بطوطة" الأمر الذي جعل هذه الموجة إلى قمتها بإقامة العديد من النشاطات والمهرجانات لذكرى هذا الرحالة المغربي العظيم. وصادف 24 فبراير 2004 الذكرى  المئوية السابعة لميلاد الرحالة المغربي فإن إذاعة بكين الدولية بثت برنامج  جسر الصداقة عن ابن بطوطة بعنوان " تتبع آثار أقدام ابن بطوطة" دعت فيه البروفسور لي قوانغبين التحدث عن علاقات ابن بطوطة مع الصين. إذ إن هذا الرحالة ليس ملكا للمغرب فقط بل أيضا رحالة ملك أبناء الشعوب في  العالم بأسره ووراثته ثروة مشتركة المملوك  في كنز الثقافات العالمية ينتمي هذا الملك إلى جميع الشعب لذا لدينا دواعي قوية للقيام بالاحتفال المهيب لذكراه. ومن أجل هذا الهدف سأهدي المجلدات المصينة الجديدة الكاملة إلى أبناء الشعب الصيني وشعوب العالم كما أخطط لإعادة  صيغ هذه الرحلة إلى سلسلة من كتب الأطفال وسيناريو تلفزيوني كما سلسلة من الكتيبات الدراسية  والحلقات المتسلسلة من الرسوم المتحركة الأنيمية إذا سنحت الظروف المعلوماتية والمادية.
    إذا قمنا بدراسة "لمحة عن البلدان والجزر" التي  صنفها الرحالة الصيني العظيم وانغ دايوان في أسرة يوان وهو شاب ذو همة نادرة وقد استغرقت رحلتاه عدة سنوات إلى المغرب (1330-1334 و1337-1339) والمعلومات الأخرى ذات الصلة فسنجد عمق الصداقة بين الصين والمغرب الأمر الذي يجعلنا نعقد عزمنا على تجديد صفحات من تاريخ الصداقة اعتمادا على الوثائق التاريخية  بين الصين والمغرب بصورة  خاصة وبين الشعب الصيني والشعوب الإفريقية بصورة عامة.

    ماهية كتاب "رحلة ابن بطوطة"؟

    إن "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار المسماة برحلة ابن بطوطة" هي عمل من الأعمال المتلألئة في كنز أدب الرحلات العربية  يحتل مكانة بارزة في غابة الأدب العالمي كما أنه تصنيف شهير ذو قيمة عالية ومتعلق بالعلوم التاريخية والاثنولوجية والدينية والفولكلورية والاجتماعية والزولوجية والنباتية الخ.
    لقد نشر هذا الكتاب الضخم بعدة مجلدات في 7 ديسمبر 1355 م (3  ذو الحجة 756 هـ) وله تاريخ أكثر من ستمائة وخمسين سنة. ومنذ ذلك الوقت،  لقد انتشر هذا الكتاب بصورة واسعة جدا في العالم. حيث أصبح تيارا مموجا البحث عن شخصية ابن بطوطة ورحلته من قبل المستشرقين في شرقي العالم وغربيه في المدة الأخيرة ومادة غنية حيث قد صدر كثير من مختلف الطبعات بأكثر من 20 لغة من اللغات وقوبل باهتمام علماء العلوم المختلفة مثل المؤرخين والجغرافيين والاجتماعيين ناهيك عن المستشرقين في جميع أنحاء العالم.
    يمكن اعتبار "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار تراجم ابن بطوطة  الكاملة  كما يمكننا أن نقسم نشاطات الدراسة والبحوث عن ابن بطوطة ورحلته حتى يومنا هذا  إلي ثلاث حلقات متداخلة  حسب ماهية العمل وليس بتوقيت العمل.
    الحلقة الأولى- مرحلة  الاكتشافات: كان قليل من الناس عرفوا في البداية  "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ". أما الناس خارج الموضوع فلا يعرفوا أبدا كتابا من نوع " تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" في العالم. عندما اطلع الناس على مقدمة ابن خلدون ورحلة التمكروتي ونفح الطيب للمقري فوجدوا أن ثمة رحلة ابن بطوطة  نادرة المعرفة. فبدؤوا البحث عن  صلب النص للرحلة بالذات حيث وجدوا مخطوطة أولى في النهاية. ومن ذلك الوقت فصاعدا أصبح البحث عن مخطوطات جديدة  حركة قوية  متجاوزة الحدود للاكتشاف والبحث. حيث  يمر على السنين مجرى الاكتشاف ابتداء  من كشف التلخيص لغاية تم الكشف عن النص الكامل بمجلداته الخمس.
    الحلقة الثانية – مرحلة المراجعة والتدقيق والتفسير وإعادة الترتيب: كلما وجد الناس مخطوطة جديدة فلا بد القيام بالأعمال سالفة الذكر فشطب ما هو غير صحيح وأبقي ما هو سديد لإكمال ما هو ناقص ومبتور. الأمر الذي  يجعلنا نرى النص الكامل لرحلة ابن بطوطة المسماة بتحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. وفي هذا المجال فإن مجموعة المستشرفين في العالم قد ساهموا مساهمة إيجابية وهم:
     (P.Jose de anto-Antonio Moura)
    (Burckhardt)
    (Kosegarten)
    (Seetzen)
    (Apetz)
    (Samuel Lee)
    (Defremy)
    (Sanguinetti)
     (H.A.R.Gibb)
     كراتشيكوفسكي
    تشانغ تشينغلانغ  الخ.
    الحلقة الثالثة – مرحلة الترجمة والتعميم: منذ القرن الثامن عشر قد انتشرت رحلة ابن بطوطة المسماة بتحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار في طول الأرض وعرضها مع زيادة  اللغات حتى يتمتع بها جماهير القراءة. فبدأ مد جديد لدراسة مستشرقي البلدان المختلفة لابن بطوطة وفقا لوقائع مختلف البلدان حيث يهتمون اهتماما بالغا بالتدقيق والبحوث عن ابن بطوطة ورحلته الأمر الذي يجعل عدد الباحثين أكثر فأكثر وقوة الدراسة أقوى فأقوى. وبدعم يونيسكو الأمم المتحدة ويونيسكو جامعة الدول العربية وحكومات مختلف البلدان والمؤسسات غير الحكومية فإن نشاطات الدراسة هذه  تجري  بصورة مزدهرة بحيث أصبحت الحركة الفردية إلى عولمة الحركة الأكاديمية الجماعية.
    بعد مرور أكثر من ستمائة صيف وشتاء، حتى يومنا هذا، لا يزال هذا المؤلف واسع المضمونات بعدد ضخم من الكلمات يحافظ حيويته النشيطة لأن ابن بطوطة كان صادقا في وصف بلدان آسيا وإفريقيا وأوروبا في العصور الوسطى بالمعلومات الغنية ووقائع الحياة الحقيقية بدقة وجدية وذلك في المجالات المتباينة سياسيا واقتصاديا وجغرافيا وتاريخيا وقوميا ودينيا وفلوكلوريا وكذلك لأن هذا المؤلف مؤلف ثمين ذو قيم عليا وعلى جانب من الأهمية البالغة وهي كانت شباك لمعرفة الإمبراطورية العربية وبلدان أوروبا  ووقائع  الدنيا بصورة عامة وبصورة خاصة وقائع الصين. لذا فإنه يقتبس على الطول من قبل العلماء والخبراء في العالم كمصدر ذي الثقة.
    حسب إحصاء د. عبد الهادي التازي خبير الخبراء الدولي في دراسة ابن بطوطة وعضو أكاديمية المملكة المغربية ورئيس نادي ابن بطوطة للتنمية وحوار الثقافات فإن عدد المخطوطات لرحلة ابن بطوطة في العالم لا يقل عن 31 مخطوطة حيث يكون معظمها مخطوطة خطية.
    أما بالنسبة لموضوع الترجمة، فإنني لن أنوي مزيدا من البحث فيه. أود تعريف بعضهم في مختلف المراحل فقط. فمثلا (P.Jose de Santo-Antonio Moura) بادر ترجمته إلى اللغة البرتغالية ونشره في 1840م. ثم في القرن التاسع عشر وبالضبط في الفترة ما بين 1853 و1899، فإن(SANGUINETTI)و(DEFREMY) أتما ترجمته إلى اللغة الفرنسية ونشره باللغتين العربية والفرنسية وعلى أربعة مجلدات في فرنسا. حيث هذه المجلدات الأربع المفرنسة هي أولى من نوعها نشرت في العالم فمساهمتهما في نشر وراثة المغرب لا تنسى أبدا. وفي 1881م  بعض أجزاء الرحلة ترجم إلى اللغة اللاتينية. وقام الأستاذ تشانغ تسينغلانغ بترجمة الجزء المتعلق بالرحلة من الهند إلى الصين إلى اللغة الصينية  عام 1924م. ولخص المستشرق البريطاني هذه الرحلة وأعاد صياغتها بالإنجليزية ونشرها عام 1929م. وأتم د. كيب ترجمة هذه الرحلة بصورة كاملة باللغة الإنجليزية ونشرها عام 1958م. بحيث أصبح عدد اللغات التي استعملت لترجمة رحلة الرحالة المغربي أكثر من 20  لغة في العالم..
    أما بالنسبة إلى الطبعة باللغة العربية فإن المخطوطات المنسوخة أكثر من 30 مخطوطة. والطبعة الآلية كذلك تكون مختلفة منذ 1871م، حيث تتنافس القاهرة مع بيروت في طباعة الرحلة جزءاً أو كلاً وبمختلف اللغات.
    وخلال عشرات السنين الأخيرة، يقوم كثير من المستشرقين في مختلف البلدان بدراسة هذه الرحلة الضخمة التي قد تمت ترجمتها بأكثر من 20 لغة في العالم. ويلعب انتشار الرحلة هذه في العالم دورا لا يمحى في نشر الحضارات وتقوية حوار الثقافات. ولكنه كما يقول المثل الصيني إن لكل شيء ميزته الخاصة. ولكل مترجم أسلوبه حيث يمكن ألف مترجم أن يترجم نفس الرحلة بألف صيغة.. علاوة على هذا فإن النصوص المعتمد عليها سواء بالعربية أو الإنجليزية أو الفرنسية يختلف بعضها البعض، لذا فلتبق النواقص في الوقت الذي تبقى فيه الخصائص المميزة لها. على الرغم من أن النصوص من مختلف الطبعات نفس الشيء فإن طبعة تختلف عن الأخرى بسبب أو سبب آخر أو حتى يوجد فيها بعض الأخطاء فمثلا بعض المترجمين يعتبر أن المقدمة لم يكتبها ابن جزى بل ابن بطوطة هو من كتبها. هذا غلط فظيع كما يقول المثل الصيني بأن انحراف شعرة تودي إلى انحراف ألف لي (لي = نصف كيلومتر).
    الحديث عن الطبعة للرحلة المذكورة أعلاه يجعلنا نتحدث عن الرحلة التي قدمها وحقق لها وعلق عليها الدكتور عبد الهادي التازي  وهو عضو أكاديمية المملكة المغربية  وعمره نحو 89 سنة. إن هذه الرحلة بمجلداتها الخمس هي بلورة  ناتجة عن دراسة قام بها الدكتور طوال الحياة  بإرهاق نفسه  ليلا ونهارا. حيث إنه قام بمراجعة جميع المخطوطات وتدقيق كل التفاصيل والبحث عن كل نص من النصوص حتى تكتمل نصوصها بصورة جديدة كل الجدة أمام الجماهير الواسعة. ويجب علينا أن نعتبر هذه الطبعة هي الطبعة ذات الثقة. ومن واجبنا أن نجعلها تنتشر جيلا بعد جيل كخلود الشمس والقمر الدائرين في السماء والأنهار والجداول الجارية في الأرض فمن بالغ السرور والسعادة أن وقفت على هذه الطبعة قبيل بلوغ 70 سنة من عمري. كما أشعر بفخر وشرف كبيرين لأقوم بترجمتها إلى اللغة الصينية بصورة كاملة شاملة مفوضا من قبل الدكتور عبد الهادي التازي رئيس نادي ابن بطوطة للتنمية وعميد المستشرقين العرب. إنني ممتن جدا لزميلي في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وأستاذي الدكتور عبد الهادي التازي على عمله الجليل الخالد في تحقيق "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار المسماة برحلة ابن بطوطة" ومساعدته إياي أثناء قيامي بترجمة هذا الكتاب القيم. أود ان أبين هنا أنه لو لم أكن تحت إرشاداته لما استطعت إتمام هذه الترجمة. أعتقد أنه إذا كان ابن بطوطة عرف هذا وهو بجانب الله فإنه لا بد أن يشكر شكرا جزيلا على رعاية الله.

    "تحفة النظار" في الصين

    إذا، كيف الحال لابن بطوطة ورحلته في الصين؟ في الصين، فإن الأستاذ تشانغ تشينغلانغ كان قد ترجم جزءا من الرحلة إلى الصينية وفقا للنص الألماني والنص الإنجليزي قبل 80 سنة أي عام 1924م. حيث أضاف كثيرا من الملاحظات والتعليقات حسب المعلومات الموجودة في الوثائق الصينية (انظر "مجموعة معلومات عن تاريخ المواصلات بين الصين والغرب" ج 2 ص 45-106،  دار الكتب تشونغ هوا، بكين، 1977. حيث قال هو بنفسه إنني كنت قد اشتريت نسخة من رحلة ابن بطوطة المؤمنة من قبل السيد مزيك Mzik بالعنوان "أخبار الهند والصين". وبعد عودتي إلى الصين أقمت بمدينة جينلينغ فقمت بترجمة فصلا من فصولها ألا وهو "رحلة إلى الصين". ولكنني لم أجرؤ على طباعته خوفا من تسرعي وإهمالي في ترجمته. وفي عام 1918 م  كنت قد اشتريت في اليابان "أخبار الصين في العصور القديمة"  بقلم هنري يول. فعدت لترجمته عام 1924 م وأنا في مدينة تشينغداو فألفت أطروحتي هذه بعنوان "الرحالة المغربي ابن بطوطة ورحلته" وفقا لما تم ترجمته من تصنيف مزيك وتأليف هنري يول. على الرغم من أن الأستاذ تشانغ ترجم فقط جزءاً بسيطا من رحلة ابن بطوطة، لكنه قد ساهم مساهمة جبارة في تعريف ابن بطوطة إلى أبناء الشعب الصيني وتقوية عرى الصداقة بين الصين والمغرب وبين الصين والعالم العربي.
    نظرا لأن الصين في حاجة ملحة وماسة إلى نسخة كاملة مصينة لتسديد الفراغ في دراسة علم ابن بطوطة فأعقد عزمي أن أتحمل هذه المهمة مهما كان من الصعوبات والمشقات.
    وفي عام 1980م، كنت قد تعاونت مع الأستاذة شيوليوينغ في ترجمة رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار التي حققها وقدم لها وعلق عليها الدكتور علي المنتصر الكتابي حيث اتفقنا مع دار الثقافة والفنون للطباعة والتوزيع على أن تصدر من الكتاب بالنص الصيني عام 1981. وسلمنا صيغة النص الصيني إليها في الموعد المحدد حيث كانت رئيسة التحرير لهذا الكتاب هي السيدة المحترمة تشانغ تشانغ كريمة الكاتب المشهور الصيني تشانغ تيانيي. ولكنه من الأسف الشديد أنه حتى يومنا هذا لم تصدر.
    في عام 1985م، فإن دار الشعب للطباعة والنشر في نينغتشيا أصدر "مهذب رحلة ابن بطوطة" المترجمة من قبل السيد ما جينبونغ حيث يكون هذا النص المهذب من قبل وزارة التربية العليا المصرية معلومات لقراءة تلامذة الثانوية بالصف الرابع.
    وفي عام 1999م، فإن فريق العمل للبحوث عن آثار ومآثر العرب في  الصين المنبثق من لجنة السفراء العرب في الصين فوض الأستاذ لي قوانغبين، معتمدا من قبل الإيسيسكو التابع لجامعة الدول العربية، أن يترجم رحلة ابن بطوطة المسماة  تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار بصورة كاملة شاملة إلى اللغة الصينية لعرضها في معرض الثقافة الاسلامية التابع لمتحف تاريخ المواصلات ما وراء البحار الواقع في مدينة تشيوانتشو لتمتع الزبائن.
    لما تمت الترجمة استعدادا لطباعتها حصلت رحلة ابن بطوطة التي قدم لها وحققها ووضع خرائطها وفهارسها د. عبد الهادي التازي عضو أكاديمية المملكة المغربية والتي أهداها الدكتور التازي إلي عن طريق سفارة المملكة المغربية لدى جمهورية الصين الشعبية فقررت فورا أن أجدد ترجمة هذه المجلدات الخمس المعتمدة من الجهة الرسمية في المملكة والتي تعتبر من العمل الكامل الشامل الرائع للأستاذ الكبير. وأضيف عن إذن الدكتور عبد الهادي التازي وزميلي في مجمع اللغة العربية بالقاهرة ما يتعلق بالصين الأمر الذي يجهل رحلة ابن بطوطة  تظهر أمام الناس بملامح أجمل وأكمل وأشمل في العالم بأسره.

    موجز عن تراجم ابن بطوطة

    إن ابن بطوطة هو بطل قصة "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار".  كما هو رحالة شهير من أمثال ماركو بولو ويدوريق ونيقلوهدي حيب كانوا أربع رحالة العصور الوسطى. ولكن من ناحية بعد السفر وطول الوقت وعرض المساحة وكثر المجلدات فإن ابن بطوطة يعتبر أمثل جدوة من بينهم ومن الظريف أن بداية سفر ابن بطوطة توافق وفاة ماركو بولو فكان تشكيل عدوى التتابع في القيام بالرحلة واحدا تلو الآخر.
    إن اسم ابن بطوطة  محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بأبي عبد الله بن محمد الملقب بشمس الدين إذ إنه أحب طلوع الشمس من الشرق حبا جما وهو معروف في العالم باسم ابن بطوطة.
    عاد ابن بطوطة إلى وطنه بعد الجولات في غرائب الأمصار حيث حكى إلى السلطان أبي عنان جميع ما من تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار الأمر الذي أثار رغبة السلطان في ذلك. فأمر الأمين العام في ديوان جلالته ابن الجزي أن سجل ما حكاه ابن بطوطة وألفه تأليفا.
    كان ابن بطوطة قد سجل جميع ما كان رآه وسمعه من الغرائب والعجائب في أثناء الرحلة. لكنه من الأسف كل الأسف أن الحظ يخونه إذ إنه صادف في حرم المحيط الهندي سفينة قراصنة بحيث اضطر لرمي  المعلومات الثمينة إلى التيار المموج والتي جمعها من حوالي 30 دولة  خلال 30 سنة تقريبا. 

    الصين في عيون ابن بطوطة

    كان ابن بطوطة قد وصف أحوال الصين بدقة ومن جميع الجوانب بأقواله التالية:
    "وأهل الصين أعظم الأمم".
    "وبلاد الصين أأمن البلاد وأحسنها حالا للمسافر فإن الإنسان يسافر منفردا مسيرة تسعة أشهر وتكون معه الأموال الطائلة فلا يخاف عليها وترتيب ذلك أن لهم في كل منزل ببلادهم فندقا عليه حاكم يسكن به في جماعة ومن الفرسان والرجال فإذا كان بعد المغرب أو العشاء الآخرة جاء الحاكم إلى الفندق ومعه كاتبه فكتب أسماء جميع من يبيت به من المسلمين وختم عليها وأقفل باب الفندق عليهم فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه كاتبه فدعا كل إنسان باسمه وكتب بها تفسيرا وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل الثاني له ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه وإن لم يفعل طلبه بهم وهكذا العمل في كل منزل ببلادهم من الصين إلى خان بالق.
    "وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إليه المسافر من الأزواد وخصوصا الدجاج والإوز وأما الغنم فهي قليلة عندهم."
    "وإذا قدم التاجر المسلم على بلد من بلاد الصين خير في النزول عند تاجر معين من المسلمين المتوطنين، أو في الفندق، فإن أحب النزول عند التاجر حصر ماله وضمنه التاجر المستوطن، وأنفق عليه منه بالمعروف، فإذا أراد السفر بحث عن ماله، فإن وجد شيء منه قد ضاع أغرمه التاجر المستوطن الذي ضمنه، وإن أراد النزول بالفندق سلم ماله لصاحب الفندق وضمنه، وهو يشتري له ما أحب ويحاسبه."
    "لما قطعنا البحر كانت أول مدينة وصلنا إليها مدينة الزيتون"
    "وهي مدينة عظيمة كبيرة تصنع بها ثياب الكمخا، والأطلس وتعرف بالنسبة إليه وتفضل على الثياب الخنساوية والخنبالقية “
    "ومرساها من أعظم مراسي الدنيا أو هو أعظمها"
    "رأيت به نحو مائة جنك كبار، وأما الصغار فلا تحصى كثرة "
    "وهو خور كبير من البحر يدخل في ا لبر حتى يختلط بالنهر الأعظم"
    "وهذه المدينة وجميع بلاد الصين يكون للإنسان بها البستان والأرض وداره في وسطها كمثل ما هي بلدة سجلماسة ببلادنا وبهذا عظمت بلادهم والمسلمون ساكنون بمدينة على حدة."
    "ولمدينة الاسكندرية المرسى العظيم الشأن، ولم أر في مراسي الدنيا مثله إلا ما كان من مرسى كولم وقاليقوط ببلاد الهند، ومرسى الكفار بسرداق ببلاد الأتراك، ومرسى الزيتون ببلاد الصين"
    "لما قطعنا البحر كانت أول مدينة وصلنا إليها مدينة الزيتون، وهذه المدينة ليس بها زيتون ولا بجميع بلاد أهل الصين والهند، ولكنه اسم وضع عليها."
    "وإقليم الصين متسع كثير الخيرات والفواكه والزرع والذهب والفضة لا يضاهيه في ذلك إقليم من أقاليم الأرض."
    "وأهل الصين أعظم الأمم إحكاما للصناعات وأشدهم إتقانا فيها وذلك مشهور من حالهم قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه."
    "وأما الفخار الصيني...... وهو هنالك بقيمة الفخار ببلادنا أو أرخص ثمنا ويحمل إلى الهند وسائر الأقاليم حتى يصل إلى بلادنا بالمغرب وهو أبدع أنواع الفخار!"
    "والحرير عندهم كثير جدا لأن الدود تتعلق بالثمار وتأكل منها فلا تحتاج إلى كثير مؤنة ولذلك كثر وهو لباس الفقراء والمساكين بها، ولولا التجار لما كانت له قيمة، ويباع الثوب الواحد من القطن عندهم بالأثواب الكثيرة من الحرير"
    "وبحر الصين لا يسافر فيه إلا بمراكب الصين ولنذكر ترتيبها.
    ومراكب الصين ثلاثة أصناف الكبار منها تسمى الدنوك واحدها جنك بجيم معقود مضموم ونون ساكن والمتوسطة تسمى الزو بفتح الزاء وواو والصفار يسمى أحدها الككمن بكافين مفتوحتين ويكون في المركب الكبير منها اثني عشر قلعا فما دونها إلى ثلاثة وقلعا من قضبان الخيزران منسوجة كالحصر لا تحط أبدا ويديرونها بحسب دوران الريح وإذا أرسوا تركوها واقفة في مهب الريح.
    ويخدم في المركب منها ألف رجل منهم البحرية ستمائة ومنهم أربعمائة من المقاتلة تكون فيهم الرماة وأصحاب الدرق والجرخية وهم الذين يرمون بالنفط ويتبع كل مركب كبير منها ثلاثة النصفي والثلثي والربعي."
    "ولا تصنع هذه المراكب إلا بمدينة الزيتون من الصين أو بصين كلان وهي صين الصين وكيفية إنشائها أنهم يصنعون حائطين من الخشب يصلون ما بينهما بخشب ضخام جدا موصولة بالعرض والكل بمسامير ضخام طول المسمار منها ثلاث أذرع فإذا التأم الحائطان بهذا الخشب صنعوا على أعلاهما فرش المركب الأسفل ودفعوهما في البحر وأتموا عمله وتبقى تلك الخشب والحائطان موالية للماء ينزلون إليها فيغتسلون ويقضون حاجتهم.
    وعلى جوانب تلك الخشب تكون مجاذيفهم وهي كبار كالصواري يجتمع على أحدها العشرة والخمسة عشر رجلا ويجذفون وقوفا على أقدامهم ويجعلون للمراكب أربعة ظهور، ويكون فيه البيوت والمصاري والغرف للتجار والمصرية منها يكون فيها البيوت والسنداس وعليها المفتاح يسدها صاحبها ويحمل معه الجواري والنساء وربما كان الرجل في مصريته فلا يعرف به غيره ممن يكون بالمركب حتى يتلاقيا إذا وصلا إلى بعض البلاد والبحرية يسكنون فيها أولادهم ويزرعون الخضر والبقول والزنجبيل في أحواض خشب.
    ووكيل المركب كأنه أمير كبير وإذا نزل إلى البر مشت الرماة والحبشة بالحراب والسيوف والطبول والأبواق والأنفار أمامه وإذا وصل إلى المنزل الذي يقيم به ركزوا رماحهم عن جانبي بابه ولا يزالون كذلك مدة إقامته.
    ومن أهل الصين من تكون له المراكب الكثيرة يبعث بها وكلاءه إلى البلاد وليس في الدنيا أكثر أموالا من أهل الصين.
    وصلنا إلى مدينة صين كلان بفتح الكاف وهي مدينة صين الصين وبها يصنع الفخار وبالزيتون أيضا وهنالك يصب نهر أب حياة في البحر ويسمونه مجمع البحرين وهي من أكثر المدن وأحسنها أسواقا ومن أعظم أسواقها سوق الفخار ومنها يحمل إلى سائر بلاد الصين وإلى الهند واليمن".
    "وفي وسط هذه المدينة كنيسة عظيمة لها تسعة أبواب داخل كل باب أسطوانة ومصاطب يقعد عليها الساكنون بها وبين البابين الثاني والثالث منها موضع فيه بيوت يسكنها العميان وأهل الزمانات ولكل واحد منهم نفقته وكسوته من أوقاف الكنيسة وكذلك فيما بين الأبواب كلها وفي داخلها المارستان للمرضى والمطبخة لطبخ الأغذية وفيها الأطباء والخدام.
        وذكر لي أن الشيوخ الذين لا قدرة لهم على التكسب لهم نفقتهم وكسوتهم بهذه الكنيسة وكذلك الأيتام والآرامل ممن لا حال له وعمر هذه الكنيسة بعض ملوكهم وجهل هذه المدينة وما إليها من القرى والبساتين وقفا عليها وصورة ذلك الملك مصورة بالكنيسة المذكورة وهم يعبدونها. "
    "وهذه المدينة أكبر مدينة رأيتها على وجه الأرض ولها مسيرة ثلاثة أيام يرحل المسافر فيها وينزل وهي على ما ذكرناه من ترتيب عمارة الصين كل واحد له بستانه وداره وهي منقسمة إلى ست مدن" و"مشور في وسط هذه المدينة وهو كبير جدا ودار الامارة في وسطه وهو يحف بها من جميع الجهات وفيه سقائف فيها الصناع يصنعون الثياب النفيسة وآلات الحرب."
    "وأسواقها حسان وبها الحذاق بالصنائع وبها تصنع الثياب الخنساوية ومن عجيب ما صنعون بها أطباق يسمونها الدست، وهي من القصب وقد ألصقت قطعه أبدع إلصاق ودهنت بصبغ أحمر مشرق وتكون هذه الأطباق عشرة، واحد في جوف آخر رقتها تظهر لرائيها كانها طبق واحد ويصنعون غطاء يغطي جميعها ويصنعون من هذا القصب صحافا، ومن عجائبها أن تقع من العلو فلا تنكسر ويجعل فيها الطعام السخن فلا يتغير صباغها ولا يحول، وتجلب من هنالك إلى الهند وخراسان وسواها."
    "مدينة خان بالق وتسمى أيضا خانقو وهي حضرة القان والقان هو سلطانهم الأعظم الذي مملكته بلاد الصين والخطا ولما وصلنا إليه أرسينا على عشرة أميال منها على العادة عندهم وكتب إلى أمراء البحر بخبرنا فأذنوا لنا في دخول مرساها فدخلناه ثم نزلنا إلى المدينة وهي من أعظم مدن الدنيا وليست على ترتيب بلاد الصين في كون البستانين داخلها، وإنما هي كسائر البلاد والبساتين بخارجها، ومدينة السلطان في وسطها كالقصبة، حسبما نذكره"
    "والقان عندهم سمة لكل من يلي الملك: ملك الأقطار، كمثل ما يسمى كل من ملك بلاد اللور بأتابك واسمه باشاي وليس للكفار على وجه الأرض مملكة أعظم من مملكته."
    " وقصره في وسط المدينة المختصة بسكناه، وأكثر عمارته بالخشب المنقوش، وله ترتيب عجيب، وعليه سبعة أبواب فالباب الأول منها يجلس به الكتوال، وهو أمير البوابين وله مصاطب مرتفعة عن يمين الباب ويساره، وفيها المماليك البردارية، وهم حفاظ باب القصر، وعددهم خمسمائة رجل، وأخبرت أنهم كانوا فيما تقدم ألف رجل، والباب الثاني يجلس عليه الاصباهية وهم الرماة وعددهم خمسمائة، والباب الثالث يجلس عليه  النزدارية، وهم أصحاب الرماح وعددهم خمسمائة والباب الرابع يجلس عليه التغدارية وهم أصحاب السيوف والترسنة والباب الخامس فيه ديوان الوزارة وبه سقائف كثيرة، فالسقيفة العظمى يقعد بها الوزير على مرتبة هائلة مرتفعة ويسمون ذلك الموضع المسند، وبين يدي الوزير دواة عظيمة من الذهب وتقابل هذه السقيفة سقيفة كاتب السر، وعن يمينها سقيفة كتاب الرسائل، وعن يمين الوزير سقيفة كتاب الأشغال، وتقابل هذه السقائف سقائف أربع إحداها تسمى ديوان الأشراف يقعد بها المشرف والثانية سقيفة ديوان المستخرج وأميرها من كبار الأمراء والمستخرج هو ما يبقى قبل العمال وقبل الأمراء من إقطاعاتهم والثالثة ديوان الغوث ويجلس فيها أحد الأمراء الكبار ومعه الفقهاء والكتاب فمن لحقته مظلمة استغاث بهم والرابعة ديوان البريد يجلس فيها أمير الإخباريين والباب السادس من أبواب القصر يجلس عليه الجندارية وأميرهم الأعظم والباب السابع يجلس عليه الفتيان ولهم ثلاث سقائف: إحداها سقيفة الحبشان منهم والثانية سقيفة الهنود والثالثة سقيفة الصينيين،  ولكل طائفة منهم أمير من الصينيين."
    "لكل مدينة من مدن الصين شيخ المسلمين"
    "في كل مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون بسكناها ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعات وسواها وهم معظمون محترمون"
    "ولا بد في كل بلد من بلاد الصين من شيخ الإسلام تكون أمور المسلمين كلها راجعة إليه وقاض يقضي بينهم" "وفي اليوم الثالث دخلنا المدينة الثالثة، ويسكنها المسلمون ومدينتهم حسنة وأسواقهم مرتبة كترتيبها في بلاد الإسلام وبها المساجد والمؤذنون سمعناهم يؤذنون بالظهر عند دخولنا."
    "وأهل الصين فيحرقون موتاهم، وسواهم من الأمم يدفنون الميت ولا يجعلون معه أحدا."
    "وأهل الصين كفار يعبدون الأصنام ويحرقون موتاهم كما تفعل الهنود"
    "وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعا كما ذكرناه وإنما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغد كل قطعة منها قدر الكف مطبوعة بطابع السلطان وتسمى الخمس والعشرون قطعة منها بالشت بباء موحدة وألف ولام مكسور وشين معجمة ساكنة وتاء معلوة وهو يعني الدينار عندنا وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكة عندنا فأخذ عوضها جددا ودفع تلك ولا يعطي على ذلك أجرة لا سواها لأن الذين يتولون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان وقد وكل بتلك الدار أمير من كبار الأمراء وإذا مضى الإنسان إلى السوق بدرهم فضة أو دينار يريد شراء شيء لم يؤخذ منه ولا يلتفت إليه حتى يصرفه بالبالشت ويشتري به ما أراد."
    "فإن أراد التسري اشترى له جارية وأسكنها بدار يكون بابها في الفندق، وأنفق عليهما.
    والجواري رخيصات الأثمان إلا أن أهل الصين أجمعين يبيعون أولادهم وبناتهم وليس ذلك عيبا عندهم، غير أنهم لا يجبرون على السفر مع مشتريهم ولا يمنعون أيضا منه أن اختاروه، وكذلك إن أراد التزوج تزوج، وأما إنفاق ماله في الفساد فشيء لا سبيل له إليه ويقولون: لا نريد أن يسمع في بلاد المسلمين أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا فإنها أرض فساد وحسن فائت!"
    "وكان بها من المشايخ الفضلاء برهان الدين الكازروني، له زاوية خارج البلد وإليه يدفع التجار النذور التي ينذرونها للشيخ أبي إسحاق الكازروني. "
    "وجميع أهل الصين والخطا إنما فحمهم تراب عندهم منعقد كالطفل عندنا ولونه لون الطفل تأتي الفيلة بالأحمال منه فيقطعونه قطعا غير قدر قطع الفحم عندنا ويشعلون النار فيه فيقد كالفحم وهو أشد حرارة من نار الفحم وإذا صار رمادا عدنوه بالماء ويبسوه وطبخوا به ثانية ولا يزالون يغفلون به كذلك إلى أن يتلاشى ومن هذا التراب يصنعون أواني الفخار الصيني ويضيفون إليه حجارة سواه. "
    "وكان ملك الصين قد بعث إلى السلطان مائة مملوك وجارية وخمسمائة ثوب من الكمخا منها مائة من التي تصنع بمدينة الزيتون ومائة من التي تصنع بمدينة الخنسا وخمسة أمنان من المسك وخمسة الأثواب مرصعة بالجوهر، وخمسة من التراكش مزركشة وخمسة سيوف" ويرد عليه ملك الهند بـ "هديته بخير منها وذلك مائة فرس من الجياد مسرجة ملجمة ومائة مملوك ومائة جارية من كفار الهند مغنيات ورواقص ومائة ثوب بيرمية وهي من القطن ولا نظير لها في الحسن قيمة الثوب منها مائة دينار ومائة شقة من ثياب الحرير المعروفة بالجز، بضم الجيم والزاي وهي التي يكون حرير إحداها مصبوغا بخمسة ألوان وأربعة ومائة ثوب من الثياب المعروفة بالصلاحية ومائة ثوب من الشيرين باف ومائة ثوب من الشان باف وخمسمائة ثوب من المرعز مائة منها سود ومائة بيض ومائة حمر ومائة خضر ومائة زرق ومائة شقة من الكتان الرومي ومائة فضلة من الملف وسراجة وست من القباب وأربع حسك من ذهب وست حسك من قضة منيلة وأربعة طسوت من الذهب ذات أباريق كمثلها وستة طسوت من الفضة وعشر خلع من ثياب السلطان مزركشة وعشر شواش من لباسه إحداها مرصعة بالجوهر وعشرة تراكش مزركشة واحدها مرصع بالجوهر وعشرة من السيوف أحدها مرصع الغمد بالجوهر ودشت بان وهو قفاز مرصع بالجوهر وخمسة عشر من الفتيان."
    "وفي تلك الليلة حضر أحد المشعوذين وهو من عبيد القان فقال له الأمير أرنا من عجائبك! فأخذ كرة خشب لها ثقب، فيها سيور طوال فرمى بها إلى الهواء فارتفعت حتى غابت عن الأبصار، ونحن في وسط المشور أيام الحر الشديد، فلما لم يبق من السيور في يده إلا سير أمر متعلما له فتعلق به وصعد في الهواء إلى أن غاب عن أبصارنا، فدعاه فلم يجبه ثلاثا فأخذ سكينا بيده كالمغتاظ وتعلق بالسير إلى أن غاب أيضا! ثم رمى بيد الصبي إلى الأرض، ثم رمى برجله ثم بيده الأخرى ثم بجسده ثم برأسه ثم هبط وهو ينفخ وثيابه ملطخة بالدم، فقبل الأرض بين يدي الأمير، وكلمه بالصيني، وأمر له الأمير بشيء، ثم إنه أخذ أعضاء الصبي فألصق بعضها ببعض وركله برجله فقام سويا! فعجبت منه، وأصابني خفقان القلب كمثل ما كان أصابني عند ملك الهند حين رأيت مثل ذلك فسقوني دواء أذهب عني ما وجدت. وكان القاضي فخر الدين إلى جانبي فقال لي والله ما كان من صعود ولا نزول ولا قطع عضو، وإنما ذلك شعوذة."
    "وأما التصوير فلا يجاري أهل الصين أحد في إحكامه من الروم ولا من سواهم فإن لهم فيه اقتدارا عظيما، ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قط مدينة من مدنهم ثم عدت من القصر عشيا مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكاغد موضوعة في الأسواق!
    ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فمررت على سوق النقاشين ووصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي، ونحن على زي العراقيين فلما عدت من القصر عشيا مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط، فجعل كل واحد منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطئ شيئا من شبهه،"
    " وجبل قراجيل متصل مسيرة ثلاثة أشهر وينزل منه إلى بلاد تبت حيث غزلان المسك."
    "وجبال كامرو متسعة متصلة بالصين وتتصل أيضا ببلاد التبت حيث غزلان المسك".
    "ويخترق بلاد الصين النهر المعروف بأب حياة معنى ذلك ماء الحياة ويسمى أيضا نهر السبر كاسم النهر الذي بالهند ومنبعه من جبال بقرب مدينة خان بالق تسمى كوه بوزنه معناه جبل القرود."
    "والفيلة بها كثيرة جدا عليها يركبون ويحملون وكل إنسان يربط فيلته على بابه وكل صاحب حانوت يربط فيله عنده، ويركبه إلى داره وتحمل، وكذلك جميع أهل الصين والخطا على مثل هذا الترتيب"
    "وسافرنا من هذه المدينة وهي آخر أعمال الصين ودخلنا إلى بلاد الخطا وهي أحسن بلاد الدنيا عمارة ولا يكون في جميعها موضع غير معمور."

    واستدامت الصداقة الصينية المغربية

    إنني قد قمت بصفتي مستشرقا ومستعربا منذ 30 سنة بدراسة علم الاستشراق وعلم ابن بطوطة. ووفقا لنتائج دراستي وبحوثي أعتقد أنه إلى هنا يمكننا الوصول إلى الاستنتاجات التالية:
    1.    حول تراجم ابن بطوطة، لقد وجدنا ما ورد عن لسان الدين بن الخطيب (ت 776=1370/6/1 – 1374/6/11م) في "الإحاطة" من معلومات محدودة. وما أورده ابن خلدون (ت 808 = 1407/7/1 – 1405/6/28م) في "مقدمته" وما ورد عن ابن حجر (ت 852 = 1449/2/23 – 1448/3/6م) في "الدرر الكامنة" من معلومات مفيدة وما ورد عن التمكروتي (ت 907 = 1506/7/6 – 1501/7/16م) في "النفحة المسكية" وما ورد عن المقري (ت 1041=1633/7/18 – 1631/7/29م) في "نفح الطيب". إن ما دونه في "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" كان كافيا عن سيرة ابن بطوطة وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد إبراهيم بن يوسف اللواتي الطنجي الملكي الملقب في المشرق بشمس الدين والمكنى بأبي أحمد وولد بطنجة يوم الاثنين 17 من رجب 703 هـ الموافق 24 من فبراير 1304 م.
    أما بالنسبة إلى أسرته فذكر الأستاذ الدكتور عبد الهادي التازي أنه: "يبدو أن الأسرة تنسب إلى سيدة كانت تحمل اسم فاطمة: عادة معروفة من قديم تنسب الناس إلى أمهاتهم، وتتحول فاطمة في المشرق – كدللا – إلى بطة، ونحن نعرف عن ابن بطة العكبرى (ت 387هـ) وتسمى بطة في المغرب بطوطة كسفودة علما في "تاج العروس" للزبيدي – فصل الباء من باب الطاء)."
    كان ابن بطوطة قد بقي إلى سنة سبعين من عمره وأدركه أجله بتامسنا وهو متول للقضاء فيها ليس بفاس ولا بطنجة.
    2.    إن ابن بطوطة هو الشيخ والفقيه والثقة والصدوق والباحث عن فرق الأمم وسبر سير العرب والعجم، والقاضي والخطيب والحاج الكثير، الجوالة بالمشرق والمغرب وجميع البلاد حيث كان أبرز الرحالة في العصور الوسطى وقد سلك أقوم المسالك. إنه ليس: إمعة يردد ما قاله الآخرون دون تمحيص، مثلا حول سد ياجوج وماجوج الذي يصفه بكذا طريق رغم عدم رؤيته، أما ابن بطوطة فقال /لم أر بتلك البلاد من رأى السد المذكور ولا من رأى من رآه هذا يحتاج إلى جرأة.
    3.    الاعتراف بوصول ابن بطوطة إلى الصين ومكوثه في الصين لمدة أقصاها من خريف 1345 م إلى بداية 1346 م. ليس بثلاث سنوات.
    4.    الأغلبية الساحقة مما دونه ابن بطوطة حول الصين موثوق به ومعتمد عليه وليس هذا فحسب بل بعض المعلومات قد ملأت فراغا موجودا في الوثائق التاريخية. لا تمحى إسهاماته في هذه الناحية.
    5.    لقد وجدنا أن لأسلوب كتابة ابن بطوطة نقطة مميزة ألا وهي جمع عدة رحلات قام بها في فترات متباعدة وذكرها كرحلة واحدة كما قال الدكتور علي المنتصر الكتاني في مقالته بعنوان "مقدمة المحقق" قائلا إنه من غير المحتمل أن يكون قد زار مدن ضفاف النيل في رحلة واحدة في المدة القصيرة التي ذكرها، وكذلك عندما تعذر عليه السفر إلى الحجاز على الدرب المصري فقد اختار الذهاب في السنة نفسها على الدرب الشامي، فليس من المعقول أن يكون في تلك الرحلة نفسها قد زار جل مدن الشام بما فيها حلب واللاذقية وطرابلس وحمص وحماة. أما عن بلاد الروم (تركيا اليوم) فإنه يخبرنا عن زيارته لمدن عرب البلاد بتتابع، ثم يقفز قفزة واحدة إلى مسافات شاسعة في أقصى شرق البلاد، كل هذا في أيام محدودات. ولكن هذه الهفوات ليست بذات أهمية ولا تدعونا إلى الارتياب في صدق ابن بطوطة.
    6.    يصعب تجنب الأخطاء في سرده المواقع الجغراقية التي ذكرها الرحالة والتي يبلغ عددها زهاء ألف علم جغرافي وعلم شخصي للعلماء والملوك والزعماء والقادة موزعون في ثلاثين بلدا من القارات الثلاث ولمدة حوالي ثلاثين سنة من بداية مغادرة البيت حتى عاد إليه، وهذا يستحق الإعجاب والتقدير: لذا فلا يمكننا أن نصل إلى نتيجة "نفي" أو "تأكيد" اعتمادا على خطأ أو خطأين خاصة حول الصين التي يتكلم أهلها أصعب اللغات في العالم ألا وهي اللغة الهانية: لذا فكان حدوث النواقص أو الأخطاء طبيعيا لا يستحق الانزعاج. وتقول الحكمة الصينية "إن شائبة واحدة لا تحجب عظمة الحجر الكريم".
    إن ابن بطوطة رحالة  عظيم وتأليفه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" كتاب عظيم سيؤثر تأثيرا عميقا في نفوس القوم جيلا بعد جيل حيث قال عبد الله إبراهيم في مقالته" المفكرة عن رحلة ابن بطوطة من المؤكد أن رحلاته التي تطلق من مركز لتعود إليه تعد طبقا لأوثق المصادر أوثق الرحلات في القرون الوسطى. فمن المغرب إلى الأقاصي الشرقية لآسيا ثم العودة والانطلاق إلى الأندلس والعودة ثم الاتجاه إلى إفريقيا ثلاث دوائر غطت الأماكن الحيوية في العالم القديم.
    ومن الطبيعي أن تستمر الدراسة عن هذا الموضوع بصورة أعمق وأوسع وأزيد في المستقبل. وأحسن المؤرخ الكبير والدبلوماسي الحكيم وعميد علم الاستشراق وعلم ابن بطوطة الدكتور عبد الهادي التازي في قوله: "إن الرحالة المغربي ابن بطوطة لم يكن مجرد رحالة يجوب الارض،  ولكنه كان بمثابة سفير متنقل لبلاده، يعرف بها ويحمل إليها ما جد من تطورات في الجهات الأخرى."
    أخيرا أود أن أتحدث عن الصداقة التقليدية القائمة فيما بين الشعبين العظيمين الصيني والمغربي على الرغم من المسافة الشاسعة من الشرق الأقصى إلى الغرب الأقصى فإن العلاقات الصينية المغربية شأنها شأن العلاقات الصينية العربية لها تاريخ عريق يشاطر بعضهما البعض السراء والضراء. إن أجدادنا قد خلفوا ماضينا الشريف الذي كان الرحالة الصيني الشهير وانغ دايوان وزميله المشهور ابن بطوطة قد ساهموا مساهمة إيجابية في دفع عجلة الود والمحبة التي يمتاز بها أبناء الشعبين الصيني والمغربي إلى الأمام.
    لقد نشأت العلاقات الدبلوماسية الودية بين البلدين الصيني والمغربي خلال أكثر من 50 عاما  حيث يساعد بعضهما البعض ويتعاون جنبا إلى جنب في جميع المجالات وأثق ثقة تامة بأن صدور هذا الكتاب الثمين سيفتح مجالات واسعة في مزيد من التفاهم وتقوية عرى الصداقة والتضامن والمساعدة المتبادلة سياسيا واقتصاديا وثقافيا. فعلينا أن نرحب بمستقبل منير وربيع رائع في علاقات بلدينا وعلاقات الصين والبلدان العربية والإفريقية.

    2010-11-6
    بكين
     

    لي قوانغبين (فريد)
    المؤتمر الدولي الأول الدوحة 2010