أدب الرحلة بين القصة الصحفية وأدب المكان

    شهادة وتجربة

    آلمني أنني حين عدت بذاكرتي وكتبي الجامعية، أن قسم اللغة العربية في كلية الآداب، لم يقدم لنا أي شيء يذكر عن أدب الرحلات، رغم أننا كعرب لنا مساهمة ريادية في هذا الموضوع؛ فإذا كان هذا الأمر لم يتم في أروقة الأكاديمية، فكيف سنعول على وجوده في أروقة أخرى في المجتمع؟
    ربما يكون حظ كليات الآداب الأخرى أفضل حالا من كليتي، فتكون قد قدمت لطلبة أقسام الآداب شيئا ما عن الرحالة، أقول هذا الكلام من باب مجاز عصري أسميه باعتبار ما نرجو!
    لذلك، فإن مداخلتي هذه تعتمد التجربة الشخصية والعملية أكثر من الاعتماد على الأكاديمية، كوني خريج آداب بشكل رئيس وإعلام بشكل ثانوي.
    وحتى تكتمل الصورة، فإن مناهج التعليم العام لا تتناول هذا الأدب المميز والقادر على جذب الأطفال، إلا بسرعة، كإشارة هنا وهناك، أي أن الطالب الجامعي حين يتخرج لا يكون قد اطلع بشكل مرض على هذا الأدب.
    فتعليم الجغرافيا مثلا قائم على الحفظ والتلقين، فيتعلم الطالب كيف يحفظ، لا كيف يرى، ولا كيف يصف ويحلل.
    فكل ما يعرفونه عن الرحالة العرب هو ابن بطوطة، وجيد أن يكونوا قد عرفوا ذلك!
    وأن الرحالة هو كاتب زار البلاد وكتب عنها، أما ماذا كتب ولماذا وكيف فتلك أسئلة خارج السياق!
    وليس هذا فحسب، بل إنني أزعم أن تدريس الأدب العربي اليوم، لا يركز على المكان بشكل يهيئ الطالب كي يفهم كيف تناول أجناس الأدب له، سوى من ذكر بسيط على خجل لثنائية المكان والزمان، خصوصا في تدريس نقد القصة والرواية.
    ويتخرج طالب المدرسة والجامعة، وهما غير قادرين على وصف مكانهما، الذي يعيشان فيه، بل إنهما لا يكونان قادرين حتى على رؤيته كما ينبغي للرؤية المبصرة أن تكون.
    فمن أين سيظهر الإبداع؟
    وإذا ضممنا الإعلام إلى التعليم، فإن حال الإعلام المكتوب والمرئي وغيره، ما زال غير واع على هذا اللون الأدبي، بالرغم أن وسائل الإعلام العالمية تبرز هذا اللون، بل وتوفد خيرة الكتاب للكتابة.
    فإذا نظرنا إلى برامج التلفاز في الفضائيات الكثيرة، سنجد أن تناول الرحلات محدودا، ببرنامج محدود هنا، إلى برنامج موسمي هناك، ينطلق من باب المجاملة، أو الدعاية.
    التعليم والإعلام جافان في بلادنا، وهما منفران، ويعتمدان على العمومية، فكيف سنخلق جمهورا لأدب الرحلات في ظل محدودية التأصيل لهذا الأدب في التعليم والإعلام؟
    من أين ستعاد ولادة أدب الرحلات في حياتنا، ويتم إحياؤها من جديد في وقت لا يدرك الجيل الجديد مكانه، فكيف سنراه مهتما بمكان الآخرين؟
    تعليم الأدب والجغرافيا والتاريخ والإعلام، وممارسة ذلك يتم على ضوء محاكاة الجاهز والحفظ وذكر الحدث بسرعة، فلا وقت للتفاصيل المؤسسة للوعي والشعور.

    لماذا أدب الرحلة بين القصة الصحفية وأدب المكان؟

    من خلال عملي كاتبا ومحررا وناقدا أدبيا وسينمائيا وتربويا عاملا في المناهج، يمكنني الحديث، ولربما أملك مشروعية هذا الحديث!
    سنتحدث عن الإعلام أولا، على عكس ما بدأت به من الحديث عن الأدب والتعليم، من باب الدور الكبير الذي يلعبه الإعلام في تشكيل الفكر والمشاعر والوعي، وهو الدور اليومي بل والمستمر، كون أن الناس في بلادنا صاروا أمة شاهد لا أمة اقرأ!
    إن المطلع على التقارير والبرامج المقدمة في التلفزيونات العربية والصحف، هي تقارير وبرامج "ناشفة" لا ماء فيها في الإضاءة عن وجه المكان، بعناصره، فلا يكاد يظهر المكان إلا خطفا بدون قصد، وبدون تخطيط ممنهج مسبق.
    فإذا تفحصت معظم التقارير، ستجدها جاهزة، تتم بسرعة، فلا عين المصور ولا المراسل بقادرين كي يريا، غير ما يفترضان أو يتوقعان من تصريح لمسؤول، أو تغطية حدث، بما يلائم دقائق محدودة لنشرة الأخبار. فلا إنسان ولا أرض، ولا طبيعة، فتركيز البرامج هو تركيز نمطي على المشهور والغالب، كدليل مفترض أنه يبث من هنا مثلا، بل صار لدينا الوضع أسوأ حين صارت صورة المسجد الأقصى خلفية للتقرير!
    وليس الحال بأفضل في المكتوب، رغم أن المكتوب يحتمل الدخول بالتفاصيل ووصف المكان كخلفية وكعنصر أساسي في التغطية الإعلامية لقضايا المواطن، الذي يعيش في هذا المكان؛ فلا نكاد نقرأ قصصا صحافية إلا نادرا، فالقصة الصحافية قادرة على التأصيل الإعلامي لأدب الوصف، والتحليل، وسماع صوت الإنسان العادي، ورؤية مكانه، بل وتفاصيل العيش، وجدل الإنسان مع الواقع، في رحلة إثبات الذات في عين المكان والزمان.
    فحين عملت في الإعلام محررا، وأنا القادم من عالم الأدب، اكتشفت هذه الثغرة، فبدأت أجتهد ارتجالا في كتابة صحفية تستفيد من الأدب، خصوصا في سنوات الانتفاضة الثانية.
    أما في ممارستي للنقد الأدبي، فرغم أن المكان الفلسطيني مغر للتناول، إلا أنني وجدت أن الرواة وكتاب القصص لا يقدمون المكان كما ينبغي لرواية أو قصة تجري أحداثها هنا، وأزعم أن الأعمال الأدبية التي أصلت للمكان ما زالت محدودة.
    أما في التربية والتعليم، فإن تناول الأماكن هو تناول عام ونمطي وجاهز، لا يخلق الوعي ودفع الطالب للاستفادة من المعرفة، في مجالات المقارنة والمقاربة وفهم السياق الإنساني، وتعميق التعددية والتنوع في العالم، والتي إن تم تنشئة الطالب عليها، نكون قد أعددناه لقبول التعددية والتنوع في بلده.
    ولو تأملت ما يسمى بمواضيع الإنشاء الأدبي مثلا في مدارسنا، ودرست كتابة الأطفال عن بلادهم، ومكان إقاماتهم، ستجد بسهولة أن طلبتنا غير مدربين على رؤية المكان الصغير ووصفه، بل إنك لتحس أن هناك مشكلة أيضا في موضوع الانتماء أيضا، والذي يتم عبر الشعار لا الشعور. وترى أن معلومات الطلبة عن أوطانهم محدودة، وأنها تأتي عبر متطلبات الامتحانات الإجبارية، لا من باب النشاطات الاختيارية.
    إنهم لا يرون مكانهم، إلا في سياق محدد، ويزداد الأمر سوءا في تلقي المعلمين لكتاباتهم، حيث يشجع المعلمون التقليد الأدبي، فترى الطالب يجهد نفسه في محاكة الجاهز، بدلا من إبداع يعتمد على الوصف العادي لمكان عادي بلغة عادية أيضا.
    نحن إذن في مشكلة مع المعلمين والمناهج، التي لا تؤنسن الأماكن، وتمر عنها مسرعة، ولا تحفل بها، بل تؤثر انتقاء ما تريد من عناصر محددة تحدد فيما بعد خيال الطالب، وتحد من رؤيته لمكانه.
    ولما أتيحت لي فرصة التأليف، وتحرير كتب التعليم العام في فلسطين، تعمق لدي أن الأكاديميين والتربويين يعانون في هذا الجانب، وهم مصروفون إلى التركيز على المعارف بعيدا عن صياغاتها، مما يجعل الطالب الذي يستهلكها مغتربا عنها.
    في هذا السياق يمكنني فهم كيفية بناء البنية الفكرية للعقل هنا، التي تغفل المكان، كأحد أهم عناصر الإنسان وأبعاده، والتي تجعل الطالب غير قادر على الشعور بالدهشة، واكتشاف ما هو أمامه، من أرض وطبيعة، وعادات، وملابس..، بل إنه غير قادر على اكتشاف ذاته، وبذا نكون قد فشلنا في التربية الجمعية والفردية معا.
    المكان ضائع كأصحابه التائهين، الذين لا يحسون بجمال أوطانهم ولا ما فيها من عناصر مهمة خصبة لإنشاء الكلام غير العادي وغير الجاهز وغير النمطي، كلام يناسب العصر وما فيه.
    ولأن الإنسان العربي غير مدرب على رؤية مكانه، فإنه حين تتاح له فرص السفر خارج إقليمه لا يكون قادرا على رؤية المكان الجديد، فكم من أديب وصحافي عربي سافر خارج وطنه، وكتب عن رحلته كتابا أدبيا في الرحلة الصحافية أو الرحلة الأدبية، يتجاوز بها ما يكتبه بسرعة عن خبر ما هنا أو هناك.

    تجربة كتابة أدب الرحلة

    تمت في مرحلة مبكرة، حين كنت أكتب نتفا من الفقرات عن المدن والأماكن التي أزورها في الرحلات المدرسية، وكنت أروي عن كل شيء رأيته، خالقا صلة ما بيني وبين الأماكن، مؤكدا في نفسي أنني سأعود إليها لأراها من جديد أكثر.
    كان وقتا جميلا ممتعا حين أخذتني الأوراق الملونة من خلاني في مراتع الطفولة واللعب واللهو بالعيدان التي كنا نحاكي من خلال امتطائها الفرسان، وبالحجارة من خلال اللعبة الشعبية حدر بدر، والطمة التي هي الغماية، والحجلة، والقالة، والسيجة، والخارطة، واللي بتحيي والكرة حين يتيسر للأطفال القرويين الفقراء في قرية نائية الحصول عليها..
    كان صباحا أو مساء، حين سحرتني متسللة إلى فؤاد العين تاركة أطرافي تزهد في اللعب والمطاردة والركض وراء الريح، لتربطني بحب إلى أرض صفحاتها، لتحيل ركض أطرافي إلى ركض للعين والخيال والأذن وباقي الحواس..
    سحر اللمس كان له موقع في ممارسة السحر على ذلك الطفل الذي كنته، ما أرق الأوراق، وما أنعمها بين أصابعي!
     أن يجلس طفل فهذا أمر مثير للتساؤل، حيث يصعب أن يجلس طفل يلعب، لكنني أذكر أنني جلست فور تلك المشاهدة البصرية، والتي ظل سحرها مؤثرا علي حتى الآن..
    أما الأطفال من حولي فقد تابعوا اللعب محتجين، لكنهم حين جاءوا يستطلعون انبهروا بالصور الملونة، وعلقوا ببراءة على صور الناس..
    لكنهم وقد أحسوا بانجذابي لها راحوا يتابعون اللهو واللعب زاهدين بي..
    اسمها لم يهمنا الاسم بقدر أهمية المكتوب، وقد كنا نعيش وقتها في شح من المصادر المكتوبة، لا كتب ولا مجلات، ولا ندري ما هو الملائم لنا كي نقرأه، وكثيرا ما أعدت قراءة كتب الكبار في بيتنا..
    تصفحت وقتها صور إحدى الاستطلاعات، كان ذلك في يوم من أيام أواسط السبعينيات، أو أبعد بقليل، حين أخذت بالتهام الصور الجميلة الملتقطة لبلاد بعيدة نسمع عنها بالاسم في كتب الجغرافيا، أبدينا إعجابنا بتلك البلاد لا بالصور!
    ما أجمل تلك البلاد! وهل سيأتي يوم نسافر إليها عندما نكبر؟
    بسرعة تصفحت الصور، ثم أعدت النظر ببطء وتأمل، وبعد أن مرّ وقت من إشباع البصر والخيال، محاولا فك سرّ الصور والتعرف عليها، لم أجد مفرا من قراءة النص المرافق، فبدأت أقرأ وعيناي لا تتخليان عن تأمل الصور مرة أخرى..
    قرأت ونظرت، ثم وجدتني مستغرقا، قرأت وقرأت، صفحة وراء صفحة، مرّ وقت لا أدري قياسه، لكنه مرّ دون أن أنتبه لمرور الزمن.. كانت القراءة ممتعة، كان للاستغراق فيها متعة كبيرة نافس النظر إلى الصور، وسرعان ما أخذ يهيمن على النظر، رغم لذة البصر لتلك الصور الرائعة!
    صحيح أنني كطفل قرأت بعض المواد المسلية التي استطعت الانجذاب لها، لكن كان على رأس انجذابي استطلاع العربي.. وفيما بعد تمنيت أن يقع عدد آخر من المجلة في يدي..
    أخي الذي كان يدرس الطب في مصر، كان شغوفا بأدب الرحلات الصحفية، وما يكتب عن البلاد، وكان يحضر معه كل صيف كتبا ثقافية كثيرة من بينها كتب تتحدث عن البلاد.. وحين كنت أقرأها كنت أتذكر مجلتي الأولى، مقارنا ببراءة، مستمتعا، وباحثا عن صور ملونة لم أكن لأجدها.. خصوصا في كتب الرحالة المصريين.. سوى صورة الغلاف ولم تكن تشفي ولا تكفي، لكن هذا الموجود!
    فقرأت مثلا رحلة مفيد فوزي في "يغسل الأطباق في لندن" وقرأت لجاذبية صدقي عن اليابان ولأنيس منصور، قرأت روايات وقصصا ليست بعيدة عن الكتابة عن البلاد ضمن كتابة السيرة الذاتية بقالب أدبي مثل عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم..
    في المدرسة الابتدائية، كانت هناك بعض الأعداد، والتي كان يتحدث عنها المعلمون باحترام وتعظيم: هذه مجلة العربي يا أولاد التي تصحبكم إلى البلاد البعيدة لتعرفكم عليها...!
    في المدرسة الإعدادية والثانوية، أصبحنا نألف اسم المجلة، لكن للأسف ما لهذه الأعداد كلها قديمة؟ أليس هناك عدد جديد!؟
    لا عدد جديدا من العربي هنا! فقد سقط ما تبقى من فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي وأصيب تواصل فلسطين مع عمقها العربي في مقتل!
    في مصر، حيث سنوات الدراسة بين عام 1988 وعام 1992، عدت للاطلاع عليها، وأذكر أنني تهيبت من شرائها، وقد حسبت أن ثمنها عال، مقارنة بما كنت أشتري من مجلات، ففوجئت بأن ثمنها رخيص، فقط 35 قرشا، أي مثل مجلتي روز اليوسف وصباح الخير القاهريتين..
    كنت أشتريها من محطة قطار مصر المحروسة، ومن محطة قطار طنطا، مزهوا بها وبألقها، ومصقول ورقها، وكانت عونا لنا نحن طلبة كلية الآداب في ذلك الوقت، أصبحت أقبل على موادها بوعي أكثر، ولم أكن أنسى استطلاع العربي الذي عادة كنت به أبدأ بدافع شعور الحنين لطفولتي وسحر العربي الأولى عليّ ذات يوم.
    كانت لي طقوس بالقراءة، أتصفح استطلاعها وصوره غير قادر أبدا على النسيان والتنكر لأيامي الأولى..
     ثم نمت في اللاوعي حين كنت طالبا في مصر، حيث بعثت برسالة لإحدى الصحف، كي أنشر فيها سلسلة مواضيع عن مصر، لكن للأسف لم أتلق ردا، فتقصفت المجاديف الأولى وتهشمت، بما كانت تنبئ به من وصف لشاب صغير مغترب في مرحلة عمرية وشعورية ومعرفية معينة!

    كتابة عن البلاد والسفر

    سأعود إلى فلسطين، وأعمل معلما، ثم أنشط بالكتابة النقدية، والصحافية.. خصوصا في الصحافة الثقافية، وهذا ما جعلني منذ عام 1995، أعيد قراءة العربي وغيرها من المجلات والملاحق الثقافية كي أتعلم من تجاربها، وكي أجعلها من مصادر صفحاتي الثقافية، وأن أجعلها من وسائل تعلمي وتطور عملي كمحرر ثقافي وأدبي.. وكان هذا بشكل خاص في جريدة الحياة الجديدة، التي أفردت صفحة يومية للثقافة، ثم ملحقا أسبوعيا للثقافة.
    ما جعلني أيضا أحفل بالعربي بشكل خاص، رغم وجود مجلات عديدة بدأت تدخل فلسطين، هو ما بدأت أكتبه من أدب رحلات عن سويسرا وتركيا والعراق، في جريدة الأيام التي ما زلت أكتب فيها، فحين سنحت لي فرص السفر خارج فلسطين كتبت مبادرا متعلما هذا الفن، مستفيدا من تجربة العربي، وتجارب الصحفيين والكتاب المصريين..
    وشجعني على هذا اللون ملاحظات القراء، فتشجعت على قراءة استطلاعات العربي للاستفادة منها بشكل واع...
    لكنني كنت متواضعا وخائفا بعض الشيء، وتهيبت من أن أرسل كتاباتي عن البلاد لأسباب لها علاقة من جهة بخوفي من ضعف المستوى.
    حتى كان يوم جميل..!
    كنت قد بدأت الكتابة أيضا عن الأماكن في فلسطين، خصوصا الجزء المحتل عام 1948، من باب الحب لفلسطين، ومن باب الإعلام عنها وما تبقى من مكان وناس هناك!
    قبل 5 سنوات بادرت بالاتصال بالمجلة، عارضا على المحررين استطلاعا عن حيفا، فقال لي الدكتور محمد المنسي قنديل بأنه طويل، ونصحني باختصاره بما لا يخل من بناء أدبي إن أمكن، مقترحا عليّ عمل استطلاع عن القدس!
    القدس لعدد أيار مايو 2005!
    فكان أن كتبت عن القدس الحبيبة ثلاث مرات.. وعن حيفا مرة.. 
    وكان ذلك دافعا لي بالاستمرار بالكتابة الاستطلاعية وأدب الأماكن والرحلات، والقدس على وجه التحديد..
    وبالاستمرار في هذا اللون من الكتابة، فقد توجت رحلتي الكتابية على مدار 10 سنوات بالحصول على جائزة دار السويدي في الرحلة الصحفية للعام 2007....
    بل أيضا من المهم الإشارة إلى وجود عدد قليل من المهتمين بالموضوع والذي تحت تأثير قراءتهم للعربي واتصالهم بها، قد أخذوا يكتبون فيها، منهم الزميل عبد الباسط خلف الذي كتب عن اليابان في عدد آذار مارس 2008، كما كتبت في عدد أيار مايو 2008، عن حيفا..

    أدب الرحلة

    أدب الرحلة كما يرى النقاد هو الأدب الوحيد الذي يكاد يتعالى على أهدافه المعلنة وغاياته المحددة، إنه يكشف عن الهامشي والغامض، ويرصد الثانوي ويسائل الواضح.
     فالرحالة لا يبصر التفاصيل والمشاهدات إبصاراً آلياً ولا يراها رؤية الألفة والعادة وإنما يعمل فيها إبصاراً ثقافياً ورؤية الرأي.
     إنه يعتمد العين الثالثة والرابعة والخامسة التي تنقب المرئيات لرؤية ما وراءها ويعول على حدوسه القادرة على إبطال فعل الغموض وتحييد سحر المجهول والغرائبي.
    فيما مضى كان يرتحل الرحالة ويكتب خلال الشهور والسنوات، تماما مثل الرحالة الحجاج إلى مكة وإلى القدس، كان هناك متسع للكتابة، ولربما عاد الكاتب بعد عودته للتدوين..
    لكننا اليوم في ظل سرعة التنقل نستطيع أن نكون طازجين في الكتابة، بل وأن نكون طازجين جدا في بعث النص سريعا إلى الصحف والمجلات عبر البريد الأسرع عبر التاريخ.
    إلا أننا غير متفرغين للقدامى من جهة، كما أن العالم الذي صار قرية صغيرة، تغير، ففي وجود التلفازات والإنترنت تصبح مهمة الرحالة صعبة، وعليه أن يأتي بما لم تأت به التلفازات المصورة..!
    أرى أن على الكاتب الصحفي الذي ينوي الكتابة في هذا المجال أن يقرأ تجارب الآخرين، ثم أن يكتب ويجرب، فإذا رأى نفسه محبا لهذا اللون فليتابع وإلا فليبحث عن مجال يلائمه.
    ثم إن يطور مهارته في الكتابة، والتسجيل والتصوير، والمقابلة، ويوظف ما أمكن من معلومات يقرأها أو يراها في بناء النص وفق منهجية لا تجعل النص مثقلا بالبحث من جهة ولا ركيكا فقيرا بالمعلومات من جهة ثانية.
    عليه بتطوير أساليبه الوصفية والسردية، وتعلم تقنيات الرواية والقصة والقصة الصحافية، ثمة قرب بين اللونين، وثمة سوق للنشر أيضا.
    من الضروري أن تتعدد مستويات الوصف في الرحلة تعدداً يخضع في انفعالات السارد بالمرئيات وتفاعل عينه الثالثة بالمشاهدات علاوة على ما يتراءى له من مجاهيل وما ينكشف له من غوامض. فجميل أن يكون شاعريا في الوصف مرة، مستخدما لغة جمالية عالية المستوى، وجميل أن يشعرنا بإعجابه أيضا وانبهاره  وانفعاله وحزنه وغضبه وأمله وطموحه بما يرى.
    وجميل أن يتابع ملاحظات القراء على ما يكتب باستمرار، ويرى ويقيم إلى أي مدى كان مؤثرا فيهم، وإلى أي مدى كان النص جذابا؛ فالتواصل مع القراء يطور أسلوب الكتابة عن البلدان.
    وجميل أيضا أن يدرك الكاتب أنه كرحالة عربي ليس منقطعا عن التراث، فقد سبقه الأوائل المبدعون الذين تحملوا المشاق في رحلاتهم، لعله يعود إلى نصوصهم، ويرى كيف كان الكتاب يكتبون في ذلك العصر، وما هي المواضيع التي اهتموا بها، وهل من مبالغة أو أساطير؟
    وجميل أن يطلع على الرحالة الأجانب، فهم ككتاب يملكون أساليب وصفية دقيقة تبعد عن العموميات وتقترب من التفاصيل، فكل هذه الخبرات ضرورة لإنشاء نصوص قوية تكون نصوصا تضيف إلى تاريخ الأدب العربي.

    دور وسائل الإعلام في الارتقاء بأدب الرحلة

    أزعم أن إثارة الوعي لدى وسائل الإعلام حول أدب الرحلات، سيكون محفزا لتشجيعها لإيفاد كتابها لمثل هذا الغرض، بحيث تطلب من الكاتب والمراسل المبعوث لتغطية حدث مهم مثلا، أن يكتب لها شيئا عن ذلك البلد الذي يزوره.
    فمن خلال الإعلام المكتوب والمرئي نستطيع نشر لون جديد يمكن أن يسهم في بث الحيوية في وسائل إعلامنا، ففي هذا العالم ما يستحق النظر.

    تشجيع السياحة والسلام بين الشعوب

    وأدب الرحلة لا يخص البلاد البعيدة، بل يمكن أن يخص البلد الواحد، فكما أنه توجد رحلات داخلية ضمن السياحة في الوطن، والتي تسمى بالسياحة الداخلية، فإن هناك كتابة عن هذه الأماكن.
    وتشجيع قطاع السياحة يمثل دعما للاقتصاد الوطني من جهة، ويؤصل تعرف المواطن على وطنه بشكل عملي، يزيد من الانتماء والحب للوطن، وتتعمق لديه مفاهيم التعددية، واحترام الاختلافات.
    ولا يخفى على أحد أهمية الاطلاع على الخبرات والمعارف لدى الآخرين، والتي يكون التعارف عليها عاملا مهما في تقريب البشر نحو بعضهم بعضا، على طريق تغيير الصور النمطية السلبية، باتجاه ما هو حقيقي وإيجابي، بما يخدم قضايا السلم والتعاون الدولي.

     

    وبعد

    لقد كان فن أدب الرحلات من القدم من أكثر الفنون والنشاطات التي تسعى إلى تقريب الشعوب من بعضها بعضا.
    ورغم أن فن كتابة أدب الرحلات هو فن قديم ساهمت الحضارة العربية في ازدهاره عبر الرحالة العرب مثل الجغرافيين والرحالة العرب إلا أنه ظل كذلك فنا له قراؤه في القرون التالية، حيث ازدهر عبر الرحالة الأوروبيين الذين ظلوا حتى القرن العشرين..
    ومعروف أن مثل هذا اللون من الكتابة الأدبية مطلوب في الصحف والمجلات، ولا بد من التشجيع عليه لأهميته، حتى تولد مجلات أخرى مثل مجلة "الرحلة" لتصير هذه السنين مدرسة في هذا المجال، تؤصل الكتابة، وتعصرنها أيضا.

    خاتمة

    قد يكون بيننا اليوم رحالة من المغرب شاهدت تقريرا تلفزيونيا عنه، وليعذرني فقد نسيت اسمه، كان قد تنقل في العالم حتى وصل أقصى الشرق، وقد افترضت أنه لم يزر القدس المحتلة، والتي وصفها الرحالة من قبل، ولما كنت قد قرأت شيئا مدرسيا عن وصف القدس قديما، فإنني يا صاحبي أدعوك لقراءة ما كتبت عن القدس وأنا أحد أبنائها والمولود فيها، والتي حرّمها الاحتلال الصهيوني عليّ، لربما تقرأ أيها الصديق والزميل عنها في كتابي "برتقالة واحدة لفلسطين" لترى يا أخي حال القدس، فلي أن أدعي كرحالة أن من دوافعي للكتابة عن المكان الفلسطيني هو أن يصل صوت فلسطين إليكم، فصوتها المجروح رغم ألمه جميل وعربي..

    تحسين يقين - فلسطين