أسامة بن منقذ أرخَّ التمزق العربي قبل ظهور صلاح الدين | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    أسامة بن منقذ أرخَّ التمزق العربي قبل ظهور صلاح الدين

    د. عبد الكريم الأشتر أسامة بن منقذ أرخَّ التمزق العربي قبل ظهور صلاح الدين كتاب الاعتبار: وثيقةً حيَّة عن أطول الحروب في التاريخ , د.عبد الكريم الأشتر أحد أعلام الأدب والنقد والتأريخ في سوريا والعالم العربي. ولد في حلب سنة 1929. درس في كلية الآداب جامعة دمشق، وكلية التربية وتخرج سنة 1952. سافر إلى القاهرة، ونال شهادة الماجستير في الأدب العربي الحديث سنة 1960 من معهد الدراسات العربية العليا، وشهادة الدكتوراه في الأدب العباسي من جامعة عين شمس سنة 1962، وكان وقتها معيداً في معهد الدراسات العربية العليا (معهد البحوث والدراسات العربية). عين مدرساً في جامعة دمشق سنة 1963، وارتقى فيها إلى درجة الأستاذية سنة 1974. وسافر خلالها إلى الجزائر فعمل في جامعة وهران أربع سنوات (1969-1973)، ومنذ سنة 1979 عمل في جامعة دولة الإمارات العربية المتحدة لمدة ، عاد بعدها إلى جامعة دمشق فظل فيها إلى أن أحيل إلى التقاعد سنة 1988.
    مثّل جامعة دمشق في مؤتمرات علمية دولية عديدة خارج القطر. سمي عضواً مراسلاً لمجمع اللغة العربية بدمشق. عضو جمعية النقد الأدبي.
    من مؤلفاته: التسهيل في دراسة الأدب العربي الحديث (بالاشتراك مع عاصم بيطار) - دمشق. النثر المهجري وفنونه (جزءان)- القاهرة 1961 (ط2/ 1964-
    ط3/1970). دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل البيت- دمشق 1964(ط2/ 1967). شعر دعبل بن علي الخزاعي- دمشق 1964. نصوص مختارة من الأدب العباسي - دمشق 1965. غروب الأندلس وشجرة الدر - دراسة نقدية - دمشق 1965. نصوص مختارة من الأدب العربي الحديث- دمشق 1966. معالم في النقد العربي الحديث - بيروت 1974. دراسات في أدب النكبة- دمشق 1975. التعريف بالنثر العربي - دمشق. "شعراء العصر الجاهلي والإسلامي والأموي" بيروت 2004، شعراء العصرين العباسي والمملوكي بيروت 2005. شعر إيليا ابو ماضي، دمشق 2008. وله العديد غير هذه المؤلفات بين التحقيق والنقد والتأريخ.
    العلامة الأشتر حاز على جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عن تحقيقه لكتاب "الاعتبار" لأسامة بن منقذ، وصدر الكتاب عن "دار السويدي" في كل من ابو ظبي ولندن.
    اللقاء مع العلامة د. عبد الكريم الأشتر جرى على هامش ندوة "الرحلة العربية في ألف عام" المنعقدة في الرباط في النصف الثاني من مايو/أيار، 2009 وآثرنا أن يكون الحوار مركزاً على هذا العمل العلمي الاستثنائي الذي تحدث في الندوة:
    سألت د. عبد الكريم الاشتر:
    -أحدث إنجازاتك العلمية تحقيق كتاب "الاعتبار" لأسامة بن منقذ. ومؤخراً تحدثت عن تجربتك في تحقيق الكتاب أمام محفل علمي في المغرب. ما الذي قدمته في كلمتك إلى ندوة "الرحلة العربية في ألف عام" عن أسامة بن منقذ وكتابه "الاعتبار"؟
    - قدمت في كلمتى عن أسامة بن منقذ تمهيد ضروري لقراءة مذكرات فارسٍ من فرساننا الأعلام, أيام حروب الإفرنج, أو الحروب الصليبية، وهي المذكرات المجموعة في كتابه المشهور "كتاب الاعتبار"، والتي يروي فيها مغامراته ويويماته وأسفاره التي جاب فيها معظم أرض الإسلام, التي دارتْ عليها أحداث الحروب الصليبية، فهو دخل مملكة بيت المقدس اللاتينية, أيام الهُدَن. حجَّ إلى مكة. عاشر نور الدين بن زنكي, بطل الدعوة إلى التحرير. صاحبَ بعض خلفاء الدولة الفاطمية في مصر, وشهد مآسيَ أيامها الأخيرة. عرف بعض ملوك الفرنجة, وجالسَ صلاح الدين, وصاد الوحوش الكاسرة, في بعض غابات الشام وأحراجه يومذاك.
    كتابه الاتعبار استرجع فيه هذه الذكريات, التي سبق له أن حدَّث بها سُمَّاره ومجالسيه, في دمشق, وقد نيَّف على التسعين (570 – 584هـ = 1174 – 1188م), إذ قُدِّر له أن يعاصر أصعب مراحل حروب الإفرنج, ويشهد فتح بيت المقدس (538هـ = 1187م) ويموت بعده بسنةٍ واحدة.

    لماذا "الاعتبار"
    - لماذا أطلق أسامة على كتابه اسم "الاعتبار"، ما هو المعنى، وما هو المصدر اللغوي.. أهو من العَبرة بفتح العين، أم من العِبرة بكر العين؟
    - سَمَّى أسامة, صاحبُ هذه الذكريات, كتابه الذي جمع فيه أخباره وحكاياته "كتاب الاعتبار", حتى تُستخلَص منه العِبرة التي أرادها, وأشار إليها في الكتاب, غير مرَّة، وهو الذي قال: "إنَّ ركوب أخطار الحروب لا يَنقُص الأجل المكتوب. والعمر مُوَقَّتٌ مقدَّر, لا يتقدم أجله ولا يتأخر. والنصر في الحرب من الله, لا بترتيبٍ وتدبير, ولا بكثرة نفيرٍ ولا نصير".
    وقد روى أسامة ابن منقذ أحداث حياته ووقائعها, عبر استرجاعها على غير نسَقٍ تاريخي منظَّم, في السنِّ التي يكتمل فيها للإنسان, حين يبلغها, نضجُ الرؤية, وعمق الإدراك, وطول المعاناة, واستخلاص العِبرة, في هذه الصورة التي يحدِّث بها رجلٌ مثلُه سُمَّارَه, في مجالس سمره, فإنَّ فيها من تداخل الذكريات, وعفوية التعبير, وحرارة الأداء, ما يصل بها, في بعض الأحيان, إلى حدود الدارجة, في تلك الأيام, لصالح الاقتراب من الواقع الحيّ, حتى لتقرب, أحياناً, من أن تكون أمثلةً لبعض صياغات المحكيَّة فيه.

    قيمة هذه المذكرات
    - لكن اين تتكمن قيمة هذه الذكريات التي كتبها اسامة بن منقذ بصورة اساسية، وما هو أهم ما تحتوي عليه هذه المذكرات؟
    - إلى جانب ما ذكرنا من خصائص روايتها, تكمن قيمتها في حُسْن تصويرها لأحوال المجتمع القائم في مصر والشام يومذاك, بما يلقى من كَثْرة الفِتَن, وتفرُّق الأهواء, وغلَبة الأطماع, واختلال الأمن, وفُشُوِّ بعض التيارات الفكرية المتطرِّفة, في هذا الزمن الذي كان المجتمع يرزح فيه, تحت ثقَل غزو الإفرنج, واتساع أذاه, ونهوض الناس له. وفيها, من وصف أحوال الحياة والناس آنذاك, في بلاد الشام, وصور العادات في الأفراح والأحزان, ومكان أخبار الصالحين والشيوخ, من نفوسهم, وتصديق ما يُروى منها, مع مكان الصيد والقنص وتقاليدهما وأحكامهما, من رياضاتهم, والطير وأنواعه وما رُصد من عاداته وأحواله وصور الطبيعة فيها, وأحوال النموّ الاقتصادي الذي عرفتْه بعضُ مناطقها, من وَفرة غلاّت الأرض من الزروع والقطن والزيتون، وتطور أساليب استثمارها من نظام السقاية وانتشار النواعير والأرحاء العاملة على مياه العاصي, إضافةً إلى غنى الطبيعة, في غابات سهل الغاب وأجَماته, وغاب الروج, بين حلب والمعرَّة, ونُظُم التعامل بين الناس, وبينهم وبين السلطة ورجالها, وتنوُّع أنواع السلاح, وأساليب المواجهات العسكرية, وما يسميه أسامة "التحرُّز" و"التحصين" و"الترهيب" و"التخييل", وأنواع الألبسة العسكرية, وسياسة الأحصنة والخيول في أوقات السَّلم والحرب, وتنظيم الحصون والقلاع والبيوت, والمدن وأسوارها, وأثر التبادل الحضاري الذي تمَّ في هذه الميادين كلها.
    وفيها, من صور الحياة في مصر, آخر أيام الدولة الفاطمية (540 – 549هـ), وقد مضى, من عمر الحملة الصليبية الأولى, أكثرُ من أربعين عاماً (490هـ = 1097م), قامت فيها المملكة اللاتينية في بيت المقدس, والإمارة الصليبية في أنطاكيَّة, والكونتيَّات في الرُّها وطرابلس ويافا وعسقلان, ما وسعتْه ذاكرة أسامة, من أحداث الفوضى السياسية والاجتماعية, وما صحبها من حبك المؤامرات في دهاليز القصر, ووقوع الفتَن في عسكر الفاطميين, على نحوٍ نفتقد بعض تفصيلاته الحيَّة, في كتب التاريخ التي عرضت لهذه المرحلة الأخيرة من حياة الدولة الفاطمية في مصر. وربَّما خالفتْها في بعض رواياتها.

    يتعلمون من العرب
    - ما هي مصداقية ما يرويه اسامة بن منقذ من مشاهد ومرويات في مصر الفاطمية على سبيل المثال... ؟
    - ما يرويه أسامة في "كتاب الاعتبار" يرويه شاهدٌ فطِن, خالَط الأحداث, من أرفع مواقعها وأقربها إلى مواطن أسرارها. وفي الكتاب تفصيلاتُ تحرُّكه في قلب الأحداث, وتنقُّله في خطوط المواجهات, في طريقه, من القاهرة, موفَداً من قِبَل الملك العادل عليّ بن السَّلار إلى نور الدين الشهيد, في دمشق, وصور الأوضاع في سَيْناء والجَفْر, وحياة الأعراب البائسة فيه, وبُصرى والبتراء, ومنازلة الإفرنج في "عسقلان" و"يُبْنَى" و"بيت جبريل".
    ثم إن فيها ما يمكن أن يُعَدَّ وثيقة حيّة, قلَّ نظيرها, في رصد إحساسنا بالتفوق الحضاري العام, في القرون الوسطى, أعني: التفوق في الأسلوب الذي كنا نتناول به حياتنا العملية، من ذك تأثر الفرنج بالعرب والمسلمين في اللباس ومجالس الطعام, وعاداتهم في الاستحمام, مما تُقتَبس صوره عن حياتنا الاجتماعية وأسلوب ممارستها آنذاك, ونُظُمها في السياسة والاجتماع والتربية والعمل, ونظرتنا إلى الحياة والإنسان, وما ينتج عنهما, من نتاج العقل والمادَّة والروح, إذ لم يكن عند هؤلاء الغزاة الصليبيين, على ما يروي أسامة في الكتاب, ما نتعلَّم منه. وقد كانوا, في كثرتهم الغالبة, عساكر وفلاحين يعيشون في قلاع وحصونٍ مفردة, حتى لَيرى فيهم "بهائمَ فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير, كما في البهائم فضيلة القوة والحمْل. وسخِر منهم, ومن أحكامهم وطبِّهم وفقههم, ويَدين قسوة قلوبهم, وبداوة طباعهم, وجفاء أخلاقهم, ويَعجب من ضعف غَيرتهم على أعراضهم, وقلَّةِ نخوتهم: "يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته, يلقاه رجل آخر, يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدَّث معها, والزوج واقف ناحيةً ينتظر فراغها من الحديث. فإذا طوَّلتْ عليه خلاَّها مع المتحدِّث ومضى"! "ما فيهم, [كما يقول], غَيرة ولا نخوة, وفيهم الشجاعة العظيمة, وما تكون الشجاعة إلا من النخوة والأنَفَة من سوء الأحدوثة".

    أحوالَ الغزاة
    - هل تظن أن اسامة بن منقذ يقدم رواية عن سلوك الصليبيين وأخلاقهم فيها مبالغة. أم تظن أن ما ينقله أسامة كان دقيقاً ولا مبالغة فيه؟
    - نعم، ولا شك عندي في أمانته ودقته، وقد نجد, في التاريخ, تصديق بعض مرويَّاته. فابن الأثير, في "تاريخه", وهو من معاصري أسامة, يقول عن الصليبيين: إنهم "كانوا شَرذَمةً من الوافدين من كل بلد, يستبيحون الأقوات والحرُمات بلا رادع, ويستهينون بالمقدَّسات الدينية". وفي التاريخ أيضاً أخبار عن الفساد الخلُقي الذي استشرى فيهم, لِما يصحَب الحروب عادةً, من انفلاتٍ من قيود المجتمع وضوابطه وآدابه, ومن المَيْل إلى إغراق النفس الشقيَّة, بما هي فيه, في اللذائذ الحسِّية. ويقول العماد الأصفهاني, في "الفتح القُسِّي": كان يُؤتى للمحاربين بمئات النسوة من الغرب, ممَن وهبنَ أنفسهنّ "لجنود الربِّ الأتقياء". على أن في الكتاب صوراً أخرى طيبةً, ذكرهم فيها بالخير, مما يعني توثيق قوله فيهم, وإن لم يذهب بحقيقة شعوره. وتبدو قيمة الروايات, من الجانب الآخر, في قوة تصويرها أحوالَ الغزاة الأوربيين, في نظر مقاتلينا يومذاك, يمثِّلهم صاحب الكتاب الذي يشهَد له بروكلمان "ببلوغ غايةٍ عجيبة من النزاهة والتجرُّد في أحكامه على المسلمين والنصارى جميعاً". فمن هذا الجانب, جانب المواجهة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي, يبدو الكتاب وثيقةً حيَّة من وثائق حروب الإفرنج, أطول حروب التاريخ إلى اليوم, لم يعبأ أسامة فيه بأخبار المعارك, قدْر ما كان يعبأ, عن طريق تصوير السرد واستحضار المواقف, بحياة الناس التي تجري تحت سطح الأحداث الدامية, ويقف عند الصور العميقة المؤثرة, بما كان يقع منها, داخل بيوتهم, وفي مواطن جِدِّهم ولهوهم, وما كانوا يقولونه لأنفسهم, وهم يواجهون هذا العدو الغريب الذي جاءهم من الأرض الكبيرة (أوروبة كما كانوا يسمونها), يتكلم لغةً غريبة لا يفهمونها, فظاً غليظاً لم تصقله الحضارة, جهماً ضخماً لا تسعه العَين, "يُستعاذ بالله منهم". ومن هنا يتهيأ لمؤرخي التبادل الثقافي والنمو الاجتماعي لهذه المنطقة, أن يجدوا في الكتاب, صوراً دالَّة, لعملية المُثاقَفة التي تمَّتْ بين شعوبها, من ناحية, وبينها وبين شعوب الإفرنج, من ناحيةٍ أخرى.

    كتاب شخصي
    - هل نستطيع أن نستخلص من الكتاب شخصية مؤلفه أسامة بن منقذ، أم أن الكتاب كله مكرس للمشاهدات والملاحظات، أكثر منه لليوميات الشخصية؟
    - في نظري أن الكتاب بمقدار ما هو سجل حي لزمنه وللحياة العامة في زمنه، هو سجل شخصي أيضاً. ويشخَص لنا أسامة, في جملة الكتاب, من الناحية المقابلة, فارساً عربياً مسلماً, يحفظ تقاليد الفتوَّة الإسلامية, في أحسن مظاهرها وأقواها: الشهامة, والإقدام, والجرأة, والالتزام الخلُقي, ويُخلِص لمعاني انتمائها, ومعايير سلوكها, ويغار عليها. بصيراً بأحوال المعارك, قادراً على فهم ملابساتها وتحمُّل تبعاتها. وفيَّاً لقومه وأرضه ودينه, على ما سِيق إليه, من الوقوع في شبكات الأحداث المعقَّدة, في مصر والشام. عميقَ الإحساس بالروابط التي تشدُّه إليها, وتضعه في مواضع الدفاع عنها, من دون التعصُّب الأعمى لها. مزهوَّاً بها, عاقلاً جريئاً متحرراً في أحكامه, يُحسِن ذوقَ الكلمة وفهمَها, ويضعها مكانها من تراث قومه, ويصلها به شعراً ونثراً. حُلْو المسامرة, يمثِّل لأهم صفات الرجال الكبار الذين يراهم ينتسبون إلى أمته, ويُظهر أمضى أسلحتها, في المعترك الذي خاضوه: إيمانهم بالله مقدِّر الأقدار ومُوَقِّت الآجال والأعمار, إلى جانب إحساسهم بتفرُّد شخصيتهم الذي جمعهم, على اختلاف الأصول, ووقَفَهم, من الغزاة, موقفَ المؤمن بالنصر, القادر على صنع أسبابه, على امتداد المعركة الطويلة, وعلى ما عانَوا فيها من تمزق الشمل وتخاذُل القيادات وتغليب مصالحها الذاتية الضيقة, أحياناً كثيرة, قبل أن يَشغَل الساحةَ البطلُ الذي تهيأتْ الظروف لظهوره, في ليالي المحنة الحالكة. ويصوِّر, إلى جانب هذا, مشاهد رائعةً من ثبات قومه, رجالاً ونساءً, ومن تماسكهم وتدافعهم على الفداء, وإيمانهم بقدرتهم على المغالبَة, حتى لَينام الواحد منهم بأسلحته, ليكون على أُهبة القتال, ويندفع إليه عند أول بادرة. وقد يُطعَن أحدهم بالقُنطارية (نوع ثقيل من حديد الرماح kontarion), فيمسك بها, وهي في فخذه, يأخذ الإفرنجي يجذبها ليأخذها, والمطعون يجذبها ليأخذها, فترجع في فخِذه "حتى قوَّرتْ فخذه, واستلب القُنطارية بعد أن أتلف فخذه, ومات بعد يومين. أتقنوا استخدام السلاح, واستجابوا لحاجات العصر, وتكتيكات المعارك والهُدَن فيه.
    وقد كان يمكن أن تُستخلص, في النهاية, من هذه المواجهة غير المسبوقة تاريخياً في شمولها وحدَّتِها وطولها, وهي آخر المواجهات العامة التي كنا فيها نحن العرب الأكفياء الموسومين بالقدرة والامتياز, قبل أن يشيلَ بنا الميزان, بعد توقف العثمانيين, وسقوط الأندلس نهائياً في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي, ويتحوَّل لقاؤنا بالغرب, من بعد نهضته الشاملة, وإقامة مؤسساته الصناعية, والتحوُّل الاجتماعي الذي رافقها, في نهاية عصر التنوير, إلى معارك خاسرة, في معظم الأحيان, ومن ثَمَّ إلى الدخول في عصر الاستعمار الغربي, إثر حملة نابوليون على مصر.
    نقول كان يمكن أن تُستخلَص من هذه المواجهة الشاملة التي فرضها الغرب علينا يومذاك, قيَمٌ أخرى تبشر بالسلام والتعايش وتبادل الأفكار وقَبول الآخر. فقد انعقدتْ, في غمرة هذا الصِدام الدامي, علاقات رسمية, وروابط إنسانية, وهُدَن, واتفاقات اقتصادية, وزيارات ودعوات وعقود زواج, ومخالطات في الأسواق والحمَّامات والبيوت والمزارات (في "الاعتبار" صور معبرة عنها) كانت تتَّسع مع الأيام, ويتم فيها تبادلُ الهدايا والطُّرَف, وتعرُّفُ كل طرفٍ على سمات الحياة عند الطرف الآخر, وصفاتُ ثقافته, ويثمر الاحتكاك بالأسرى والرهائن في أزمنة الهدوء (وقد زادت كثيراً على أزمنة الحرب, كما لاحظ بعض المؤرخين) مزيداً من النفوذ في ضميره العام, بحيث تكون الوراثات المتخلِّفة عنها مختلفةً تماماً عن وِراثات اليوم, وإن لم يعنِ هذا, في أي وقتٍ من الأوقات, بالنسبة إلينا, تراخياً في التمسك بثوابت التحرير, وبالسعي إلى إدراك مقاصدنا المشروعة, في آخر الطريق. والذي نريد أن يعنيَه هذا الكلام الذي نقع على مقدِّماته في "الاعتبار", العملَ على تصحيح عملية التوازن المعرفي المختلَّةِ بيننا وبين الغرب, والقدرةَ على إنتاجها في جميع الميادين, سعياً وراء الخروج من دائرة الإحساس بالعوَز الحضاري الذي يتعزَّز فينا كل يوم, من دون أن نخسر هُويتنا الثقافية, ونفرِّط بثوابتها.

    حاجات الصراع
    - نحن نعرف أن اسامة بن منقذ ترحل كثيراً وطاف في بلاد عدة ما بين مصر والشام... ما الذي كان يحمله على ذلك.. أهو هوى الصيد والفروسية وحسب، أم كانت له أهداف ومساع أخرى؟
    -لم يكن طواف أسامة بن منقذ في بعض أنحاء العالَم الإسلامي التي غزتها جيوش الفرنجة, أو احتلتها, وبعض المدن القريبة منها, بقصد الترحُّل والسياحة والاطلاع على أحوال أهلها ونُظُم حياتهم, استجابةً لحاجات داخلية تجعل من الرحلة إليها كسباً لغنى فكري ونفسي وثقافي عام, كما يفعل الرحالة في التاريخ. ولكنها كانت استجابةً لحاجات يمليها الصراع مع الفرنجة, أو قضاءً لمهمَّات ينتدبه لها بعض مَن كان أمر الصراع بأيديهم, من المسلمين. صحيح أن النتائج, بين الأمرين, تكون متقاربةً, في كثير من الأحيان. ولكنها حقائق المرحلة التاريخية, السياسية والعسكرية والدبلوماسية, التي لابد أن تفرض نفسها على الرحلة, وحقائقَ الواقع والصراع على الأرض, لا بد أن تستأثر بها, أعني: حقائق الزمان والمكان, وحال الإنسان بينهما, ينبغي أن يُحسب لها حسابٌ في تقويم النص الذي ينتهي صاحب الرحلة إلى كتابته أو إملائه, بعد العودة من رحلته.
    نعم! لقد وفَرت الرحلة, في مثل الحال التي نحن فيها, وصفاً لمواقف الاحتكاك بالشعوب الأخرى, في العالَم المقابل, ولكنها, هي أيضاً, كانت في حالٍ خاصة, تمليها حقائق الصراع المفروضة, وإن أفضت بعض صور سلوكها, بحقائق حياتها الطبيعية وصورها, في بلادها, وبتقاليدها وأحكامها ونُظُمها وعلاقات أهلها بعضهم ببعض.
    وقد كانت هذه هي الفرصةَ السانحةَ لصاحب الرحلة, في مثل الحال التي صوَّرناها, زماناً ومكاناً وظَرفاً إنسانياً قائماً. لقد كنا نحن العرب أصحابَ السبق والتفوق, بشهادة الغزاة أنفسهم. ومن ثَمَّ تمَّ تصوير هذه الحال وتوثيقُها في نصوص الكتاب, فدخلت التاريخ من هذا الباب الذي يبدو غريباً, إلى حدِّ الإثارة, في أنظارنا, نحن مواطني المدن والقرى التي شملتها رحلاتُ أسامة المتتابعة, على مدى يقرُب من قرن, في أقوى مراحل الصراع, وأشدِّها شراسة, وأكثرها, في الوقت نفسه, قدرة على البوْح بحقائق الحال, من الجهات كلها: الاجتماعية والسياسية والعسكرية والتنظيمية.
    كانت بداية الصراع تمتد قروناً من الزمان منذ بدأت تتكون, لهذه المنطقة من غرب آسيا, هُويةٌ خاصة, أملتْ مضامينها المكشوفة دعوةٌ دينية جديدة (غزوة مؤتة, أيام النبي r الأخيرة), واستمرَّ الصراع أيام الأمويين والعباسيين والحمدانيين. وكانت وقَعَاتُه كلها مقدمة لهذه الحروب الطويلة الشاملة التي سمَّاها الفرنجة أنفسُهم: الحروب الصليبية Les croisades, وبلغ فيها احتكاكنا بهم حدَّ المعايشة والتداخُل في البيوت والحمَّامات ومواطن اللهو والقضاء.
    والذي نحمَده لأسامةَ, في كتابه, تخلُّصُه من ضغوط هذه الوراثات كلها, في مواطن الحكم الشامل على الغزاة.

    وصف العمل
    - فهل نستطيع أن نقول: إن ما أملاه أسامة في الكتاب يمكن أن يعدَّ عملاً إيتنوجرافياً تفرَّغ فيه لوصف الأوضاع الاجتماعية والإنسانية للغزاة الفرنجة, في هذه المرحلة من الصراع الشامل؟ وهل يمكن أن يدخل ما كتبه ضمن الدراسة الحضارية الأنتروبولوجية لهذه الشعوب الغازية, كما يريدونها أن تكون؟
    - بالنسبة لي أرى أن تكون مراعاة حقائق الزمان والمكان والأحوال الفكرية والنفسية التي صاحبت إملاء نصوصه, مما يُحسَب حسابُه في الجواب عن مثل هذه الأسئلة. فهل يعني ما ذكره, من أخلاق الفرنجة, في بلادهم, مثلاً, أن يكلِّف الرجل, وهو في الحمَّام, أحد العاملين فيه, أن يحلق عانة ابنته, من الأحوال العاديَّة فيه؟ لسنا نستطيع, مع هذا, أن ننكر تفصيلات الصورة كلها, وأن نتغافل عن وقوف كاتبها على حافَة الحياد, في مواقفَ أخرى عرض لها, من أخلاق القوم وطبائعهم, وامتدحهم فيها. ولا يصحُّ أن ننكر صدق الصورة, في جملتها, بالنسبة إلى قومه, وإلى الغزاة من الفرنجة, على حدٍّ سواء, إلى الحدِّ الذي يجعل منها صورةً متكاملة يُنظَر إليها في دراسة أحوال الفريقين معاً. وهذا أكثر ما يُطلب الاحتفاظ به, مما يكتبه الرَّحَالة, على العموم. وهذا الذي لفت المؤرخين والدارسين إلى الكتاب, من الفريقين, فامتدحوه امتداحاً متصلاً, فأُخرج وحُقق وتُرجم إلى اللغات العالمية, وكان ما قدمتُه, في تحقيقه وضبطه وشرحه والتقديم له, آخر ما صدر, في علمي عنه.

    ميزات هذا التحقيق
    - نحن نعرف أن هناك من سبقك إلى تحقيق هذا الكتاب، فما الجديد في تحقيقك؟ له هل لك أن تضعنا في صورة ما قدمته في هذا التحقيق لكتاب "الأعتبار"؟
    - الواقع أنني أفدتُ, في عملي على تحقيق الكتاب, من كوني ابن المنطقة الشامية, قريباً من ساحة الأحداث ومواقعها التي يصفها الكتاب, وقريباً من دارج لغتها. وسلكتُ, في ضبطه وتحقيقه وشرحه وإخراجه, مسلكاً وجدتُه أنفذَ إلى حقائقه العامة, والإحاطة بها فرتبتُ مقاطع الأخبار, حسْب مضامينها, بدايةً ونهاية ترتيباً خاصاً, وسميتها "الفِقَر", من دون أن أُدخل عليها شيئاً من عندي. واخترتُ لها أرقاماً متسلسلةً يسهُل الرجوع إليها, للوقوع على الخبر الذي نريده. ووضعتُ لها عنوانات, في رأس الفِقْرة, لتكون أدلَّ على مقاصدها.
    وتوسَّعْتُ, ما أمكن التوسُّع, في الشرح والتفسير. واكتفيتُ, في التعريف بالأعلام, بما يفي بحاجة القارئ منه, دون إغراقٍ في إيراد أسماء كتب التراجم.
    وأكملتُ, داخل الأقواس المُرَكَّنَة, وفي مواضع قليلةٍ جداً, بعض ما سقط من الكلمات, في ظني, مما يقتضيه السياق. وضبطتُ ألفاظاً كثيرةً تقتضي الضبط, وتوسَّعتُ فيه على غير مثالٍ سابق, لأقرِّب نصوص الكتاب من كل قارئ, مهما بلغ من تحصيل الثقافة التاريخية والأدبية العامة.
    ورأيت أخباراً قليلة جداً, هي, في الأصل, نصوص محفوظة أو منقولة من بعض الكتب, لا صلة لها البتة بالموضوع الأصل, فتركتها في مواضعها, ودللت عليها, من بداية الخبر, بنجماتٍ ثلاث، حتى يتتبَّع القارئ خيوط الخاطر الذي أملاها, في مواضعها, ويقدِّر بواعثها النفسية, ودلالاتها الاجتماعية والتاريخية.

    1