رحلة فتاة سودانية إلى الصين | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    رحلة فتاة سودانية إلى الصين

    كانت فكرة خروج أول وفد نسائي سوداني إلى الصين أمراً حاطه الكثير من عدم الرضى والتخوُّف إن لم يكن الاستنكار، إلا أنه حدث فك عقال عشر فتيات سودانيات في وفد نسائي إلى الصين الشعبية، وكوني إحدى عضوات الوفد كان حظاً كبيراً بل فرصة العمر. إنني لأحاول هنا أن أسدي في تواضع إن لم يكن في تفاؤل شديد إلى هذا الشعب العظيم، ذرة من فضائله، أو قطرة من محيط زاخر بالعطف والأمل، والتفاؤل والجمال، واليقظة والثقة في مستقبل الإنسانية، ورفاهية العالم الذي تساهم الصين ولا شك في توطيد دعائمه بأوفر نصيب، وكل المشاعر النبيلة التي ملأتنا بها زياراتنا واتصالنا بهذا الشعب.

    الكتاب: رحلة فتاة سودانية إلى الصين
    المؤلفة: خديجة صفوت
    الناشر: دار السويدي- لندن-ابو ظبي 2006

    خديجة صفوت الكاتبة والباحثة السودانية، المقيمة منذ زمن طويل في أكسفورد، واحدة من أبرز الباحثات في حقل الاقتصاد السياسي والتنمية والقضايا النسوية. وهي أستاذة أكاديمية عتيدة، عنيت لسنوات طويلة بمبادئ نظريات التنمية، ولها في هذا المضمار العديد من إصدارات بالإنجليزية والعربية والبرتغالية والفرنسية. ومن أعمالها اللافتة للاهتمام بالعربية كتابها "الإسلام السياسي ورأس المال الهارب" المنشور سنة 1995.
    المثير للاهتمام أن الكاتبة، ومنذ أواسط الستينات، عنيت بكتابة أدب الرحلة، في وقت كانت كتابة اليوميات عن الأسفار وخلال الأسفار حكراً على الرجال، فوضعت ونشرت كتابين الأول عن رحلة لها إلى الصين، هو هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وقد نشرت طبعته الأولى أواسط الستينات تحت عنوان "أفراح آسيا"، وكان ثمرة جولة لها في الصين، والكتاب الثاني تحت عنوان "ستار الصمت"، حول أفريقيا البرتغالية وظهر في 1971 على إثر رحلة طويلة في افريقيا البرتغالية، غينيا بيساو وموزانبيق وصولاً إلى زيمبابوي. وكتاب "رسالة إلى بولينا لومومبا" وضعته على إثر إحباط ثورة باتريس إميري لومومبا. ومن دراساتها بالإنجليزية بحث تحت عنوان "تنويعات الاستبداد الغربي/الشرقي: المفهوم والممارسات"، وشاركت في وضع "الموسوعة العالمية للمرأة"، وهو عمل موسوعي كبير صدر عن "دار راتليدج Rutledge" في كل من نيويورك ولندن وسيدني. ويصدر لها خلال هذا العام 2006 باللغتين البرتغالية والعربية طبعتان من كتاب جديد وضعته بالاشتراك مع المفكرة النسوية البرتغالية ذات الأصول الموريسكية، مريام جوزف أومارا، تحت عنوان "النسوقراط"، وله عنوان فرعي شارح هو "تأنيث التاريخ، وإفقار سوق العمل: الاقتصاد السياسي لوأد البنات"، وقد وضعت الترجمة العربية للكتاب بنفسها. ويصدر لها في بيروت في أواسط هذا العام أيضاً كتاب تحت عنوان "الطرق الصوفية والأحزاب الحديثة في السودان".

    هونج كونج
    "شبه جزيرة كارلون"Carloon Peninsula تكون المستعمرة الغنية الكبيرة المزدحمة، والمدينة تزخر بمظاهر الذوق الإنجليزي ولولا عراقة الفن الصيني لطغى على ما عداه. والناس بالمدينة موسرون ينعمون بكل وسائل المدنية الحديثة التي صنعتها "الأيدي" البريطانية من أجل الاستمتاع خاصة. فالشعب في هونج كونج طبقتان، طبقة تعاني الفقر المدقع وتكدح ليل نهار من أجل لقمة العيش البائس، وهؤلاء الأغلبية. وطبقة التجار وأصحاب الحانات. إن المهن الرائجة والمشروعة هي التسول والدعارة والاحتيال ومستوى الأخلاقيات واطئ إن لم يكن منحطاً.. فالفتيات لكي يجارين الوضع ينجرفن عن الطريق القويم كوسيلة سهلة إلى الترف والحياة الرغدة.
    والمدينة ازدحام وسلع مغرية وفتيات متأنقات في تذبل جميلات في صناعة -غالباً ما تُفسد الأصل- وتقاليد وظاهر أبعد ما تكون عن جو الشرق وشهرة الصين الواسعة في التحفظ والمثل والسمو. ومن المناظر المألوفة تأبط جندي بريطاني لفتاة مخمورة معطرة وتأرجحهما في عناق على قارعة الطريق. ومظاهر الهوى المباح بالثمن "متفشية"، وواضح أن هذا الانحلال من "صنع إنجلترا" إذ أن المستعمر يستتب له الأمر كلما كان المسرح محتكراً مصادر الجهود والقيم، كما يتسنى له إخراج مسرحياته البشعة.
    ومباني هونج كونج فخمة في فخامة وتكاثف وكذلك الحوانيت وذلك راجع إلى سمعة المدينة السياحية وشهرة بضائعها وتحفها، فهي مركز هام للتجارة كما أنها ثغر لا تقيده القوانين الجمركية Free Port.
    وبقدر ما في المدينة من ترف وبقدر ما تنال نساؤها من وسائل عدة لكسب العيش تشح الفرص وتصعب الحياة بالنسبة للمزارعين وسكان الأرياف.
    والفلاح في هونج كونج فقير وفقره يبدو واضحاً على كوخه ومزرعته الضيّقة التي ترويها مياه الأمطار المتساقطة طوال العام، المنحدرة من أعالي الجبال المحيطة بالأودية المزروعة.
    وكل الزراعات تقوم على المجهودات الفردية بإمكانيات محدودة، ما يزيد من انقضاض الحاجة على كاهل المزارع. هذا إلى جانب الاستغلال الفاحش الذي يعانيه الشعب عامة والفلاح خاصة، مما يؤكد أن هذا لا يمكن أن يستقر، والشعب وإن بدا راضخاً في استكانة إلا أن الثورة تبدأ دائماً بفترة التحفز وهدوء ما قبل العاصفة، ولا بُدّ أن يُثار الكوخ الحقير الذي يلتصق في تداع بالجبل يتحامى في شموخه، لا بُدّ أن يثار مثل هذا الكوخ من القصر الرابض في قحة وتحدٍّ.
    وقد ظهرت بوادر تلك الثورة وأُريقت أولى قطرات الدم النجس منذ بضعة أسابيع في هونج كونج تغسل بعضاً من العار والثأر.
    والفلاح في هونج كونج يزرع الخضروات والفاكهة ومحاصيل المناطق الحارة ويربي حول كوخه الدواجن والخنازير. وبَدَهي أن كل نتاج تلك المزارع يذهب إلى القصر الأبيض الذي يقع على الربوة المطلة على الوادي، ومثل هذه الفيلات متناثرة في الريف تحكي في وضوح قصة الفوارق الطبقية والاستبداد والاغتصاب السافر لحقوق الإنسان المشروعة.

    4
    في "يوو" دخلنا الحدود الصينية لجمهورية الصين الشعبية، وكان في استقبالنا أعضاء وعضوات الاتحاد الديمقراطي لجمهورية الصين. ولست أدري ما الذي دفع إلى النفس الشعور بالاطمئنان والراحة وكأني دخلت أرضاً أعرفها من قبل. لعلها الابتسامة التي تعلو الوجوه في وُدٍّ يحمله متقبلونا بين أعينهم، أو لعله شعور المُجْهَد "الذي وصل أخيراً".
    وعلى طول الطريق عبر رصيف المحطة إلى الاستراحة كانت هناك صور تحلي الجدران، رائعة ملونة في دسامة وغنى ألوان الحياة التي أمامنا. نراها متضافرة مع مجد الصين السالف العظيم. وكل الصور تمجد الأمومة والطفولة، والحصاد والسلام، فأي مجد، وأي روعة!
    وفي الاستراحة كان طعام الإفطار في انتظارنا، وكان علينا أن نتناول -لأول مرة- طعاماً صينياً، المائدة حافلة بألوان شتى وبما لا يقل عن عشرين صنفاً كلها غريبة على ذوقنا السوداني.
    وبدأنا نجامل وإن لم نستطع استعمال الشوكتين التقليديتين في تناول الأرز وخلافه. والصينيون يحبون الملح كثيراً فكل الأطعمة تكاد تكون مالحة ولا يخفف من حدة طعمها سوى الزيت الذي تُطهى به. فأكلنا وحاولنا أن يكون ذلك في تلذذ، وبعد الطعام.. بعد أن انتظرنا المضيفة للانتهاء من طعامها "فهم يأكلون كميات كبيرة من الطعام بعكس ما نفعل" أخذنا نتجاذب أطراف الحديث، وكان طبيعي أن نسأل عن نوع الطعام الذي أمامنا، وسرعان ما وقفنا أمام مفاجأة. كانت الأطعمة كلها من نبات وحيوان البحر "المحار" -عقرب البحر- أبو جلنبو ثم نبات "المشروم" الذي ينمو في جنوب السودان بكثرة، والأطعمة المصنوعة منه تعد من ألذ الأطباق عند الصينيين- ولم أحاول الاستفسار عن باقي الأطباق فقد تنهار البقية الباقية من مقاومتي على الاحتفاظ بالطعام في أمعائي "المقلوبة".
    وبدأت الرحلة من الحدود إلى بكين عاصمة الجمهورية الصينية وتستغرق أربعة أيام بالقطار شمالاً، نمر خلالها على أهم مدن الجنوب.
    ومن هنا تبدأ المزارع التعاونية مباشرة عبر حدود الصين الشعبية.
    ومن أمتع المناظر منظر الريف الصيني الغني بكل ألوان النباتات والزرع. فالجنوب ينتج الأخشاب من غابات الجبال، والقمح والأرز على السفوح وفي الوديان الخصبة ذات الري الطبيعي غالباً، فالماء ينحدر من عيون عذبة على الجبال حتى بطون الوديان. ونهر "اليانجس" الرهيب يمر بأجزاء واسعة من أراضي الجنوب.
    وجنوب الصين من مناطق التعدين وأخصب أقاليم الزراعة كما يمتاز بالغابات الجبلية التي سن من أجلها قانون الأشجار عام 1950م ونظم بموجبه تقطيع الأشجار والإفادة منها وتحرم إتلافها أو قطعها بغرض إتلافها أو حرقها.
    وكان ذلك عقب الانسحاب الأخير بجيش تشاين كاي تشيك أمام الجيش الأحمر وعندما صبت قواته الجوية قنابل حارقة فوق غابات جزيرة هينان جنوب كانتون.
    وقد صاحبنا مزارع الأرز "الياري" الشاسعة على مسافة رحلة بالقطار لمدة أربعة أيام.
    ويمر بأراضي الجنوب نهر اليانجس الجبار ذي الأذرع العديدة الرعناء. وقد كان الجنوب مهد انتصارات قوات الشعب. وأولى بوادر التطورات الإصلاحية تبرعمت في ولايات الجنوب.
    فقد اتخذ منها الدكتور صن يات صن قاعدة لتحركاته الثورية إبَّان عمله كطبيب ثم كمصلح ثم كثائر عقب عودته من هونج كونج.
    وكان يمارس مهنة الطب في كانتون مستغلاً اتصاله بالفلاحين. والفقراء وصداقته لهم في نشر تعاليمه الثورية.
    وقد حكت ولايات الجنوب عن صن قصصاً خيالية تقارب الأساطير حول "ألوان يو لو" وعن صلابته العظيمة وثقته بالشعب.
    وكان طبيعياً أن تتمركز نشاطات رابطة الثوريين الصينية التي أعلنت باسم وبزعامة دكتور صن أول جمهورية شعبية بعد جمهورية الستيج في 10 أكتوبر 1911م في كانتون وهونان ونانكين.
    وقد تألفت الرابطة من الرأسماليين الوطنيين الذين نموا كطبقة مع بداية القرن العشرين وخلال الحرب العالمية الأولى وانصراف قوى الغرب وكانوا مناهضين لحكومة المانشو ومن البورجوازية الراديكالية الصغيرة ومن البورجوازيين والبورجوازية الوطنية بالإضافة إلى أعيان الهان، خصم أسرة تشنج الحاكمة. تكونت هذه الرابطة في عام 1905م وعند إعلان الجمهورية بويع صن يات صن رئيساً مؤقتاً لها.
    فعلى إثر قيام حكومة المانشو بإصدار قرار تأميم حق بناء خطوط السكة الحديدية الخاصة في البلاد تمهيداً لرهنها للقوات الأجنبية أضرمت مظاهرات نظمها الطلبة والعمال في هونان وكوانتج الثورة في جميع أنحاء البلاد وكان التمرد لفترة كافية لإعلان مقاطعة بعد أخرى استقلالها عن حكم المانشو.
    وفي 1912م تنازل آخر أباطرة الصين عن الحكم وكان الجنوب قد أعلن دستوراً مؤقتاً للجمهورية الجنوبية.
    إلا أن الرابطة كانت تضم متناقضات متنافرة مما أوجد صداماً وتضامناً عنيفاً بين الجيش واليسار انتهى باستقالة دكتور صن يات صن في فبراير 1912م رغبة منه في الحفاظ على وحدة الجبهة الوطنية.
    ولم تؤد هذه الانقسامات التي كانت سبباً في "مجرد فشلنا الثالث عشر" إلا أن مضاعفة صلابة الصخرة العتيدة.
    واستمرت الثورة.
    محاولة إثر الأخرى لبناء جمهورية ثورية صينية متخذة من هانكاو تارة ومن كانتون أخرى قاعدة ومركز انطلاق، تبلورت حول أهدافها جماهير الشعب مؤلفين حزب الكومتنانج أقوى الأحزاب الوطنية. وقد تحدد اتجاه الوطنيين بشكل قاطع: مناهضة الاستعمار والإقطاع والرأسماليين الخونة.
    لقد أخذ الكومتنانج على عاتقه مهمة حمل صليب الشعب الذي لم يدع يوماً لا مبالاة مشؤومة تسيطر عليه وتصرفه عن أعدائه الحقيقيين من بعد كما كان من قبل.

    5
    كانتون عاصمة الجنوب
    تقع كانتون في الجنوب الشرقي للصين وعلى الضفة الشمالية لنهر اللؤلؤ ولعل موقعها على مصب النهر نحو المحيط ما أكسبها أهمية استراتيجية وتاريخية بالغة.
    وتمتاز كانتون بكونها عاصمة الجنوب وتهتم بصناعة السكر والحديد وبإنتاج الفاكهة والأرز والشاي والتبغ أيضاً.
    أما أهميتها التاريخية فترجع إلى القرن الثامن عشر، بداية تجارة بريطانيا. وقد كانت كانتون من أكثر مدن الصين تعرضاً لهجمات القراصنة الأوروبيين والمقامرين والأفاقين. وعن طريق هؤلاء القراصنة تسربت آفة من أخطر الآفات التي رزئت بها بلاد الصين وهي تجارة الأفيون التي جرت على الصين حرباً كانت نتيجتها وقوع البلاد تحت سيطرة الاستعمار الطويل ولأول مرة في تاريخها العريق.

    حرب الأفيون (1840 – 1842م)
    كانت التجارة الخارجية محصورة موقوفة على ثغر بكين منذ حكم المانشو في عهد أسرة تشنج في القرن الثامن عشر. وقد استمرَّت تجارة الصين مع الغرب وأساساً: بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة حتى عام 1840م. وكانت بريطانيا تحتل الصدارة من تجارة الغرب مع الشرق الأقصى في القرن الثامن عشر. وقد غزت البضائع البريطانية أسواق الصين على نحو مطرد وخاصة المنسوجات. وكانت الصين تؤلف سوقاً واسعة لصناعة الغزل والنسيج البريطانيين الناميين.
    ومن هنا خرجت بريطانيا العظمى لفتح الصين عن طريق شركة الهند الشرقية.
    كانت بريطانيا تحتاج شاي الصين وسكرها في مقابل ذلك.
    وكان الميزان التجاري لصالح الصين. فقد أصبح لزاماً على السفن التجارية تفريغ حمولتها مقابل مشترياتها من الصين.
    وجاء الأفيون. ليحد ويجتث وبالنهاية -وفي القرن التاسع عشر- ليحول اتجاه الميزان. كان ذلك في عام 1781م وفي خمسين عاماً أخرى ارتفعت نسبة تجارة الأفيون مع الصين إلى 40 ألف صندوق.
    وكان لا بُدّ للربح الفاحش من تلمس طريقه لتجارة أوسع من جانب التجار الأوروبيين، فتصدع الدخل القومي وتدهورت الأحوال الاقتصادية.
    وكان أسوأ ما في الأمر تضخم رؤوس الأموال لدى تجار كانتون وموظفي الجنوب ما دعا حكومة المانشو إلى تحريم تعاطي الأفيون ومنع تجارته. وفي سنة 1839م أُرسل لين تسي هشو لمراقبة عملية المنع حيث صادر عشرين ألف صندوق من الأفيون أحرقها في كانتون، الأمر الذي جر على الصين أخطر حادث في تاريخها. فقد أعلنت بريطانيا الحرب إذ لم تحتمل الخسارة الفادحة.
    وانتهت حرب الأفيون الأولى بانهزام قوات كانتون بأسلحتها القديمة أمام هجمات جيش بريطانيا الحديث الأسلحة والمعدات، ثم فرضت معاهدة نانكين 1842م أولى المعاهدات المجحفة التي وقعتها الصين مع دول أجنبية وبموجبها كان على الصين:
    1- أن تعوض بريطانيا بواحد وعشرين مليون جنيه.
    2- أن تسلم هونج كونج لبريطانيا.
    3- أن تفتح موانئ كانتون، أموي، فوتشوتتيجيو، شانغهاي لتجارة الغرب.
    4- اعتبار الرعايا الإنجليز فوق القانون الصيني.
    5- سلب الصين حقها في تقدير ضرائب الاستيراد وتخفيضها إلى 5% الأمر الذي أضر باقتصاد الصين وصَدَّع صناعتها الوطنية.
    وبالرغم من أن أمريكا لم تشترك في حرب الأفيون إلا أنها أرغمت حكومة مانشو Manchu في عام 1844م على إبرام معاهدة وانتيا التزمت بموجبها الصين بمزيد من الاعتبارات والامتيازات للرعايا الأمريكان وضرائب الاستيراد.
    وفي نفس العام أيضاً أجبرت فرنسا مجلس مانشو على إبرام معاهدة مماثلة في وامبوا.
    وبعد 15 عاماً من حرب الأفيون الأولى أعلنت بريطانيا الحرب بسبب استيلاء حكومة مانشو على سفينة صينية تحمل علماً بريطانياً. وقد انضمت فرنسا إلى جانب إنجلترا في حرب الأفيون الثانية (1856 – 1860م).
    خرجت الصين من هذه الحروب بسلسلة معاهدات مهينة عرفت بمعاهدات تين نسن Tienisin 1- دفعت فيها الصين تعويضات باهظة 2- بالإضافة إلى إعطاء الأجانب حق استيطان بكين 3- امتيازات أجنبية من إعفائهم من الضرائب 4- قبول نشاط المبشرين 5- فتح مزيد من الموانئ. وعندما ماطلت حكومة مانشو في توقيع هذه المعاهدات اقتحمت القوات الفرنسية والبريطانية مدخل نهر اللؤلؤ وشقت البلاد حتى بكين حين دمرت يوان مينج يوان Yuan Ming Yuan قصر الصيف بعد أن نهبت كنوزه وسلبت نفائسه وأثرياته ثم أحرقت مبانيه. والذي يعرف مدى روعة الأبنية التي تتجلى فيها عبقرية وأصالة الفن والدقة الصينية عدا الكنوز التي لا تقدر بمال والتي كانت تنعكس حتى على زخارف وتصميم القصر، يعلم مدى وحشية ودناءة هؤلاء القوم الذين كان على الصين الاكتواء بهم قرناً طويلاً.
    وقد رأت كانتون التي شهدت ميادينها معارك الثوار وشهدت رؤوسهم تقطع وتعلق على الأعواد والتي شهدت صن يات صن متجولاً ومتخفياً ومطارداً رأت الجمهورية تعلن وصن يات صن يُنتخب رئيساً لها.
    وشهدت كانتون تحول هذا النجاح الأغر إلى "مجرد فشلنا الثالث عشر".
    وفي كانتون القاعدة التاريخية أيضاً قامت المحاولة الرابعة عشرة. وأطلق صن يات صن شعار الثورة الخالد. فلتقف الكتل والجماهير على قدميها ولتستيقظ لتقود الكفاح.
    وأعلن أنه "فلاح ابن فلاح. ولقد ولدت وعشت بين الفلاحين والفقراء وما زلت فقيراً وسأظل كما أنا وكل عواطفي مع الجماهير الكادحة".
    كان صن يعلم أن ذخيرة الصين الثورية بكاملها كامنة في ريفها وبين فلاحيها.
    و"إذا كانت الثورة تحتاج إلى فلسفة فلابد من اكتشاف عقل الفلاح الباطن والظاهر".
    وكانت فلسفة صاحب "ألوان لي تو" وأندر صلابة هي "لسان مين شوان" وأن "السين تشنج" لا مجدية بغير الفلاحين الفقراء الذين يؤلفون 80% من القاعدة الثورية.
    وتحمل كُلٌّ من كانتون وبكين آثار هذا العدوان البربري. وقد كانت نافذة فندقنا في كانتون على ضفة النهر الهادي العريض التي تحمل ذكريات قاتمة بدخان الحرائق وعمليات التدمير العسكرية وما زالت حيطان كلسية تقف بوجه مداخن وقمم مهدَّمة من حين قامت أكواخ الصيادين الصغيرة المتلاصقة في زحمة عن أقدام الأطلال وعلى النهر تزدحم القوارب الصغيرة مطوية الأشرعة بانتظار الرياح التي تشتهى. كان منظراً ذَكَّرنا بضفاف النهر عندما تجتمع فوقه القوارب المحمَّلة بالطوب والتبن والسلع بانتظار الرحيل عند ملتقى النيلين.
    وما زال أهل كانتون يمتهنون حرفهم القديمة، مع إضافة فرحة العمل المستجدة مع ازدهار الصناعة والزراعة وانتشار التعليم والوعي وجميعها من ثمار الثورة التي قضت على آخر أسباب هوان الشعب وضياعه.
    وفي كانتون أيضاً بدأت أولى تجاربنا مع الفنادق الصينية والكرم الصيني.
    وقد اخترنا منذ البداية التزامل في الفرق وكنا رغم ذلك نتجمع في غرفة واحدة نتحدث ونتناقش ويصل بنا الأمر في النهاية إلى التنبه إلى أصواتنا وضجيجنا وقد جرح السكون المهذَّب الذي يحتوي الفندق.
    وبدأت أيضاً صداقاتنا مع المرافقات الصينيات الرقيقات. كانت معنا طالبة جامعية وسكرتيرة الاتحاد النسائي الصيني في كانتون ومندوبة من مركزية الاتحاد مس تاي بي فونج التي كانت أول من عرفنا عبر حدود الصين الوطنية وأول وجه بعث الطمأنينة إلى قلوبنا المضطربة بابتسامتها الحنون الوادعة. وتاي بي فونج متخرجة من كلية الآداب بجامعة بكين فرع تاريخ، في الحلقة الثالثة، تملك معلومات فائقة عن الحزب والثورة والأماكن التاريخية والعادات والتقاليد الصينية ومجموعة لا تنفد من الأساطير الصينية. ومعلومات موسيقية وأدبية واسعة وكثيراً ما كنا نتناقش في ذلك ونحن في القطار إلى الشمال، من كانتون إلى بكين والذي قضينا به 4 أيام قصيرة مثيرة مليئة بما تملأ مجلدات من المشاهدات والانفعالات والانطباعات الحميمة التي لا تنسى.

    II

    هذه المقدمة لن تكون مكرسة، أساساً، للتعريف بالرحلة إلى الصين، أو التعليق على النص، فقد فعلت الكاتبة في مقدمتها لهذه الطبعة بأفضل مما كنت سأفعل، والواقع أنني أميل إلى تقديم الكاتبة نفسها إلى قراء العربية الذين أجزم أنهم ما عرفوا إلا القليل عنها من خلال نتاجها الذي وضع بالعربية، مما صدر منه أربعة كتب نشرت فى فترات متباعدة، فجل أعمالها بقيت بالإنكليزية ولغات أوروبية أخرى وما يزال أغلبها لم يترجم إلى العربية.
    ولئن هي شرفتني بكتابة هذه المقدمة فلابد أن أشير، هنا، إلى تلك الصداقة الفكرية القوية التي ربطتني بها في لندن منذ مطلع التسعينات خلال عملنا المشترك في حقل الكتابة النسوية، وسعينا الفكري إلى بلورة خطاب نظري جديد يتعلق بالمرأة في المجتمع، والمؤنث في الثقافة والاجتماع، إنْ من خلال منبر مجلة "الكاتبة" إبان سنوات صدورها ما بين 1993-1995، أو من خلال السجال الفكري الذي طالما خضناه خلال عقد التسعينات مع ناشطات ونشطاء فكريين ينتمون إلى حركة الفيمينزم الغربية، وبعض النسويات والنسويين العرب المتأثرين بهم و بهن، إلى جانب النشاط الشعري والفكري لي في تلك السنوات المشرقة والعصيبة معاً. فقد وقع اللقاء الفكري العميق بين د. خديجة صفوت وبيني في اتفاقنا على اقتراحين لفكريين أساسيين جرت توأمتهما بطريقة أو أخرى: الأول ما أسميته بـ"الفضاء الثالث" أو Third Space، وهو الحقل الفكري الذي اقترحته على منظومتَيْ الرجال والنساء مع صدور مجلة "الكاتبة" وجعلته شعاراً للجدل والسجال والتنظير حول قضايا الأنوثة والمؤنث في الثقافة العربية بعيداً عن استقطابَيْ الذكورة والأنوثة الكلاسيين داخل حركة الثقافة العربية، وقد أثمر التفافاً جريئاً من حول المشروع الفكري لمجلة "الكاتبة" في ظل استقطابات عالمية كانت النسوية الغربية خلالها تسعى إلى الهيمنة على مجمل خطابات النساء في العالم. كان ذلك قبل عام على الأقل من موعد انعقاد قمة المرأة في بكين، وإن كان اهتمامي مركزاً في تلك الآونة على الجوانب الجمالية والفكرية في نصوص النساء وأفكار الرجال، وليس على النشاط السياسي للجماعات النسوية، وهو ما جرى التعبير عنه في الاهتمامات الأدبية لمجلة "الكاتبة". بالمقابل، فإن د. خديجة صفوت كانت، آنذاك، تعمل على بلورة اهتمام مركز و واسع من حول فكرة "العالم ثالثية" كنزعة فكرية أصيلة حكمت مجمل النشاط الفكري للمفكرة التي نشطت على قوس جغرافي - فكري – اقتصادى سياسي واسع أراد أن يبلور مشروعاً مضاداً لعنصرية مركزية النسوية الغربية لصالح نسوية عالمية جديدة تنطلق من مواقع التهميش الذي فرض على النسويات العالم ثالثيات بفعل تفرّد واستئثار النسويات الغربيات بزعامة حركة المرأة في العالم. هنا عند منطقة رفض التهميش، تبرز أمثلة عظيمة الأهمية كثمرات للقائنا الفكري، ليس أبرزها ذلك التكريس للمنحى الذي اقترحته صفوت هي ورفيقاتها المفكرات العالم ثالثيات وتبنيت طرحه في بيان وغلاف العدد السادس من مجلة "الكاتبة" مايو/أيار 1994 تحت عنوان "نساء عند نهاية القرن- تحالف ثلثي نساء العالم- مشروع مانيفستو عالمي للنساء"، وهو ما أثار حفيظة مساجلينا على الطرف الآخر من الجدل والصرع داخل ومن حول قضية المرأة" والتي احتدمت في الحقل الأدبي بصورة خاصة خلال نقاش دار في "مركز الفنون البريطاني" ICA وهو أعلى هيئة ثقافية بريطانية، عندما قاطعت محاضرتي نسوية أميركية متوحشة بالسؤال التالي: من تظن نفسك حتى تحدد ما هو السؤال، مصادراً حقي في تحديد هذا السؤال وتعيين زمان طرحه؟ لم يصدمني سؤالها بمقدار ما صدمتني فظاظتها.. وقد بدت لي نموذجاً لليأس من أي لقاء فكري بين النساء والرجال. كانت تريدني باستمرار في الخندق الآخر، وأن أكون جاهزاً لأرمى بالرصاص كرجل أو كنموذج ذكوري. وخلال الرشق المتلاحق من خندقها الأكيد إلى خندقي المتوهم.. كان عليَّ أن أراقب ما طاف من سحر غربي في عيون صديقاتي الكاتبات الشرقيات الناعسات الحاضرات عربيات وإيرانيات وتركيات وحتى إندونيسيات في اللقاء وبعضهن مشاركات فيه. وكان على مخيلتي أن تستعين مراراً بصور صديقات متمرسات وذوات رحابة فكرية حقيقية كخديجة صفوت وفاطمة المرنيسي ولطيفة الزيات وأهداف سويف التي كانت مشاركة في تلك الجلسة، لأهدئ من غضبي.. أعني لئلا أنساق إلى معركة بلا طائل.. ولأفوت الفرصة أيضاً على هذه السيدة المتطرفة وصويحباتها البريطانيات وبعض الأديبات العربيات اللواتي بدون في تلك الجلسة جاهزات للانقضاض علي بالسؤال التالي: صحيح كيف تكون أنت من يحدد شكل ووقت وكيفية عرض الخطاب وتقديمه.. من خلال مفارقة.. رجل نسوي بين نساء كثيرات؟... ولكن، هل كان ينبغي أن يكنَّ مسترجلات ومعهن رجل نسوي مخنث.. لتستوي المعادلة؟ أم نذهب إلى منطقة المؤنث في الرجل؟ أم نحتكم إلى فكرة الفضاء الثالث؟ ما المطلوب فكرياً؟ تحرير المرأة من أنوثتها، أم إخصاء الرجل من ذكوريته؟ تحرير المرأة من قيودها، أم تحرير الرجل من أوهامه عنها، ومن عاداته الذهنية المضادة لكيانها.. والبحث عن فضاء جديد من خلال علاقة خلاقة بين المرأة والرجل؟ وهذه لن تكون إلا على أرض جديدة وفي فضاء فكري وجمالي مختلف، وهو ما كان في صلب الإطار الفكري لـ"الكاتبة".
    والآن أنا متأكد أكثر من أي وقت مضى أن ما جعلني أشعر بعدالة وجمال وأرضية الفكرة هو اتهام تلك النسوية المتطرفة لي بصدد ما طرحته تحت شعار "الفضاء الثالث" بأنه فكرة شعرية. قلت هنا اتفقنا أنت وأنا للمرة الأولى. من ثم قالت بعصبية: "لكنني أرفضها.. أرفض شعرنة الحقيقة".
    والواقع أنني لم أكن أشعر بحقيقية الشعر والتصورات الشعرية للأشياء كما شعرت بها عندما "اتُّهِمَتْ" فكرة "الفضاء الثالث" بأنها شعرية، فلطالما اعتبرتُ الشعر الأكثر حقيقية بين الظواهر الثورية والخلاقة لكونه يقع في قلب فكرة الحلم، أي في قلب مسعى الإنسانية المعذبة في بحثها الحالم وسعيها الجارف للتغير. لطالما كنت أرى أن الشعري أكثر حقيقية وقوة ونفاذا من التنظير الإيديولوجي الذي يستعمل كسلاح مماحك.
    هذا النموذج من النسويات الغربيات خلال ذلك النموذج من اللقاءات عالمية الطابع في تلك السنوات، حاول أن يختطف اهتمام النسويات العربيات الشابات.. خصوصاً العاملات في حقل الكتابة، وكان على "الكاتبة" كمنبر عربي حرّ أن يتيح سجالاً مفتوحاً يتعلق بحرية الاختيار. لكنني أعترف هنا، وقد عرضت هذا المثال، أنني لم أكن لأفوت فرصةً دون أن أضيء على خطل التفكير النسوي الغربي المتطرف. ومن هنا ينبع تقديري للتجريبية الأصيلة التي يتمتع بها فكر خديجة صفوت والذي أعتبره بديلاً متطوراً عن التفكير النسوي الشرقي المنسحق أمام النسوية الغربية، لاسيما أن صفوت هي من بين النساء العربيات القليلات اللواتي اشتغلن على ابتكار مصطلحات جديدة في إطار التفكير المضاد لما أسميه بالنسوية المتطرفة وموضاتها التي لا تنتهي، على سبيل تركيز فكر عالم ثالثي مخالف للنسوية الغربية الخاضعة لبرامج الهيمنة العالمية المندرجة في بعض أخطر مشروعات العولمة. وهي تفضل أن تطلق على العولمة تعبير "الكوننة". ومن بين المصطلحات التي نحتتها صفوت، وتبنته معها المفكرة البرتغالية مريام جوزف أومارا مصطلح "النسوقراط". وهو ما يهمني هنا، في الحديث عن خديجة صفوت كنموذج لطراز من النساء اللواتي لا يكتفين بالتعبير عن أنفسهن في أوراق ويوميات نساء من الشرق، فقد صرفت سنوات عديدة من حياتها تتجول في العالم، وهي مقيمة منذ اكثر من ثلاثين سنة في الغرب، ودأبها تقديم فكر يعيد النظر في تاريخ الأفكار، وتعمل في الوقت نفسه على ابتكار المصطلحات المناسبة، الأكثر تعبيراً عن الأفكار التي تقترحها.

    III
    وقبل أن نتوقف عند نموذج من المصطلحات التي ابتكرتها صفوت، أشير هنا إلى أنها شغلت على مدار سنوات طويلة العديد من المراكز الأكاديمية، فهي محاضر وأستاذة زائرة في العديد من الجامعات العالمية، وخبيرة لدى الأمم المتحدة، وعضو في مجالس أمناء مراكز بحوث المجتمعات التي أقامت فيها وعملت به من السودان، الى موزابيق، وزيمبابوي، والجزائر، واليمن، وفلسطين، والسنغال، وكندا، والاتحاد السوفياتي سابقاً، وروسيا الفيدرالية حالياً، وويلز في إنجلترا، وفي أيرلندا الشمالية وفرنسا، وغيرها.
    وفضلاً عن ذلك، فهي الرئيسة الفخرية لـ "لتنظيم السودانيين التقدميين" في المملكة المتحدة وأيرلندا، وحائزة على الزمالة الفخرية من جامعة ويلز، وعضوية اتحاد الطلاب البريطاني مدى الحياة، وعضوية اتحاد أساتذة الجامعات البريطانية، والمديرة التنفيذية لمركز أبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا (ميرايك)، الذي أسسته في جامعة ويلز عام 1986، وعضو مجلس البحوث ومستشارة أكاديمية العلوم السوفياتية، ثم روسيا الفيدرالية، وعضو مؤسس وتنفيذي ومستشارة لدى جمعيات مهنية وأكاديمية غربية، عربية وأفريقية، ومنظمات الأمم المتحدة، مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية، وبرنامج البيئة، وبرنامج السكان، ومنظمة العمل الدولية، وخبيرة متبرعة لدى برنامج غزة للصحة النفسية –الجامعة الإسلامية غزة، التابع لوزارة التربية الفلسطينية، وتنشط من خلاله في وضع مبادرات تأسيسية وتخطيطية حيث أسهمت صفوت في تأسيس بنك المرأة العربية، تحت رعاية منظمة العمل الدولية "تورينو – إيطاليا"، والجمعية العالمية للمرأة المسلمة (اتحاد البرلمانيات المسلمات – كوالا لامبور – ماليزيا)، واتحاد ثلثي نساء العالم، الذي انبثق من قمة المرأة الثالثة (تايبيه – تايوان). وقد مكنتها خبراتها عبر هذه المجالات من بناء تصوُّر بالغ النضج عن التداخل والتشابك المخيفين بين قضايا المرأة في العالم، ومجمل قضايا الكوكب.

    IV
    أعود إلى "النسوقراط" المصطلح، و"النسوقراط- تأنيث التاريخ وإفقار سوق العمل" الكتاب. لدى اطلاعي، منذ مطلع التسعينات، على مسوّدات الترجمة العربية لبعض أعمالها الفكرية خلال لقاءاتنا في لندن، كان أبرز ما لاحظته تلك الغزارة في اشتقاق وبناء المصطلحات، إلى جانب صياغات لغوية مركبة إلى درجة التعقيد. وهناك سببان معقولان لذلك، أولهما أن أعمالها كُتبت بلغات أخرى، وثانيهما أن نصوصها الأصلية كانت على درجة من التركيب، ليس فقط بسبب تشابك القضايا الفكرية التي تتعامل معها الكاتبة، وإنما أيضاً تعبيراً عن قلقها المستمر من المصطلحات المستقرة، وموقفها منها في آن. فهي مصطلحات ترى خديجة صفوت، أنها أُنتجت ضمن سياقات فكرية وتاريخية ولغوية غير محايدة ان لم تكن متحذبة. ولما كان عمل خديجة صفوت هو إعادة النظر في الحاضر على ضوء التاريخ، وفي الاقتصاد على ضوء الفكر والأيديولوجيا والدين، فإن استكشاف الحقائق لا يقوم بالنسبة إليها، إلا على تفكيك الأفكار السائدة ومصطلحاتها التي أنتجتها، وهذا لا يمكن أن يتم إلا عن طريق توليد مصطلحات جديدة. وهو ما تفعله صفوت بامتياز. ومن هنا جاء مصطلح "النسوقراط"، الذي اشتقته لتعبر عن الجناح المتطرف، والمتوحش من الحركة النسوية الغربية، الذي يحاول أن يفرض مفاهيمه وبرامجه على النساء العربيات.

    V
    "النسوقراط"، إذن، هو النحت الاصطلاحي الذي ابتكرته المفكرة صفوت، لتدل به على نوع من النسوية الغربية المغالية، وقد سبق لها أن نحتت خلال عقد السبعينات مصطلح "الإسلام السياسي"، وراج هذا المصطلح بعد ذلك إلى درجة أن أحداً لم يعد يذكر متى دخل على لغة الخطاب السياسي العربي. وما يؤسف له أن هذا الحق غير منسوب لصاحبته، من جانب مؤرخي الأفكار والمصطلحات في ثقافتنا العربية.
    وتعرف صفوت "النسوقراط" بأقلية نسوية غربية تهيمن على حركة المرأة في العالم، انطلاقاً من المركز الأميركي. والبارع في كتاب صفوت، المسمى "النسوقراط"، أنه يشخص عن قرب، وانطلاقاً من بحث معمق، صور وتجليات النسوية الغربية المغالية، ويكشف عن الأدوار الخطرة التي تلعبها فئة "النسوقراط" هذه، التي تؤثر في حياة مئات ملايين النساء في العالم بصورة تجعلهن خاضعات لأسس الهيمنة، بما في ذلك إخضاع الحركات العقلانية، التي أسستها نساء العالم، لتخدم أهداف فئة قليلة مسيطرة من النساء الغربيات، اللواتي ارتبطت مشروعاتهن بمشروعات العولمة بصورة لا فكاك منها.
    تعقد صفوت مقارنات مبتكرة وغير متوقعة بين "النسوقراط" وفئة المحظيات الملكيات والأمازونيات في التاريخ، وترى أن النسوية المذكورة خلقت نوعاً من المصادرة الساحقة لخطابات تحرر المرأة في العالم، وصادرت برامج المساواة بين الجنسين ومفاهيم التحرر والمساواة، فضلاً عن أن تلك المساواة لم تتحدد في المحصلة النهائية، إلا في الحقوق السياسية والاجتماعية والقانونية أحياناً، لأقليات النساء والرجال، وذلك في ظل غياب وتغييب للحقوق الاقتصادية للأغلبيات المنتجة، رجالاً ونساء في كل مكان، وهو ما جعل مشروع النسوية المغالية هذه، يتفوق في بناء خطاب مموَّه يتوارى وراءه قاموس الاستحواذ المادي والمعنوي، لتنويعه شرسة وفاجرة، على نحو غير مسبوق، من الرأسمالية المتوحشة.
    كتاب خديجة صفوت، الذي ألفته مع مفكرة برتغالية، هي مريام جوزف أومارا، يفكك المفاهيم المختلفة التي تسند ظاهرة "النسوقراط"، بصفتها نموذجاً للهيمنة يندرج في لعبة العولمة، عبر أمثلة قديمة وحديثة من اقتصاد العبودية الأثينية، إلى ما تسميه صفوت "التنويعة الأميركية الرأسمالية ما بعد الصناعية لعلاقات العمل العبودي". فهي ترى أن النسوية الأنجلو أميركية المتطرفة، مشروع سياسي اقتصادي، يصدر عما تسميه "نمط اللاإنتاج الأميركي الشمالي، وقد تأسس على الاقتصاد العبودي لتجارة الرقيق، واسترخاص العمل الصناعي الأميركي الأبيض في الشمال، فالجنوب تباعاً". وهو في نظرها اقتصاد يملك ميزات خاصة، لكونه لم يمر بمرحلة الإقطاع الأوروبي، ولا بمرحلة الثورة الصناعية على الطريقة البريطانية مثلا مع مطلع القرن التاسع عشر. من هنا، فإن "علاقات العبودية التي دمغت الاقتصاد الأميركي، قبل حركة تحرير العبيد، لم تسمح بما هو أكثر من فكرة شفقة الأغنياء على المستعبدين، نساء ورجالاً، في ترك فضلات طعام المناسبات خارج البيوت ليلتهموها".

    VI
    تستعمل خديجة صفوت هذه الأمثولة عن اقتصاد الاستعباد، الذي يعيد إنتاج ذاته، عبر علاقات السيد والمسود، للتنبيه إلى أن "النسوقراط" هو تلك الأقلية النسوية التي نالت "صدقة" السيد، فجرى ترفيعها وتكريسها كناطق باسم جميع نساء العالم، لتتسيد حركة المرأة وتفرض البرنامج المعولم للاقتصاد، وذلك عن طريق تمرير أفكارها إلى برامج المرأة ومؤتمراتها وقممها، من مؤتمرات السكان ومشروعات تحديد النسل، وغيرها من الأطر العالمية التي تحاول حركة العولمة فرض تصور للعالم وسلوك للبشرية، على شاكلة ما يريد اقتصاد أباطرة الشركات الكبرى، وتسميه صفوت اقتصاد الأسياد الذي يعيد إلى الذاكرة اقتصاد روما، القائم على نمط الإنتاج العبودي. والواقع أن من الظلم لأفكار خديجة صفوت اختصارها، وابتسارها في مقال موجز، فهي تملك نظرية اقتصادية اجتماعية متكاملة، ورؤى متماسكة حول ما يجري في الكوكب اليوم من تحولات اجتماعية واقتصادية، وحتى حضارية، أخذت شكل الاقتصاد المفتوح ومصطلح العولمة.
    أخيراً، تؤكد صفوت في كتابها، الذي نتحدث من خلاله عن بعض أفكارها، أن أقليات النسوية الغربية المغالية الأنجلوساكسونية والأنجلوامريكية على وجه الخصوص، ألحقت نفسها بالشرائح العليا للمتنفذين في الإدارات الأميركية المتعاقبة و في مراكز القرار البريطاني، وقد حصلت على ما نسبته 15% من مواقع صناعة القرار، في وقت تدعي فيه تمثيل كافة النساء، ليس طبقياً، بل تشريحياً وبيولوجياً، ومن ثم أعطيت حق التكلم باسمهن. بالتالي، فإن "النسوقراط" هي فئات تحاول أحياناً تحقيق مساواة قانونية واجتماعية، مفرغة من الأساس المادي للمساواة الاقتصادية. وعليه، فهي لا تمس الوضع الراهن للبشر، أينما كانوا، بينما هي تكرس إعادة إنتاج الوضع الراهن في كل مكان.
    ولا ينادي "النسوقراط" بأي تغيير حقيقي في المجتمعات، في وقت تعمل زعيماته بطريقة تؤدي إلى تشويه علاقات النساء والرجال والأطفال، في مجتمعات، طالما صدرت فيها هذه العلاقات عن نوع من الود والرحمة بين الجنسين، وبين الرجل المرأة والأطفال، وبسمات الكرامة، والإنصاف الإنساني في حده الأدنى.
    ختاماً، لابد من الإشارة إلى أن صفوت تنبّه إلى أن الجنسين تواجها في ظل سيطرة "النسوقراط" على الخطاب العالمي للمرأة، في حرب ضروس لا تُبقي ولا تذر، وتنبه بقولها: "حذار، إذن، من هذا الخطاب". إنها بحق رحالة ومفكرة من طراز مختلف، لكنها في كل الأحوال، تعيد إلى الأذهان ذلك الطراز الرسالي من النساء المثقفات اللواتي اهتدت سيرهن، وإن بخصوصية شرقية، بسيرة كل من روزا لوكسمبورغ، ولاباشوناري الزعيمة الإسبانية الجمهورية.

    نوري الجراح
    لندن في أواسط يناير 2005

    0