أمير مصري في جنوب إفريقيا | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    أمير مصري في جنوب إفريقيا

    هذه رحلة رحالة امير مصري من سلالة محمد علي باشا الكبير بل هو حفيده وسميه. طاف العالم قبل ان يبدأ هذه الرحلة بحرا في 6 أبريل/ نيسان 1924 منطلقا من ميناء بور سعيد مرورا ببور سودان فعدن. ومن هناك الى افريقيا. ومن بريتوريا ينطلق الرحالة إلى جوهانسبرج ومنها إلى مافيكنج وبولاايو وشلالات فكتوريا ثم يعود إلى جوهانسبرج. ومناجم الذهب هي أهم ما يرى في هذه المدن والبلدات، وهو يتحدث بإيجاز عن الشركة المسيطرة على هذه المناجم وكيف تتصرف مع عمال المناجم، كما يتحدث عن طريقة استخراج الذهب وتنقيته. ولا ينسى أن يقدم لنا بعض اللمحات التاريخية عن الصراع بين الأهالي من السكان الأصليين والمستعمرين، دون أن يتخذ موقفا معاديا للاستعمار.
    الكتاب: رحلة في جنوب إفريقيا
    1924
    المؤلف: الأمير محمد علي باشا
    حرّرها وقدّم لها: علي كنعان
    منشورات: دار السويدي-لندن أبو ظبي 2006

    بعد أن طاف الأمير محمد علي باشا في عدد من بلدان العالم، شرقه وغربه، جاءت رحلته إلى جنوب أفريقيا( ) تتويجا جميلا ومفيدا لجولاته الغنية السابقة من اليابان إلى أميركا الشمالية، فضلا عن دراسته وحياته في أوربا.
    بدأ الرحلة بحرا في 6 أبريل/ نيسان 1924 منطلقا من ميناء بور سعيد مرورا ببور سودان فعدن التي بلغها في اليوم الثامن من إبحاره، لكنه لم ينزل في مينائها، إذ كان مقررا أن يمكثوا هناك ثلاث ساعات، لكنهم تأخروا نحو ساعتين إضافيتين "لمجيء شحنة كبيرة من الملح إلى ممباسا". ولا ينسى الرحالة أن يعلمنا أن المسافة من بور سعيد إلى عدن "هي ثلث الطريق" إلى جنوب أفريقيا. كما أنه يقارن بين فتيان إيطاليا وفتيان عدن في السباحة والغطس، فيرى أن أبناء عدن أكثر مهارة في الغوص لاستخراج النقود التي يلقي بها المسافرون في مياه المرسى. وسوف نرى أن هذه الملاحظات الدقيقة تتكرر طوال الرحلة لتكشف لنا مدى اهتمام الأمير بالتقاط كل شاردة وتسجيلها ليقدم صورا حية لما يشاهد بكل تفاصيلها وحركتها. وهكذا، لم يفته أن يلحظ بؤس الطبيعة في محيط عدن وأحوال مرساها فيقول: "ولا تكسو هذه السواحل أي خضرة، إنما ترى رمالا صفراء وصخورا سوداء. ومدخل الميناء صعب لعدم العمق الكافي، فكانت تسير الباخرة ببطء وكلما دار المحرك (الرفَّاص) أخرج الرمال من قاع البحر إلى سطح الماء". كما لم يفته أن يلحظ أن تلك الشواطئ محرومة من مرافق الراحة والاستجمام، وإن لم يقف تجاهها إلا ساعات معدودات، فيقول: "لا يوجد بعدن حمامات بحر، وذلك لوجود وحوش كالحوت بمياهها. ومما يبعث للتسلية محاربة الطيور للأسماك على سطح الماء"، وهو يصف ذلك المشهد بأسلوب رشيق ممتع.
    تستأنف السفينة إبحارها مساء 13 أبريل، مارة على مقربة من القرن الأفريقي وسواحل الصومال الجنوبية التي كانت تحت سلطة الاستعمار الإيطالي في ذلك الحين. وبعد انطلاقهم في العباب كان الخوف من مجيء الرياح الموسمية المعاكسة قبل أوانها، لكن القبطان هدأ من روعهم، فلاذوا بنوم هادئ.
    وبعد ظهيرة السابع عشر من أبريل، كما يعلمنا الرحالة، "مرت الأطفال على سطح الباخرة بملابس هزلية مضحكة. وفي الساعة السادسة والنصف مساء ظهر الأب (نبتن) ذو اللحية البيضاء الطويلة، كما اقتضت العادة ظهوره عند الوصول إلى خط الاستواء، وهو يمثل إله البحار في زيه التقليدي ويحمل تاجه وصولجانه، ومر بالصغار يداعبهم ويلاعبهم...".
    تواصل السفينة طريقها حتى تصل في 18 أبريل إلى ميناء ممباسا على ساحل كينيا، وكانت خاضعة يومئذ لحماية إنكلترا. وفيها محكمة إنجليزية، ومحكمة شرعية إسلامية تحت سلطة الوالي المعين من قبل سلطان زنجبار الذي يحتفظ بسلطته في منطقة الشاطئ على مدى عشرة أميال في الداخل، وذلك بمقتضى معاهدة بينه وبين إنكلترا. وفي البحر هناك كثير من المرجان، وأغلب المباني مبنية بالحجر الذي يدخل فيه المرجان بعد حرقه وتصنيعه. ومن ممباسا تمتد السكة الحديدية الموصلة إلى الأقطار الداخلية. ومن خلال جولة في المدينة، يخبرنا الأمير أن فيها مسجدين وأن الأغنياء من الهنود يحترفون الصياغة وبعضهم يبيعون الأقمشة وخاصة الحرير الهندي، بينما يعمل السواحلية في بيع العطور والمناديل والأقمشة الملونة. وقد رأى في تلك المدينة "كثيرا من المنازل القديمة لها أبواب من الخشب مزينة بمسامير كبيرة من الحديد والنحاس. وقديما كانت صناعة الأبواب هذه معروفة ببلاد العرب، وانتقلت إلى بلاد الأندلس وفنيسيا وغيرهما من البلاد التي دخلتها العرب". هذه اللمحات الجميلة والمعلومات الموجزة تتكرر في كثير من الفقرات.
    ونتابع الرحالة وهو يمر بميناء طنجة (تانغا) في تنزانيا. ومن المعلومات المكثفة التي يوردها الكاتب، نعرف أنها "واقعة جنوب خط الاستواء بخمس درجات، وعلى بعد 73 ميلا من زنجبار، ويبلغ سكانها أحد عشر ألفا من الأهالي ومائتين من الأوربيين، وهي واقعة على مصب نهر سيجي..." ثم يضيف أنها أنشئت بيد الألمان، وكذلك ما فيها من مرافق مدنية كالمستشفى والحديقة العامة، لكن الإنكليز عمدوا إلى انتزاعها منهم خلال الحرب العالمية الأولى وقد حققوا غرضهم في نهايتها. وحرصا منه على التقاط أية معلومة طريفة وتزويد القارئ بها، نعلم أن من بين السياح الذين صعدوا إلى المركب هناك إنجليزي يشتغل بالسينما لأخذ مناظر صيد الحيوانات الوحشية.
    ويمضي الأمير في طريقه إلى ميناء زنجبار ويزور سلطانها فيستقبله بحفاوة، ثم يواصل الرحلة إلى دار السلام عاصمة تنزانيا. ويحدثنا أن ميناءها ضيق المدخل ومياهه قليلة العمق تتطلب ملاحا ماهرا متخصصا بقيادة السفن إلى الرصيف. ومن الأمور التي تلفت نظره مشهد السفن التي "أغرقها الألمان في بداية الحرب لمنع دخول أساطيل أعدائهم". ثم تمر السفينة بعد ذلك برأس دلجادو (دلغادو) الذي يشكل الحد الشرقي لمستعمرة البرتغال. وتواصل طريقها إلى ميناء مابوتو التي كان اسمها يومئذ لورينسو ماركيس حيث أرسل الحاكم البرتغالي سيارته الخاصة وضابطا لاستقباله. وقد سر الأمير بذلك، وخاصة أن حقائبه لم تخضع للتفتيش، فيقول: "وكان ذلك كله من أوفر الإكرام في سياحة غير رسمية بدأتها باسم مستعار، ولكن لم يكن بد من قبول تلك المجاملات الكريمة لأن الرفض غير ممكن ويعد مؤلما للعواطف".
    في هذا الميناء، الذي يعتبر من أكبر موانئ أفريقيا الجنوبية، تنتهي الرحلة البحرية وتبدأ رحلة البر بالقطار إلى مدينة الكاب عبر بريتوريا وجوهانسبيرغ، بعد أن أمضى الرحالة أربعا وعشرين يوما على متن السفينة، مرت جميعها بخير وسلام ولم يتعرضوا لأي خطر طارئ أو عاصفة مقلقة.
    ويتجول الأمير في شوارع لورينسو ماركيس التي صارت عاصمة موزمبيق منذ 1907، ولا يكتم إعجابه بنظافتها وجمال عمرانها على الطراز الأوربي، كما أن الحاكم استقبله "باحترام وبشاشة" لكن عدم إلمامه بلغة أجنبية جعل التفاهم بينهما صعبا، وإن قام المرافق (الياور) بمهمة الترجمة خلال ذلك اللقاء القصير. ومع ذلك فقد كانت لفتة طيبة من ذلك الحاكم ومجاملة ذات طابع شرقي حين قال لزائره: "اعتبروا أنفسكم في بلادكم".
    وفي هذه المدينة كنائس ومساجد ومعبد صيني ما يوحي بأهميتها العالمية وطبيعة التآخي والألفة بين سكانها، رغم هيمنة العرق الأبيض وانتشار التمييز العنصري في تلك البلاد آنذاك. ومعظم منازلها من طابق واحد تحيط بها حدائق، كما أن فيها كازينو مغلق بعد أن وقع الأهالي في عادات القمار وأدى إلى إفلاس العديد منهم حتى اضطرت الحكومة لإغلاقه. ويرجع تاريخ المدينة إلى القبطان البرتغالي أنطونيو كامبو وهو أول من اكتشف موقعها سنة 1504.
    تبدأ رحلة القطار في الثاني من مايو/ أيار، متجها من الساحل إلى بريتوريا شمالا. ومن هنا تبدأ رحلة الأمير الفعلية بين مدن جنوب أفريقيا وزيارة أهم معالمها. كان البرد شديدا لأن مايو من أشهر الشتاء في تلك البلاد الواقعة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. والأمير الذي عرف أوربا جيدا يخبرنا أن سكة القطار هنا أضيق، وكذلك الممر داخل العربات. ومن نافذة القطار يلاحظ أن مناظر الطبيعة بدأت تتحسن، وأن تلك الأراضي أخصب من بلاد الترنسفال وهي صالحة للرعي، لكن هذه المستعمرات البرتغالية لا تعنى بالمزارع الكبيرة كما هي الحال في الترنسفال.
    ومدينة بريتوريا كانت العاصمة الإدارية لحكومات اتحاد جنوب أفريقيا، وهو يراها مخططة على الطريق الأميركية، كما يقول في موضع، وعلى النسق الأوربي، كما يذكر في موضع آخر. وهي تقع على ارتفاع ما يزيد عن 1300 متر فوق سطح البحر. ويتلقى دعوة رسمية للعشاء من حاكمها اللورد أتلون، ويبدو أنها كانت دعوة تكريم لأن أربعين وجيها من كبار الشخصيات في تلك البلاد سيحضرون المأدبة. لكن الأمير يعتذر شاكرا لأن لباسه الرسمي الخاص بالسهرة لم يكن معه.
    كان الرحالة مولعا بأنواع النباتات النادرة وغير المتوافرة في مصر ليختار منها ما يحب، ومن ثم يرسلونها إليه. وكما زار حدائق عديدة في مدن أخرى، كذلك قام بزيارة الحديقة في هذه المدينة ورأى فيها قسما لتجفيف النباتات، كما التقى فيها فنانة تشكيلية تقوم برسم الأزهار بالألوان الطبيعية لأنهم يقومون بعمل مجموعة علمية لزهور جنوب أفريقيا، وقد أنجزوا منها ثلاثة أجزاء. وهو يلاحظ أن بعض العربات تجرها خمسة أزواج من الثيران، وبعضها تجره عشرة أزواج من الحمير، لأن الخيول قليلة وأشكالها هزيلة بالمقارنة مع الخيل في مصر، "لأنها لا تتحمل المرض في هذه البلاد". ثم يقوم بزيارة سراي الحكومة فيعجب بها، ويقول إنها "بناء ضخم عظيم يليق أن يكون سراي الحكومة. وبلغت تكاليف بنائه نحو مليونين من الجنيهات، وهذا ليس بكثير بالنسبة لفخامة البناء وثروة البلاد، وكنت أود أن أرى مثل هذه الأبنية العظيمة في القاهرة عاصمة مصر".
    وفي حديقة الحيوانات، يلفت نظره نظافتها وترتيب أشجارها. ثم يتحدث عن أسد غريب الأطوار كأنه مسعور "لم يمكنهم من الحصول على نتاج منه، إذ أنه يفترس الأنثى التي توضع معه".
    من بريتوريا ينطلق الرحالة إلى جوهانسبرج ومنها إلى مافيكنج وبولاايو وشلالات فكتوريا ثم يعود إلى جوهانسبرج. ومناجم الذهب هي أهم ما يرى في هذه المدن والبلدات، وهو يتحدث بإيجاز عن الشركة المسيطرة على هذه المناجم وكيف تتصرف مع عمال المناجم، كما يتحدث عن طريقة استخراج الذهب وتنقيته. ولا ينسى أن يقدم لنا بعض اللمحات التاريخية عن الصراع بين الأهالي من السكان الأصليين والمستعمرين، دون أن يتخذ موقفا معاديا للاستعمار، بل نراه يتحدث بعكس ذلك:
    "إن الإنسان ليعجب أن يرى بلادا كانت في الماضي القريب مرتعا للوحوش وموطنا للزنوج، لا أمان فيها ولا فرق بين وحشها وأنسها، بلادا كانت هذه حالتها تتحول إلى حالتها اليوم، فيسكنها المتمدينون ويؤمها السائحون وفيها ما يكفل للمرء الطمأنينة والراحة..."
    وفي بلدة فكتوريا فولز يزور الشلالات ويرى أعلى جسر معلق في العالم، كما يقول، إنه "كوبري السكة الحديدية، وهو معلق يرتكز بطرفيه على الشاطئين فقط حيث يبلغ ارتفاعه عن سطح الماء 350 قدما، ولا يعلم عمق الماء في هذه البقعة لشدة التيار. وأما الارتفاع من منتصف الكوبري إلى سطح الماء فيبلغ خمسمائة قدم، وذلك أعلى كوبري وجد في العالم، ويبلغ طوله 650 قدما..."
    وبعد أن ينتهي من طوافه في تلك المناطق يقول: "ومن الغريب أن يرى الإنسان تلالا من التراب المستخرج من المناجم. ويمكن القول بأن الإنسان في مدينة جوهانسبرج يمشي على الذهب لأنه تحت أرضها..."
    من جوهانسبرج يتوجه الأمير إلى دوربان عبر ماريتزبيرغ التي يزور فيها دار المحافظة ويتحدث عن مكتبتها الضخمة بأقسامها المختلفة، الفرنسية والإنكليزية والهولندية والألمانية. ثم يواصل طريقه إلى الكاب مارا بمدينة كيمبرلي التي يعود الفضل في إنشائها إلى اكتشاف الماس، وهي تابعة لحكومة الكاب. وهنا يقوم بزيارة بعض المناجم ويخبرنا أن شركة الماس تحتكر من الأرض 150 ميلا مربعا حول تلك المدينة.
    بعد ذلك يتابع طريقه إلى مدينة الكاب وهي المحطة الأخيرة في الرحلة. لكنه يختار طريق العودة بحرا متجها إلى لشبونة، دون تفاصيل. في هذه المدينة تنتهي رحلة الأمير في جنوب أفريقيا، ومن ثم يعود بحرا مارا بجزيرة ماديرا التي كانت في الماضي تابعة للمغرب العربي.
    تستغرق الرحلة شهرين وأسبوعين، يبدأ تدوين يومياتها من السويس في 6 أبريل 1924 ويختمها في 19 يونيو من العام ذاته في ميناء فونشال عاصمة جزيرة ماديرا مقابل الساحل المغربي. يبدو اهتمام الرحالة بمعالم المكان والصروح العمرانية واضحا، فضلا عن تنقله بين المنشآت الحضارية وحدائق النبات والحيوان، وسعيه وراء الحصول على نباتات نادرة يوصي بنقلها إلى مصر.
    راجعت الرحلة معتمدا على نص منشور سنة 1924، ومن المؤسف أن فيه كثيرا من الأخطاء النحوية والصرفية، وبخاصة الأعداد المركبة (كالثالث عشر والسابعة عشرة، مثلا) وكذلك العقود والتمييز بعدها. ولقد عمدت إلى تصحيحها معتبرا إياها أغلاطا مطبعية لا علاقة لها بالوثيقة التاريخية، كما نتعامل عادة مع المخطوطات. يضاف إلى ذلك أن العديد من الأسماء الأجنبية كانت ترد في صيغتين، فآثرت الرجوع إلى أسمائها اللاتينية وإثباتها في الهامش، تيسيرا لمن أراد البحث عنها. وقد اعتمدت في ذلك على معجم (وبستر) والموسوعة الجغرافية (إنكارتا) إضافة على بعض الخرائط العربية ومصورات (كوللينز). وسيلاحظ القارئ أن بعض الكلمات (كالأسلحة، مثلا) عامية، مأخوذة عن التركية أو اللغات الأوربية كالإنكليزية والفرنسية والإيطالية، فتركتها على حالها وأشرت إلى أصولها الأجنبية في الهامش، في حدود الإمكان.
    الأمر الوحيد الذي لم أستسغه في هذا النص يتجلى في تلك النظرة العنصرية التي لم يستطع الأمير أن يتحرر منها، إذ كرر كلمة (عبيد) نحو أربعين مرة دون أي مسوغ منطقي أو دلالة تاريخية. وهو يقصد بالعبيد أهالي البلاد والسكان الأصليين من أبناء إفريقيا. وسيرى القارئ ذلك بوضوح جارح. ومما يزيد هذه النظرة الفوقية سوءا أنه يرى الكارثة التي تصيب أولئك الأفريقيين من "حسن الحظ"، إذ يقول:
    "في سنة 1713 انتشر وباء الجدري فمات من البيض نحو خمسة وعشرين في المائة من تعدادهم، ولكن لحسن حظهم أن اكتسح هذا الوباء ألوفا من العبيد والزنوج فخلت الأراضي المجاورة للكاب واستغلها الأوروبيون لإنتاجها والاستفادة منها..."
    وإذا كان الزركلي في "الأعلام" يشير إلى أن محمد علي باشا لم يقم بتدوين رحلاته بالعربية، وإنما كان يمليها على أحد المحررين، فإن درايتنا بهذه المعلومة لا تلغي تعصب الأمير ولا تبرر موقفه العنصري، وهو موقف اكتسبه من خلال السنين التي أمضاها في أوربا، فضلا عن موقفه الطبقي المتعالي، والذي يتجلى في ركوب عربات الريكشا التي يجرها الرجال (العبيد) حسب تعبيره، دون أن يبدي أية إشارة نفور أو استنكار لذلك.
    لا أبغي من إشارتي هذه أن أثقل كاهل الرجل بأفكاري وأحمله ما لا يطيق، لكن اختلاف المرحلة التاريخية لا يعفيه، وهو أمير مصري، من مسؤوليته الإنسانية ولا يشكل شهادة في صالحه، لأن مصر وبلاد الشام وحتى بلدان المغرب العربي كانت يومئذ تمور بالحركات الشعبية المقاومة للاستعمار. ومع ذلك نراه سعيدا في لقاء الضباط الإنكليز الذين كان على معرفة بهم في مصر. وإذا كان لا بد من إيجاد عذر لذلك، فلعل ذلك كامن في ابتعاده عن السياسة وتحاشي الإشارة، ولو مجرد إشارة خاطفة، إلى أي حدث سياسي يشتم منه أي موقف يعرضه للمؤاخذة واللوم.
    لكن هذه الإشارة، وإن كشفت جانبا سلبيا في موقف الأمير، فهي لا تنقص من قيمة الرحلة ولا تقلل من أهمية المعلومات الجغرافية والتاريخية والأدبية التي تحفل بها. إنها يوميات جميلة السبك بديعة الوصف في البحر والبر معا. وسوف يكتشف القارئ غزارة المعارف والمشاهدات التي يزودنا بها الرحالة، وهي تترك في نفوسنا متعة سارة وأثرا طيبا لا يمحى. ولعل حديثه العفوي عما يكابده عمال مناجم الماس من قسوة وتعسف يكفي لإدراك مدى الظلم والطغيان وسوء المعاملة التي كانوا يتعرضون لها. إنها صورة وحشية متجددة من أعمال الرق في روما القديمة.

    علي كنعان
    أبو ظبي في 24/12/2005

    0