رحلات في إسطنبول وأثينا والجزائر وطهران | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    رحلات في إسطنبول وأثينا والجزائر وطهران

    في الباخرة التي أقَلّتني إلى بيروس، تذكرت المقطع الذي أجبر آرثور رامبو على الهجرة والرحيل إلى إفريقيا:
    "إن السماء المخضبة بالبطولة تؤذن بالليل لا بالنهار.. إن الحياة الحقة هناك.. في مكان آخر".
    من الذي يدفعنا اليوم إلى الهجرات والرحيل إلى المكان الآخر، حلم اللاعودة، أم الحلم بالوصول، المنفى والمكان المستحيل، أم الصورة الاستعارية للفردوس؟
    الفكرة التقديسية غير الهندسية للكون "الكوزموس"، أم الأصول الأولى لآدابنا الشرقية والتي تعني البحث عن العالم المكتنف بالغموض، والمحاط بالجمال العصي على الوصف؟
    الأحلام غير المتبلورة عن الفردوس الأرضي، أم المكان المجهول دون حدود؟
    أسئلة كثيرة يطرحها على نفسه الكاتب العراقي علي بدر
    في هذا الكتاب الذي يضم مجموعة من اليوميات عن رحلات قام بها في اوروبا وآسيا والشمال الإفريقي
    الكتاب: خرائط منتصف الليل
    رحلات في إسطنبول وأثينا والجزائر وطهران
    المؤلف: علي بدر

    الناشر: دار السويدي-لندن/ابو ظبي 2006
    في الباخرة التي أقَلّتني إلى بيروس، تذكرت المقطع الذي أجبر آرثور رامبو على الهجرة والرحيل إلى إفريقيا:
    "إن السماء المخضبة بالبطولة تؤذن بالليل لا بالنهار.. إن الحياة الحقة هناك.. في مكان آخر".
    من الذي يدفعنا اليوم إلى الهجرات والرحيل إلى المكان الآخر، حلم اللاعودة، أم الحلم بالوصول، المنفى والمكان المستحيل، أم الصورة الاستعارية للفردوس؟
    الفكرة التقديسية غير الهندسية للكون "الكوزموس"، أم الأصول الأولى لآدابنا الشرقية والتي تعني البحث عن العالم المكتنف بالغموض، والمحاط بالجمال العصي على الوصف؟
    الأحلام غير المتبلورة عن الفردوس الأرضي، أم المكان المجهول دون حدود؟
    كان الضباب الإغريقي العميق يحجب المشهد، وعلى صوت هدير الباخرة وتوافد المسافرين والبحّارة الذين يهرولون بملابسهم التي تجذب النساء، والحديث الذي يضيع في هدير محركات الباخرة وصافرتها وهي ترسو، وعلى صوت الجرس الذي يقرع بلا انقطاع، كنت أفكر ذلك اليوم بالحرب التي خضناها، كنت أفكر بالرحيل العظيم، بالهجرات، بالمنافي الكثيرة، والتي ربما لا تجيب على أي سؤال من الأسئلة التي طرحناها. كنت أفكر بالمصير الغامض الذي يشوش أكثر مما يحجب ظلمة المشهد، أفكر بالأشكال العديدة وبالوجوه التي لا تحصى والتي تسبب تناقض الآراء والأحكام دون شك، أفكر بالمجهول الذي ننطلق لنكتشفه، أفكر بالطرق الغامضة التي كنا نتتبع أثرها، أو على الأقل لنتتبع المشاهد التي مثلتها الأحلام العظيمة للناس وهي تهرول نحو مصيرها الحاسم، صحيح.. لم ينقل أحد منا إلى اليوم لغة غير معروفة، أو خبراً عن عرق مجهول، فمنذ سنوات لم تهز البشرية اكتشافات جغرافية كبرى على الأرض، لكني كنت أعرف على الدوام أن الفن هو الذي يجد في العالم الغامض وغير المعروف جوابه الأخير.
    بماذا كانت تجيب رحلاتنا وهي مختلفة كلياً عن رحلة أولئك المغامرين الذين كانوا يقطعون الصحراء في طريق الحرير، أو درب الظلمات في المحيطات تحقيقاً لحلم الفنانين بالألوان المشعة، أو حلم الصحراويين بالنبات الوفير، أو حلم الفلاحين بأشجار من أوراق ذهبية وفضية، أو حلم الفقراء بفواكه عجيبة، أو حلم التجار بوفرة من الأحجار الثمينة والتي تشكل الكنوز التي كان العالم الأسطوري يخفيها في العصر الوسيط، وبدلاً من أن تعمل المراجع التوثيقية التي ظهرت فيما بعد على تصحيح وتوضيح هذه المفاهيم، قامت بتغذيتها ومدتها بكل خيال ممكن.
    بماذا تجيب رحلاتنا ولم تعد كما كانت تكشف عن المجهول الديني خارج خرائط الرحالة وخارج جغرافيات بلدانهم، أو كانت على الأقل تجيب على أسئلتهم الميتافيزيقية التي تتجاذبهم وتهدم أكثر مما تمسح الصورة الأسطورية النمطية للكون، أو الخوف من السقوط بتأثير الرحلات إلى الفضاء السديمي والجن والأموات؟
    * * *
    منذ العام 1754م لم يعد العالم مجهولاً، ومثال المتوحش الطيب الذي كنا نمثله لروسو، ولشاتوبريان فيما بعد، أو المتوحش وكفى لابن فضلان لم يعد موجوداً، غير أن ما يتكرر هو نوبات جنون التاريخ، رحلات الجنود لغزو أراض بعيدة كما كانت حملة الأطفال "مائة ألف طفل مسيحي انطلقوا وحدهم إلى أورشليم فأبيدوا أو أُخذوا عبيداً"، وعالم السياح السهل والبسيط جداً، ونهاية العالم الفنطازي والمدهش والذي أصبح في عصرنا في ماض وبقعة غير محددتين أبداً، وهكذا انتهى كل غزل بريء بالكون، وانتهت جنة عدن دون شك مع الحوار الأعمق مع زحمة الأخبار والهلوسات ونوبات الجنون التي جعلت من تمرد أنطيغون خبراً عائماً.
    إذن ما هي الأسئلة التي تجيب عليها رحلاتنا بعد أن سحقت الإنسانية تحت الأخبار الوفيرة كل أساطيرها؟ بماذا تجيب رحلاتنا بعد صعود المعارف الأنثروبولوجية والإثنوغرافية والطبيعية لتعزز الرحلة كما كانت مصادرها حول التعصب الديني، ونظريات الاستبداد السياسي، ومفاهيم العقلانية والتنوير واليوتوبيا؟
    بماذا تجيب رحلاتنا بعد أن ماتت الرحلة الرومانطيقية التي دَشّنها الفكر الكلاسيكي العظيم، وماتت الرحلات التبشيرية تحت العقلانية والعلمانية التي تجتاح الكون، حتى وإن أحيت هذه العقلانية المرتدة الحروب الدينية بذريعة تشبه ذريعة الدفاع عن بيزنطة، إنه العصر الذي عَجّل من يقظتنا كما قال أندريه ميكيل، وعَجّل من يقظتهم عن طريق الرحالة الذين رأوا وشاهدوا وأخبروا، وهو أمر ينطبق علينا على أية حال، فالرحّالة الذين شاهدوا الغرب هم الذين نقلوا عدوى التحديث إلينا بطبيعة الأمر. وبعد كل هذه الجهود نجد أنفسنا نُرَدّد صرخة جوليان غراك "لا أحد يعرف الشيء الكثير عن بلاد فرغستان..".
    أقول -أنا الذي عدت تواً من الرحلة- بعد كل هذه التجارب الملهمة، بعد كل هذه التجارب التي دفعتنا جميعاً للرحيل، لا نخجل من أن نردد ولو مع أنفسنا: "كان يمكن لأورسينا أن تكون وراء بحر السيرت". كما توقع ذلك بطل غراك، كما توقعنا نحن، كما توقع الآخرون. غير أنه العصر يا "ناتنائيل" وأنت تبحث عن القوت الأرضي، العصر الذي قَلّل تحت الثورة النشيطة رحلات الحج في الإسلام، ورحلات الرهبان الكبوشيين في جغرافيا التراث البيزنطي، وقَلّل من شأن الحكايات والقصص التي انبنت أصلا على ديكور الشرق وعاداته وسلوكه، وخفض من قيمة مذكرات ورحلات الجنود، وجعل مغامرات البحارة وجوابي البحار أمراً تافهاً، وأصبحت الأراضي المجهولة معروضة ومكشوفة لكل من يريد.
    إذن.. أين المجهول بعد الوفرة الفنية والجمالية لهذا العصر؟
    * * *
    منذ زمن بعيد ونحن لم نسمع عن اكتشاف جديد يدهشنا، ومذكرات الرحالة أصبحت أقرب إلى دعايات وكالات السياحة والسفر منها إلى الاكتشافات العظيمة الكبرى، أو فتوح التاريخ والتي أنجزها رحالة عظماء مثل ابن فضلان أو كارستن نيبور، كما أن العصر الحديث وبالمعنى الذي تحدث عنه بطل خليج السرت أنهى فكرة التوغل في الصحراء وما يتاخمها من مدن بعيدة ومجهولة كما كان يصر عليها ابن بطوطة أو بسيشاري أو ناتنائيل بطل القوت الأرضي لأندريه جيد، كما أن الطواف مع القوافل دون دليل أو نقطة مُحَدّدة لم يعد يمنح الصدفة التي تقود إلى تتبع طرق مختلفة، ومسارب متنوعة من المجاهل، وهكذا انتهت قصص المغامرين وحَلّت محلها حكايات السياح المتقاعدين والأنصاف متعلمين والأدباء والصحفيين غير الموهوبين، وانتهت المذكرات العظيمة لأولئك الذين تاهوا أو ظَلّوا الطريق في الصحراء أو في البحر، ولم يعد هنالك أدلاء يقرنون الشجاعة بالقوة والذين عانوا من العنف المحروم من البصيرة ومن العزلة غير أنها منحتهم التنوير.. كما كان نيتشة يصرخ: "قيصر بورجيا، ولا بارسيفال".
    فالبطل الذي ينتهك أعظم بما لا يقاس من طاهر النفس الذي يموت في الظلمة.
    * * *
    إنَّ الشغف بكل ما هو غريب لم يتوَقّف حتى اليوم، ليس من أولئك الذين عاشوا في المتروبولات الكبيرة المغشية بالفضاء الرمادي، والفحم، والدخان، والسخام، والطين، والذي وَلَّد لديهم الاستيهام بالشمس، والرغبة الجديدة في الارتواء المحسوس، إنما حتى منا نحن الذين عشنا تحت الشمس، فالشغف بالغريب هو الرغبة بالانبعاث الجسدي، وهكذا فإن الرحلة هي التطلع المتعاظم للنشوة، وهو ما يجعل نص الرحلة مُفَكَّكاً، ومعيوشاً بسبب بُعدها السيروي وبسبب فوريتها، ومباشرتها، من غير أن نتوهم أشياء عجيبة كما كان يتوَهّم ذلك الرحالة الغربيون، الوهم الذي فضحه نرفال في رسالة إلى غوتييه بعد رحلته إلى مصر( ).
    * * *
    ويبقى السؤال الأكبر والذي ينهض على سؤال يتحَمّل الكثير من الاحتضارات، احتضارات الناس والأمكنة أيضاً: كيف نكتشف المكان؟ كيف نكتشف المكان بعيداً عن عاديته، وبعيداً عن كل ما يجعل منه مألوفاً؟ وأنا لا أقصد هنا المكان المجهول أبداً، لأنه لم يعد هنالك مكان مجهول مطلقاً، لا بسبب هذه الوفرة المعلوماتية التي طبعها عصرنا علينا، إنما لسقوط الأسطورة الغربية، التي كانت تعد المجهول كل ما هو خارج جغرافيتها، واندحارها، فما هو مجهول نسبة لي هو معلوم لساكنيه، ولا مركز للكون هنا ليُقَرّر أو يحكم. إذن يبقى السؤال الأصعب هو الكيفية التي نكتشف فيها المكان بعد سقوط مجهوليته، ونهاية تهميشه؟
    * * *
    أتذكر الآن وصولي الأول إلى إسطنبول، كنا نسير على ضفة من الحصى قرب البحر، وكان الظلام دامساً، وفي الغسق الشفّاف كان رذاذ البحر يضرب وجوهنا، انتابني تلك اللحظة شعور غريب، شيء أشبه بلحظات نسيان أو نوم، حركة الظلام التي تسقط في المياه العميقة في البحر، صوت الصخرة التي يضرب بها الموج، وهذا العشب الغض والذي كنت أجاوره بحذائي، أحسست بدماء عنيفة تنبض في داخلي، تدفع عني الضعف والنوم والخور والنسيان، شيء يلهبني، شيء يجعلني أركض أو أنغمر بالماء، أتحد بالبحر والفضاء والرمال. الرحلة ببساطة هي هذه. الرحلة تمرين حي على الشعر، تجديد وانبعاث للجسد مثلما يُجَدّد الشعر بفعالية جسد اللغة ويمنع عنها التكَلُّس والموت، مثلما يهزها أو ينفضها بقوة، ويجعلها نابضة فتية تتلاءم بشكل فَتّان مع عواطفنا. الرحلة هي الشعر، أي بمعنى آخر هي إخلاص للمعرفة والتحرر، شيء يضاء في الروح وفي الدم واللحم، دروب تُنار من جديد تمنحها نظرة متجددة، والرحّالة شاعر تائه تُسيطر عليه فكرة عمر الإنسان وعمر الأرض، وروح المكان، الرحّالة شاعر أصيل وغامض، مكتشف رائد، مليء بالأسرار، إنه مثل الشاعر متوحش قليلاً، وحيواني أيضاً لأنّه يفترس الجمال بنهم مثل حيوان جائع.
    * * *
    الرحلة هي البحث عن سعادة النهار في خرائط المدن، البحث عن المكان الذي يثير كل ما هو شهواني وأرضي في تجربة الغموض التي يكشف عنها، والقلق والانفصال الذي يذهب ويعود، والأرض الباردة التي تتحَوّل إلى شعر غنائي للتجسد، والمدن التي تختزل في تعاقب وتركيز وكثافة، وتتفَجّر صوراً.
    الرحلة تجدد المدن بالنظرة وبالروح. تغيرها وتنعشها، تجعلها متجددة لأنها تعطيها قيمتها، فمدننا التي نألفها ولا نراها سنراها مرة أخرى بعيون الآخرين، بعيون الرحالة الذين يهبونها صورة جديدة ونظرة عميقة سنراها نحن أيضاً على خلاف ما كانت تبدو لنا، وهكذا سيرى الآخرون مدنهم التي ألفوها بعيوننا.
    الرحلة منذورة للشعر من جهة ومنذورة للحقيقة من جهة أخرى، وهذا التوتر والصراع يمنحها جوهرها الوجودي، يعطيها روح الكائن، أي أن المكان يبطل أن يكون فضاء خالياً أو مادة أو جماداً، ويتحَوّل إلى كائن حي يعيش ويتنَفّس، الرحلة تمنح المكان مفاتيح الفردوس، مثلما المكان يمنح النص أبديته الحية ويُجَدّده، فالمكان الذي يتجدد عبر النص يؤثر في النص، يمنحه صورة جديدة ومعجماً جديداً ونسقاً إنشائياً جديداً، إنه يجدده ويثريه، ويُغْنيه بالصور والأحداث والعواطف، وهكذا كان الشعراء يسيحون بحثاً عن مكان يجدد لهم معجمهم وصورهم وحياتهم، هذه العلاقة المتبادلة بين النص والمكان هي النصر الحاسم على الموت، موت اللغة أو موت المكان، كما أنه تجديد لحوار الكائن مع مخلوقاته ومع خالقه، إنه النور.. النور الأبدي الذي يأتينا من هذه الجهة ونرى تأثيره على التراب، كما في قصيدة غوتييه:
    حينما يتقدم المركب مسحوباً بخطوات وئيدة
    تبدو النفس وهي طافية بعذوبة في الفراغ
    حيث يسهرون وهم ينصتون لصمت السهول،
    يصغون لصمت البجع الذي يفيق نصف إفاقة
    والكلب الذي ينبح على عتبة الأكواخ البعيدة
    والهمسات الموشوشة للنهر العظيم النائم.

    0