رحلة محمد بن عمر التونسي إلى دارفور 1803 | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    رحلة محمد بن عمر التونسي إلى دارفور 1803

    حجارة ضخمة تُصوِّت كالطبول وهدايا من الخرز الأبيض والكهرمان أعد الكاتب الروائي والباحث السوداني محسن خالد، طبعة جديدة من كتاب "تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان" لمحمد بن عمر التونسي من مطلع القرن التاسع عشر، لتصدر من خلال منشورات "المركز العربي للأدب الجغرافي". والتونسي رحالة وجغرافي ومؤرخ من تونس له مكانة خاصة في التاريخ السوداني. قام التونسي برحلة طويلة جاب خلالها أراضي مصر وغرب السودان، وفي سنة 1803 زار دارفور، وأتيح له ان يلمّ إلماماً واسعاً بأحوالها الإجتماعية والاقتصادية ونظمها السياسية والإدارية والحربية وعلاقاتها بجيرانها فضلاً عن ذكر تاريخها. وكان القصد من رحلته البحث عن والده الذي استقر في إقليم دارفور وتزوج هناك وكان يخدم في بلاط السلطان. واليوم تعتبر رحلته المسماة "تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان" أهم مصدر للتعريف بأحوال إقليم هام من السودان. إذ المقصود ببلاد العرب والسودان هنا: بلاد السودان التي تسكنها القبائل العربية، إلى جانب سكانها الأصليين من السودان، وإقليم دارفور بصفة خاصة. وقد عرف هذا الإقليم باسم أقدم شعب سكنه، وهو شعب الفور، الذي أضحى اسمه علماً عليه. وحوالي منتصف القرن السابع عشر الميلادي، قامت في هذه البلاد سلطنة إسلامية، كانت تكون وقتذاك حَلْقَة في سلسلة الممالك الإسلامية السودانية الواقعة بين الصحراء الكبرى ومصر في الشمال، وبين الغابات الاستوائية في الجنوب، وتمتد من البحر الأحمر شرقاً إلى المحيط الأطلنطي غرباً، وتشمل ممالك سنار وكردفان ودارفور وواداي وباجرمي وبرنو أو الكانم وممالك الحَوصة ثم مالي. أما إقليم دارفور، وهو أقصى مديريات جمهورية السودان في الغرب حالياً، فهو ذو صفات بشرية خاصة، منشؤها نشاط الفور أنفسهم، حينما سرى فيهم وعَيٌ قبلي واضح، وذلك فضلاً عن محاولاتهم التوسعية الدائبة، مذ صارت لهم سلطنة في هذا الإقليم. يضاف إلى هذه الصفات البشرية، صفات طبيعية، نابعة من الوضع الجغرافي لهذا الإقليم. يقول محمد بن عمر التونسي: عن رحلته التي بدأت من الفسطاط نحو جنوب مصر لما امتطَيْنا الدَّهْماءَ لهذا السفر العظيم، قلنا "بِسْمِ اللهِ مَجْرِيها ومُرْسَاها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيم". ولما أَقلعْنا عن ساحل الفسطاط، ناويين، البُعد والشَّطاط، تذكرتُ متاعبَ الأسفار، وما يحصلُ فيها من الأخطار، خصوصاً لمن كان حاله كحالي في الفقر المُدْقِع، والعُسر المُقْنِع. ثم أدركتني ألطافُ الله الخفيَّة، وتذكرتُ ما مُدِحَتْ به الأسفار على ألسنةِ البُلَغَاء الأدبية، خصوصاً ما وَرَدَ في الأَثر، عن خالقِ البشَر: "سَافرْ أُحدِثْ لكَ رزقاً جديداً". وإنَّ أفضل الأنام، سافَرَ من مكَّة إلى الشام. وقد قالتِ العلماءُ: إنَّ السَّفَر يُسْفِر عن أخلاق الرجال، وهو المُميِّزُ للذكور عن رَبَّات الحِجال. وقد قيل: إنَّ الدرَّ لو لم يُنْقل من معدنه لَمَا رُصِّعت به التيجان، ولو لم يَسِرْ البدرُ لكان في غاية النقصان. على أنِّي لو كنتُ أقمتُ بالقاهرة في هذا الحال، ما كنت أرى فيها إلاَّ الوبال. وكنَّا قد أقلعنا بريحٍ طيبٍ ظَلَّ معَنا يومَه، وسفينتُنا تميسُ به عُجْباً، وتتمايلُ بحسنه طَرَبا، وقد ملأ شراعَها، وأطالَ في المسيرِ باعَها. وعند المساء سَكَنَ الهوا وبَطَلَ هبوبُه، وفُقِدَ شَمَالُه وجَنوبُه، وقد جئنا مقابلَ المِنْية، وكان فيها جماعةٌ من الغُزِّ، الذين ابتزَّ الله منهم حُلَّةَ العِزِّ، فأخذونا بالقوة والقهر، وأمالوا سفينتنا إلى جانب البرّ، وكان معسكرهم مُخَيَّماً في عرض البلد على النيل. وكانوا مقيمين هناك لنهب السُّفَّار المارِّين. فغَرَّموا صاحبَنا جملةً من المال، وبعد الخلاص أقلعْنَا عنهم في الحال. وفي عشية اليوم الخامس، وردنا محلاًّ يقال له: الشَّبّ، وهو محلٌّ بين غُرودٍ من الرمل عليه ريحُ الوحشة قد هبّ، فأرحنا فيه يومين وارتحلنا، وللمفازة الثانية دخلنا، فقطعناها عَنَقاً وذَميلاً في مدة أربعة أيام، نزلنا في ضُحَى خامسها ببئر يقال له: سَلِيمة، وبهذا البئر رسوم أبنية قديمة، وهو في عرض جبل يسمى بهذا الاسم أيضا، فمكثنا فيه يومان، حتى قضينا منه غرضاً. ومن خواص هذا المحل، أن الحالَّ به يستأنس به، ولا يستوحش منه. حجارة ضخمة تُصوِّت كالطبول ومن العجائب أن الشبان من أهل القافلة يصعَدُون على الجبل الذي هناك، ويضربون الحجارةَ بعصيّ صغار كما يضربون الطبول، فيُسمعُ لها صوتٌ كالطبل، ولا يعرفُ سبب ذلك، أهوَ تجاويفٌ في الحجر، أو هي موضوعة على خلُوٍّ؟ فسبحان من يعلم حقيقة ذلك. وأخبرني أهلُ القافلة أن في بعض الليالي –وأظنهم قالوا في ليلة كل جمعة- يُسمعُ من الجبل أصواتُ طبول، وكأنَّه عُرْس، ولا يعرفون حقيقته. ثم ارتحلنا صبيحة اليوم الثالث بعد مَلء أدوات الماء ودخلنا مفازة، سافرنا فيها خمسة أيام، وصلنا في ضحى سادسها إلى محل يقال له: لَقِيَّة. فوجدنا هناك آباراً محاطة بالرمل، وماؤها عذب زلال. وقبل وصولنا لهذا المحلّ عَرضتْ لنا قافلةٌ صادرةٌ من بئر النَّطرون المُسَمَّى بالزَّغَاوِي، وأهلُها من عرب يقال لهم: العمايم، فقابلونا بالسلام، ثم انصرفوا عنّا بسلام. خبر موت السلطان عبد الرحمن الرشيد فمكثنا في لَقِيَّة يومين، وفي صبيحة اليوم الثالث ارتحلنا للزَّغاوِي قاصدين، وإذْ بهجَّان أقبل من ناحية دارفور يخبر بوفاة المرحوم الملك العادل المجيد، السلطانِ عبد الرحمن الرشيد، وملكِ دارفور وما والاها، وسلطانِ أقصاها وأدناها؛ وأنه ذاهب إلى مصر لتجديد الخاتم الذي تختم به الأوامر السلطانية، لعدم من يتقنه هناك، لابنه السلطان محمد فضل، وذلك لليالٍ مضت من رجب الفرد سنة 1218. فحزن أهلُ القافلةِ على موت سلطانهم، وخافوا من وقوع الفتن في أوطانهم، لأنه كان سلطاناً عادلاً كريماً، مُحبَّاً للعلم وذويه، مبغِضاً للجهلِ ومن يليه. ثم سافرنا من هناك، خمسة أيام، أنخنا في سادسها ببئر الزَّغاوِي، وهو بئر النَّطرون، وبينه وبين دارفور مسيرةُ عشرة أيام كاملة. فأقمنا به أحدَ عشر يوماً، نُصْلح شؤوننا ونرتاحُ، وترعى دوابُّنا، لتقوَى على قطع هذه المفازة الدَّهماء. ونُحِرَتْ في إقامتنا تلكَ عِدة جُزُر، وفُرِّق لحمُها على أهل القافلة. واجتمعنا هناك بأعراب البادية من دارفور، وأَتَوْنا بلبن الإبل وسَمْنِها، فاشترينا منهم ما احتجنا إليه. وكانوا أَتَوْا لهذا البئر ليأخذوا منه مِلْحاً ونَطرونًا لدارفور، لأنَّ النَّطرونَ وأكثرَ المِلْح لا يُجلبُ لها إلا من هناك. وكنا قبل حلولنا بالزَّغاوِي، أرسَلَتْ أهلُ قافلتنا هَجَّاناً لدارفور بأوراق إلى الدولة وإلى أهاليهم، تُعْلِمهم بالمجيء وأنهم قد قَفلوا سالمين. ثم ارتحلنا من بئر الزغاوِي، {و} سافرنا عشرة أيام سفر المُجِدّ، نأخذ من أول الليل قطعة، ومن آخره دُلْجة، حتى وصلنا ضحى حادي عشرِها إلى المَزْرُوب وهو بئر في أول أعمال دارفور، وقبله حوالي ثلاث ساعات أو أربع، جاءتنا أعراب بقرب من الماء واللبن، فاستبشرنا بالسلامة، ثم نزلنا البئر المذكور فأقمنا فيه يومنا وفي صبيحته ارتحلنا نحو أربع ساعات ووردنا بئر يقال له: السُّوينَة، وهناك قابلنا قائد الولاية وحاكمها، وكان يسمى الملك محمد سَنْجَق، وهو قائد الزَّغاوة وهي قبيلة عظيمة من السودان -وأهل السودان يُسَمُّون القائد ملكاً- ومعه جيش كثيف أظنه نحو خمسمائة فارس؛ فَسَلَّم على أهل القافلة، وهنأهم بالسلامة. فأقمنا في هذا المحلِّ يومين، ثم ارتحلنا وتفرَّقت الناس، فكل أناس أخذوا طريقَ بلادهم، لأنَّ أهلَ القافلة كلهم ليسوا من بلدة واحدة، فأكثرهم من بلدهم المشهور المُسَمَّى كُوبيه، وبعضهم من كَبْكبابِيَّة وبعضهم كالسيد أحمد بدوي صاحبي من سَرَف الدجاج، وبعضهم من الشَّعِيرِيَّة، وبعضهم من جديد كَرْيو، وبعضهم من جديد السَّيْل. فذهب كل منهم في مذهبه، وأخذنا طريق سَرَف الدجاج، فسافرنا سفراً هيِّناً نحو ثلاثة أيام، ونزلنا في رابعها قربَ الظهر في ظلِّ جبل بقرب بئر، فَقِلْنا هناك. وجاءت أناس كثيرون يهنُّوننا بالقدوم، وجاء هناك بدوي ابن السيد أحمد، ومعه عبيد وخدم بأطعمةٍ كثيرة، فسَلَّمَ على والده وهنّأه بالسلامة، وتغدَّينا وأقمنا حتى أنَهَرَ النهار، وأخذ الشمسَ الطَّفَلُ والاصفرار، {ثم} حُمِّلتْ والأحمال ورُفعتْ الأثقال، فلم يأتِ المغرب إلا ونحن على ظهر {رواحلنا} مُقِلُّون، {و} على الجادَّة سائرون. فدخلنا سَرَف الدجاج بعد العشاء. وبتنا تلك الليلة في مشقة من كثرة المسلمين، وازدحام الداخلين والخارجين، ومع ذلك لم يتهاونْ السيّد أحمد بأمري، ولا شَغَلَهُ ما هو فيه عني، بل أَفَرَدَ لي حجرة، وجعل فيها من الفُرُش والآنية ما أحتاج إليه، وأنا لا أعلم ذلك، بل حين طال عليَّ السهر دخلتُ عليه، وقلت له: أين أنام؟ فنادى بأحد العبيد وقال له: أَرِ سيِّدَك حجرته. فأخذني وأدخلني حجرةً رأيت فيها سريراً وفرشاً وآنية، بل وجميعَ ما أحتاج إليه. وبِتُّ بأنعم ليلة، حتى إذا أصبحتُ لبستُ ثيابي ودخلتُ عليه، فوجدتُه جالساً في أُبَّهةٍ عظيمة، بين خدمه وجواريه وأولاده، قارَّاً سارَّاً، كأنه لم يكن مسافراً. ثم إن جميع أهل القافلة صاروا يصنعون الولائم فتوالت، وكُلُّ وليمة يدعونني فأحضرها، حتى جاء عَمِّي وتوجهتُ صُحْبَتَه إلى والدي. وذلك أني كنت في ضيافة بعض الأصحاب، وأتيتُ قربَ المساء، فدخلتُ الحجرة المعدَّة لي، فرأيت فيها رجلين وعبدَيْن. أما الرجلان، فأحدهما أسمر قصير، ذو هيئةٍ حسنة، جميل البِزَّة، يقرب لونُه من لون الحبشة، والآخر أسودٌ رثُّ الهيئة. فسَلَّمت عليهما فَرَدَّا عليَّ السلام، وجلستُ متعجباً كيف دخلا في حجرتي بغير إذني، فرأيتهما يتغامزان، ويقول أحدهما للآخر: أهو هو؟ فيقول الآخر: نعم، هو. ولا أعرف علامَ يقولان ذلك. ثم سألني الرجل الأول وقال لي: أنت من هنا؟ فقلت: لا، أنا من مصر جئت ملتمساً لأبي. فقال: ومَنْ أبوك؟ فقلت: أبي السيد عمر التّونسي. فقال لي السوداني: سَلِّم عَلَى عَمِّك السيد أحمد زَرُّوق. فسلَّمتُ عليه حينئذ. وبعد السلام أخرج لي مكتوباً فيه بعد السلام: إنه قد جاءنا كتاب من ولدنا السيد محمد، أخبرنا فيه أنه قدم صحبتَك وفعلتَ معه من المعروف ما أنت أهلُه، فجزاك الله عَنَّا خيراً، وهذه مِنَّةٌ لا أكاد أقوم بشكرها، وصنيعةٌ لا أقدر على مكافأتها، ومن المعلوم أن المهاداة سُنَّةٌ من أول الزَّمان، وقد قَبِل الهديةَ سيِّدُ ولد عدنان، ولذا قال عليه صلاة ربنا المنَّان. "تهادَوْا تحابُّوا وتذهبْ الشَّحناءُ من قلوبكم". وقد أرسلتُ لحضرتك صحبةَ أخي السيد أحمد زَرُّوق عبدَيْن سُداسيِّين ومُهراً أحمر، أرجو من سعادتكم قبولَهم، وهم على مقامي، لا على قدر مقامك ومنا السلامُ عليكم وعلى أولادكم وأهلِ منزلكم، ومن يحويه مجلسكم السعيد. وقال لي: خذ هذا الكتاب واقرأه على عمِّك السيد أحمد. فذهبتُ به وقرأتُه عليه، وأحضرت الهدية فرآها وبارك فيها، ثم قال: إني قبلتُها ووهبتها لابني هذا. يعنيني. فألححتُ عليه أنا وعَمِّي في قبولها فأبى إلا ذلك، وقال: إنِّي لو أفنيتُ أموالي كلَّها في مرضاته، لما كان ذلك جزاء له بما صنع معي من المعروف، فتجاسرتُ عليه حينئذ، وسألته بالله العظيم، إلا ما أخبرني عن هذا المعروف الذي صنعه معه. فقال لي: اعلم يا ولدي أن أعدائي وشَوْا بي إلى حضرة السلطان بأني أبيع الأحرار وزخرفوا له القولَ حتى استقرَّ في ذهنه أن الأمر صحيح. فغضب لذلك وقال: تاجرٌ مثلُ هذا في غنائه يفعلُ هذا الفعل؟‍ الفقر أولى به! ‍ فأحضرني من داري على غير صورة، وحين دخلتُ عليه وبَّخني وقَرَّعني بالكلام المؤلم، وطلبتُ تحقيق ما قيل فيَّ فلم أتمكن من ذلك، ولا سُمِعَ لي قولٌ، بل أَمَرَ بالقبض عليَّ، وأن توضع الأغلال في عنقي، ويضيَّق عليَّ في الحبس. وكان من لطف الله تعالى أنَّ أباك حاضر بالمجلس، فلم يتجاسر أحد {على أن} يَشْفَع لي عنده لِمَا قام به من الغضب. وحين رأى والدُك ذلك تقدَّم وتنحنح، وذكر أحاديثَ في العفو عن الجاني، وتلا "يا أيُّها الذَّينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا" ثم شَفَعَ فيَّ فشفَّعه السلطان وأَمَرَ بإطلاقي، وبعد ذلك ظهرت له براءتي؛ ولكن لو لم يُسَخِّرُهُ الله لي في تلك الساعة لذهبتْ نفسي وأموالي كلُّها! فأيُّ جميل أكبر من هذا، وأي صنيع أعظم من هذا؟! ومع ذلك كله فأجرُ أبيك فيما فعله معي على الله، وإنِّي طالما كنتُ أترقَّب له حاجةً تأتي على يدي فأقضيها له، فلم يتيسَّر لي إلا هذه الخدمة، وعسى أن يكون فيها قضاء بعض ما وجب عليّ، ولا أظن ذلك. هدية أحمد بدوي كانت من خرز الريش والخرز الأبيض والمنصوص والكهرمان ثم أراد عَمِّي أن يسافر صبحَ ذلك النهار، فأبَى السيد أحمد. فمكثنا بعد ذلك ثلاثة أيام، وفي صبيحة اليوم الرابع دخلتُ عليه لأودِّعه، فأعطاني خرزاً كثيراً يضعنه نساءُ السودان في أوساطهنَّ من قَبيل الزينة يُسَمَّى عندهن: رُقادَ الفاقَة، ومعناه: نوم الراحة. وأعطاني خَرزاً آخر غاليَ الثمن، يجعلنه في أجيادهِن، وهو على أنواع. منه ما يُسَمَّى بالرِّيش، وهو خرز أبيض مستطيل، فيه بعض خطوط سُمر، معروف بهذا الاسم في مصر أيضاً. ومنه ما يُسَمَّى بالمنصوص، وهو خرز أصفر من كَهرمان مستدير مُفَرطح. ومنه خرز كروِيّ الشكل أحمر غير ناصع، يُسَمَّى بالعقيق، فأعطاني منها ما يزيد على عِقدين، وثمنُه ينوف عن ثلاثة رؤوس من الرقيق. وأعطاني عمامةً خضراء من الشاش جديدةً، وسُنبُلاً ومَحْلَباً وصَندلاً كثيراً، وهذه الثلاثة من العِطريَّات، يتطيبن بها نساء السودان. وقال: فَرِّق هذه الأشياء بين نساء أبيك. وذبح لنا شاة وحَنَّذَها وبلغتهم يقال لها: نِصيص، ثم زوَّدَناها وودَّعنا وركبنا. وكان مع عَمِّي عبد آخر كبير. فركبتُ الفرس، وركب عمي هجيناً، وركبنا الرجل حماراً فارهاً، وسعت العبيد أمامنا، وسرنا قاصدين محل أبي. كان بمحل يقال له: أبو الجدُول وبينه وبين سَرَف الدجاج ستة أيام سفر. فخرجنا من سَرَف الدجاج، ومررنا بالبلد المُسَمَّى بكَبْكابِيَّة، وهي بلد أشبه ببلاد ريف مصر، إلا أنها أعمر منها وأخصب، لأنها آهلة بالساكن، مغتصَّة بالقاطن. وأهلها تجار أغنياء، وعندهم من الرقيق ما لا يُحصى كثرة. ولهم نخيلٌ وأرض واسعة فيها آبارٌ قريبة الماء، يزرعون بها أنواع الخضراوات والبقول، من بامية وملوخية وقرع وباذِنجان وفقّوس وقِثَّاء وبصل وحُلبة وكَمُّون وفُلفل وحبّ رشاد، وكلّه كما نعهد إلا الفلفل، فإنَّه حب رفيع أغلظ من الشعير بقليل. وعندهم بعض شجر الليمون الحامض. وبقربهم جبل يقال له: مَرَّة، وهو جبل يشق إقليم الفور من أوله إلى آخره مع الاستقامة، وله عدة طُرق تصعد الناس منها إليه، ولكل قطعة منه اسم خاص به غير الاسم العام. والفور يسكنون في أعلاه، ولا يألفون الوِهاد، بل يروْن أنَّ ذلك أصونُ لهم ولأموالهم. وسيأتي لهذا مزيدُ توضيح. وحين مرورِنا بكَبْكابِيَّة وجدنا سوقها عامراً، فأخذنا منه ما احتجنا إليه، ثم توجَّهنا فسافرنا ثلاثة أيام في عَرض جَبل مَرَّة، وصرنا نبيت ببلاد أقوام مستوحشين يكرهون الضيوف، وخصوصاً إن كانوا من أولاد العرب، فأَصابتنا منهم مَشقَّة عظيمة، حتى صرنا لا نبيت عندهم إلا كَرهاً عليهم، مع أن معنا أزوادَنا ولا نحتاج لهم في شيء، فكانوا ينفرون منا بالطبع. وبعد ذلك خرجنا إلى السهل فبتنا ليلةً واحدة بمحل يقال له: تَارْنيه، فأكرمونا هناك وصنعوا لنا ضيافة عظيمة. مقابلة والدي عمر التونسي ورؤيته وفي ضحي اليوم السادس دخلنا البلدة التي فيها والدي، المسماة: بِحِلَّة جولْتُو، وهي من جملة حِلَل أبي الجدُول. فرأينا على باب دار والدي خيلاً وحميراً وخَدَماً لأضيافٍ كانوا عنده، فدخلنا الدار، وعرضنا جواريَ وعبيداً يُسَلِّمون علينا ويُهَنُّوني بالسلامة. ثم جاء والدي بعد أن رَكِبَ أضيافُه وسَلَّم عليَّ، فقمتُ وقَبَّلتُ يدَه، ووقفت أمامه خدمةً له. فأمرني بالجلوس فجلستُ. فسألني: ما الحرفة التي تعلمتَها؟ فقلت له: القرآنَ وشيئاً من العلم. فَسُرَّ لذلك وصنع ثاني يوم مجيئي وليمةً ذَبَحَ فيها عِدَّة شياهٍ وبقر، ودعا الناس، فجاء خلقٌ كثير فأكلوا وكان يوم مسرور.

    0