تشـــيــلــي: شَريط القاع بين الآنديزْ والمحيط | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    تشـــيــلــي: شَريط القاع بين الآنديزْ والمحيط

     لنحَلِّق الآن، في الفضاء. في فضاء الكون المليء بالألاعيب. يطول الليل كثيراً بين « باريس» و «سانتياغو» حتى ليكاد يتضاعف. وفي الصبح نرى الجبال. جبال عملاقة تحدُّ شريط الأرض الطويل الهابط من « البيرو» حتى « أرض النار». « التشيلي» شريط أرضيّ محصور بين سلاسل جبال «الآنديز» المقدسة، وبين المحيط الهاديء، بطول ٤٥٠٠ كم تقريباً. و« أرض النار» هي أسفل نقطة في القطب الجنوبي. إنها « تشيلي» بلاد العجائب والأساطير. شريط أرضيّ مخيف من شدة الجمال، ينحدر من أعالي الكرة الأرضية إلى أسفلها، متجاوزاً «مضيق ماجلاّنْ» إلى الجنوب، إلى أغرب نقاط الكوكب الأرضي، حيث الهنود الأوائل كانوا يشعلون نيرانهم مساء للتقرب من آلهة « الآنديز»، ممّا جعل « ماجلان» يعتقد أن النار تنبجس من القاع : تلك هي «التشيلي». سلاسل جبال « الآنديز» العملاقة، تبدو وكأن سطح الأرض لا يكفيها عُرْضاً، ولذا فهي تتطاول، وتَـنْـمَـطُّ، من أعلى إلى أسفل، حاضنة شريط الأرض المسكين، المُـلْتَمّ على نفسه، لتقدمه «قُرْباناً» للمحيط لتهدِّئه، ُممَهِّدة، هكذا، للسيطرة الأزلية عليه (المحيط الهاديء). خدعوا الهنود. خدعوهم عندما وصلوا على خيولهم. وقد كان الهنود يعتقدون، حسب مزاعم الغزاة، بأن آلهتهم بيض، ويمتطون الخيل. ولكن، من أين جاءتهم فكرة لا معقولة كهذه، وهم على العكس من ذلك؟ لعلّ الاسبان لا يَصْدقون فيما يَـرْوون. على أي حال، براءة الهنود العفوية، وطبعهم المسالِم بالفطرة، وغياب مفهوم التوسّع والعبودية لديهم، وكلها قِيَم إنسانية خالصة، إضافة إلى أنهم يجهلون تماماً «مفهو تراكم الثروة» حتى ولو حساب قتل الآخرين، هو الذي خدعهم بالأحرى. يقول مؤرخو الاسبان إن الهنود استقبلوهم مهللين فرحين بقدومهم، وكأنهم هبطوا من السماء! (والمقصود في الحقيقة : من أعالي جبال الآنديز المقدسة، لأن مفهوم السماء غير متمكّن من لا شعور الهندي. وهو ما يفضح التفاوت العميق بين الديني عند الاسبان، وبين الطبيعي عند الهنود. ويجعلنا نُخَمِّن بسهولة عمق التَلْفيق والكذب عند مَنْ أرّخوا لهذه الفترة من الأوربيين). ويضيف هؤلاء المؤرخون أن الهنود منذ أن اكتشفوا الخدعة، وعرفوا الطبيعة العدوانية للقادمين، قاوموهم بعنف. وأتصوّر أن هذا« العنف» المزعوم، وهو بالتأكيد نسبي و «بدائي» عند الهنود، كما هو حال العنف « الفلسطيني» اليوم، كان مبرراً لإبادة الهنود والاستيلاء على أرضهم. ومنذ أن استقر لهم الحال، بنى الإسبان « سانتياغو» لتكون عاصمة للبلاد. بنوها في البدء على جزيرة صغيرة وسط النهر الذي يمر بها. وأول ما أفعلُه، عندما أصل إليها، هو الذهاب لزيارة « لا مونيدا»: القصر الجمهوري الذي قُتِل فيه « سلفادور أليندي». أمام القصر التاريخي، الذي أصبح تاريخياً بالأحرى، يقوم تمثاله المهيب، وعليه مَرْقوم قوله الأخير: « إنني مؤمن بتشيلي، وبشعبها». كلماته الأخيرة، هذه، قالها في راديو تشيلي. وأطلق النار. أقف في ساحة القصر، طويلاً. حولي جمهور صامت ومتأثّر إلى حد البكاء. ومثلهم أنا. لا أحب العاطفة الجيّاشة عندما أكون «غريباً».أصمد أمام دموعي، هذه المرة، وأنا أقول : سأعود إلى هنا، مرة أخرى، وحدي. أقول هذا وأُغْمِض عينيَّ للحظات، استعيد خلالها وقت الهجوم في «دمشق». مقابل القصر يقع الفندق الذي صار هو الآخر من معالم «سانتياغو»، الفندق الذي منه صَوَّر الصحافيون الأجانب الذين كانوا يتكدّسون فيه، وقائع الهجوم البربري على «أليندي» وحاشيته. وعندما أدرك « أليندي» مصيره المُفجع، طلب من أهله، أن يغادروا القصر، لأنه يريد أن يظل وحيداً بعض الوقت. كان يريد أن يمهّد لخطابه الإذاعيّ الأخير، وأن يلقيه بشجاعة مَـنْ يعرف أنه سينتصر بعد قليل. وإن كان هذا الــ«قليل» بعيداً. وأي أهمية لزمن لا يحمل موقفاً ولا سلوكاً جديداً. يومها، يوم قتله، ألقى خطابه الشهير، المحفورة كلماته الأخيرة على التمثال، والتي لا زال صداها يرنُّ في عيون التشيليين الذين كنت أراهم ساهمين، وكأنهم يقرأون الوقت. الآن سيأخذوننا إلى « ساحة الأسلحة»، والدليل يحكي: “ أنظروا إلى اليمين.القصر العربي الأندلسي. بنى على طراز قصر الحمراء في أسبانيا. وهو اليوم متحف للفنون”. ويتابع الدليل : “ أنظروا حولكم. هل لا حظتم غياب نمط معماري موحد في سانتياغو” ؟ ويضيف مشمئزاً : “ من السهل أن يلاحظ الزائر ذلك وسط هذا الامتزاج العشوائي الصاخب للعمارة هنا”. ويتابع بحماس : “ أنظروا هناك، على اليمين، في أفق النظر، البيت الجميل الأحمر هو أول بيت بُني بعد الإستقلال عام ١٨١٠. وه أجمل دار في سانتياغو، كلها”. وبالفعل يبدو القصر عندما نقترب منه : جميلاً، رائعاً، وعلى نمط العمارة الكولونيالية. أُفكِّر. ويقطعني صوت الدليل من جديد: “ نحن الآن في مركز المدينة. وكما رأيتم فإن البساطة والفقر هما السائدان”. وبعد لحظة صمت أمام المشهد المحزن، يتابع : “ على العكس من أوربا، هنا يسكن البسطاء وذوو الدخل المحدود في مراكز المدن. والأثرياء يذهبون بعيداً، يختبئون في قصورهم، ولا يراهم أحد منا”. أحسه يحرِّضنا. ولكن، كيف، وبأية وسيلة، يمكن للإنسانية أن تحقق المساواة؟ «وسط المدينة» فقير، قريب من القلب، وكثير الألوان والفقاعات. لستُ أنا الذي سيتأفَّفُ من مشهد كهذا، أكاد أعرفه مغمض العينين، أنا الذي تَلَوَّعْتُ صغيراً بما هو أشنع منه. أنا، في الحقيقة، في مقامي. وأُطيل التأمّل والنظَر. أستدير إلى الجهات جميعاً. أريد أن أشتمل بكل ما يمكن للعين أن ترسله إلى القلب. أحاول أن أُدرك كيف تتماثل أقطاب الإنسانية رغم افتراقها الكبير. كيف يحس الكائن الذي لم يسعفه الحظ بأن يتًَخلَّص من بؤسه القديم. أريد، ويريد الدليل شيئاً آخر. وأفترق عنهم. أصير وحيداً في جسدي، عديداً في مشاعري وارتكاساتي. في « ساحة الجيوش»( بلازا دي آرماس)، أجد مقهى صغيراً، خاتلاً في الزاوية. أجلس فيه على وَجَل. أطلب القهوة بالحليب. وأدع نفسي تتأمل العابرين بحرية، وتتمَعَّن في أنحاء المكان بلا قيود. المكان هو الوحيد الذي يشفُّ عن خفايا الكائنات التي تقيم فيه. لماذا نلجأ إلى الأساليب الأخرى، إذن؟ جو «سانتياغو» لطيف هذا النهار. لا برد، ولا حر، والناس لُطَفاء. وأتساءل : “ كيف تتكوّن ذاكرتنا النقدية حول الأمكنة وسُكّانها”؟ وكيف ننتقل من موضع إلى آخر، ونحن ، أحياناً، لا نغادر المكان”؟ لا نُغادره بالمعنى النفسي، أو المعرفي، مع أننا نبعد عنه آلاف الكيلو مترات. وتحاصرني الذكرى: في «دمشق»، عندما صعد « أليندي» إلى قمة السلطة، كنتُ متحمّساً له، ومنحازاً إليه بلا حدود. كان الفضاء الدمشقي، آنذاك، يُفرِز مثل هذه العواطف الجَيّاشة، والتي تبدو، أحياناً، غير مفهومة. كنتُ أحلم بأن أراه. بأن أرى تشيلي. وعندما قُتِل، لم يبقَ على لساني كلما ذُكِر سوى: “ إنها تمطر فوق سانتياغو”. وقبل أن أذهب بعيداً، يسحبنا الدليل نحو قمة الهضبة المطلة على المدينة. هضبة «سانْ كريسْتوبالْ»، قديس الرَحّالة، حيث يقوم تمثال العذراء حامية «سانتياغو»، أو كما يلفظونها محلياً : « سانْ جياكو» (ومعناها سان جاك). أمرُّ سريعاً على التمثال. فليس ثمة ما يثير الدهشة فيه. عندما تكون قد رأيت تمثال المسيح فوق أعلى جبل في «ريو دي جانيرو»، فسيبدو هذا لعبة طفولية، شديدة البساطة. أعود إلى «أليندي». في أواسط السبعينيات جئت إلى «باريس». وكنتُ أتردد على صالة سينما تجريبية في قلب الحي اللاتيني، تعرض، وحدها، الفيلم الذي شدّني كثيراً : « إنها تمطر فوق سانتياغو». كان الفيلم يتعلّق بالهجوم على «لامونيدا». وكنتُ أضطرب شغفاً للبلاد البعيدة التي تملؤني بالرُؤى والأحلام. كان « أليندي » قد قُتل، وكنتُ حزيناً لذلك وكأنه أبي. كنتُ متحفِّزاً ومتعاطفاً لا معه فحسب، وإنما، مثل كثيرين غيري في ذلك العهد الذي يبدو الآن جميلاً، مع كل الحركات المناهضة للقمع في العالم. كنتُ أقف طويلاً أمام الصور والعلامات، مأخوذاً. لم يكن يخطر لي أنني سأقف ذات يوم أمام قصر«لا مونيدا»، نفسه. أقف طويلاً وأنا أستعيد واجهة السينما العتيقة وصورها المعلقة في الفراغ. الطريق إلى « فالْباريزو» في الطريق إلى «فالباريزو«، صفائح الهضاب مثل أنصال مَسْنونة، تتوالى بلا حدود. لكأن المحيط صقَلَها عمداً على هذا الشكل قبل أن يُلْقي بها على وجه القاع . المحيط الذي يُسَمّى هادئاً. هضاب بركانية قذفَتْ بها الماء ذات يوم، وتدحْرَجَتْ متلاحقة حتى أسفل نقطة في القطب الجنوبي. الأرض، هي الأُخرى، تَلْحق الإنحدار مثل الماء. بين الهضاب نكتشف الوديان. لأن العلوَّ لا يوجد دون إنخفاض. والإنخفاض في الأرض، كما في الجسد، هو مصدر الثروة والخَصْب. وهنا، في هذه الإنخفاضات العظمى، تجمَّع الماء الثريّ، والبشر، والشجر، وأكاد أقول والجَمال. والجمال أصلاً خُصوبة. أما قمـم الجبال الصاعدة نحو السماء فلا تحتاج إلى شيء«ثانويّ» كهذا، لأنها مكتفية بعلوّها حتى ولو كان قاحلاً. أوَليس البشر كذلك، أيضاً؟ بابلو نيرودا في «فالباريزو» سنزور بيت الشاعر « بابلو نيرودا» الحائز على جائزة «نوبل» ١٩٧١. ولد ١٩٠٤، في مقاطعة حدودية بعيدة، في جنوب التشيلي بالقرب من القطب الجنوبي. أبوه عامل في السكك الحديدية. واسمه الحقيقي : «ريكادو نيفتالي ريّس»، و تَسَمّى أيضاً، بـ «فاسوالْتو» اسم أمه. وقد أتخذ في حياته أكثر من اسم ( يذكرنا هذا بفرناندو بيسوا البرتغالي)، ولكنه اشتهر فقط بـ«بابلو نيرودا». تعرّف وهو فتى على الشاعرة التشيلية الشهيرة: «غابرييلا ميسترال»، وكانت قد حازت قبله على«نوبل» عام ١٩٤٥، وهي تُعَدُّ بشكل من الأشكال معلمة له. اشتهر بحبه للنساء. وعاش مع الكثيرات، دون أن يكون مخلصاً لأي منهن. كان فقيراً، ولكنه لم يكن بائساً ولا معدماً. عمل في مهن كثيرة، كان آخرها سفيراً لبلاده في باريس. توفي عام ١٩٧٣. مأخوذاً بالودْيان والهضاب ذات الروعة اللامحدودة، ونحن نسير نحو «فالباريزو»، أتساءل: كيف تتحدد الأرض، وما هو دور الهضاب والوديان في جلالها؟ وخارج التناقض الشكلي البسيط بينهما، ماذا يعني هذا اللاتماثل المستمر لعناصر الكون؟ وأي فضاء مرهق للعين سيكون فضاء العالم لو كانت الأرض منبسطة فقط؟ أيكون هذا التكَسُّر، هذا الإنحدار والصعود المتواليان، هذا التناقض الخلاّق الذي نحسه بوضوح في صفائح الأرض العظمى، هو، وحده، مصدر السعادة التي بها تَـمْلأ عيونُنا أنفسَنا الوالهةَ إلى الإختلاف؟ وفي الحقيقة ليس الجَمال سوى شعور الدهشة العميق إزاء مظاهر الكون (والكائن جزء منها). أية مدينة هي هذه؟ تكاد تشبه أي شيء؟ الجنة؟ وديان وهضاب وأبنية ملوّنة تخرج من بطن القاع لترقى إلى السماء. إلى قمم هي نفسها جنائن كونية مرمية للبشر ليستأنسوا بها من أجل اكتشاف روح الكون بلا توتر أو ضغينة. ومع ذلك أُبيد أهلها ذات يوم. واسمها الحقيقي «فالْ بارا ئيزو» ( أو وادي الجنة). ياسلام. أصعد إلى أعلى قمة في الجبل. أرى الماء في الأسفل باهتاً وبعيداً. ومن قاع الوادي تَتَراقى الأبنية الملونة إلى أن تصل إليَّ. إلى القمة التي لافوق لها سوى السماء. أستدير. وأتطلّع. وأرى. تلال مملوءة بتلال. تلال الأبنية التي تعلو الأبنية الأخفض منها تتراصف مثل ركام أسطوري يريد أن يدفن كوناً عملاقاً ولا يحالفه الحظ. وحدها، الشمس تسطع بهدوء فوق ارتجاجات المحيط الذي لا يتململ ولا يغضب مهما راح من البشر ومهما جاء. بَشَرُه في قلبه. وهو حريص على ألاّ يسمح للمتطفلين بأن يؤذوهم كثيراً. عسى أن يستطيع تحقيق ذلك. ولكن لِـمَ لا؟ أوَلم يكن إلهاً بالنسبة للهنود الذين قَدَّسوه؟ فجأة، ينقشع الغمام عن أعالي الهضاب، وتأخذ ألوان البنايات بالسطوع وكأنها تريد أن تزهو بنفسها بعد أن امتلأت بنور الشمس. بنايات «فالباريزو» أعجوبة التشيلي الحقيقية. ألوان وأساطير تملأ فضاء هذه المدينة التي تشبه في وجه من وجوهها مدينة «عَمّان» الأردنية. وإذا كانت «عَمّان» سوداء، وشهباء، وأحياناً بلالون، فإن هذه مَـنْجم لونيّ لا يُقارن. لها أشكال وأحجام من اللون والإشعاع. لكأن الفضاء، فضاءها، لا يستقيم وجوده إلاّ باللون والنور. حتى الشمس تبدو من علٍ وكأنها إحدى التزيينات اليومية لهذه المدينة التي بلا نظير. وكل ذلك من أجل أن يشعر الزائر بالسعادة : سعادة ألوان الطيف اللامحدودة. غياب اللون بلادة. بلادة حقيقية، تجعل الكائن يشبه الحجر، والأرض تشبه التراب. سَكَن الكائن هو الكائن نفسه. هذا ما صرتُ مقتنعاً به في «فالباريزو». والعربي القديم الذي سَكَن بيت الشَعر ذا اللون الواحد لقرون طويلة، لم يتغيّر إحساسه اللَّوْنيّ، ولا شعوره بالضوء ( ألأن ضوء الشمس الباهر ضَأََّل الفُروق لديه؟) عندما حوَتْه ألْواح الحجر والطين في المدن الكثيرة. لكأنه يستحي من التعبير عن مشاعره اللونية. بيوتنا تكاد تكون أضْرِحة، وهي هنا جِنان. لِنتجاوَزْ حالات البذخ في القصور والمضافات. إننا نتكلم هنا عن مدينة «هامشية» أنقذَتْها ألوانها من الإهمال. وألوانها تشبه إلى حد بعيد ألوان أحياء التانغو التاريخية البائسة في «بوينس ايرس» في الأرجنتين. وهو ما يجعلنا نحس أننا نشارك السكان بعض ما يسكنون : ألوان بيوتهم. لَوِّنوا بيوتكم قبل أن يأخذكم السيل. سيل الزمان الذي لا يُفِّرق الأسود عن الأبيض. في أعلى الهضبة المركزية في «فالباريزو» سنزور بيت الشاعر التشيلي الشهير، كما قيل من قبل، «بابلو نيرودا». منزل جميل مصمم على هيئة باخرة عملاقة بطوابق ثلاث. «بابلو نيرودا» كان يحب البحر، ولكنه يخشى السفر في البواخر. ولذا بنى هذا البيت ـ الباخرة، في أعلى قمة على المحيط الهاديء ليعيش فيه. وكان عندما يشرب، و«ينبسط»، يقول لأصحابه :” أرأيتم! يمكن أن نُصاب بدُوار البحر دون أن نكون مضطرين للركوب في باخرة”. وقد أصبح اليوم متحفاً يضمّ مخلفات الشاعر وأغراضه وأثاثه. أمام البيت الباخرة أقف طويلاً متأملاً الفضاء الرائع، والمحيط الهاديء، وأعالى الهضاب المحيطة به، وأتذكَّر أسماء نظائر «بيسوا» وأحد ها المدعو :«ريكادو ريس». وبالأسم نفسه رواية للبرتغالي الآخر، حائز جائزة نوبل : «ساراماغو»، والتي تدور أحداثها حول «ثنائية» « فيرنانْدو بيسوا». «بابلو نيرودا» يتربع فوق المحيط الهاديء، وفمه ممتليء بالضحك. بضحك كبير وسعيد. كان يحب الحياة كثيرا. ولقد شَرحَتْ صَدْره لهذه الفضيلة «غابرييلا ميسترال» شاعرة البؤساء والرعاة، عندما كان «غضّ الإهاب». وحفظ الدرس جيداً. لا بد أنه يتذكّر، الآن، في غمرة الضحك السعيد، النساء الكثيرات اللواتي عشقهنّ بلا إخلاص. وأنتقل من واحدة إلى أخرى دون تأنيب ضمير. لقد كان قلبه مُفْعَماً بحب الإنسانية وليس فيه مكان للهفوات. وأجدني أُردد، في باحة بيته الجميل : “ أُرْقُدْ بسلام، سيدي بابلو نيرودا. بعد أن تَمَتَّعْتَ بحياتكَ، تَمتَّع الآن بموتكَ ”. أرض النار هذا الصباح، سنسافر إلى الصحراء التشيلية، ذات العجائب الكثيرة : صحراء «آتاكاما» التي تُطاوِل سلاسل جبال « الآنْديز» منذ بداياتها إلى نهاياتها في القطب الجنوبي للكوكب الأرضي. وكما أوضح علماء البيئة والجيولوجيا، حديثاً، يستحسن استعمال عبارة : «الكوكب الأرضي»، على التسميات «الدينية» القديمة، مثل الأرض، واليابسة ( تذكيرًا بالطوفان)، والقاع ( تذكيراً بالسماء)، والكرة الأرضية، وغيرها. لأن الاكتشافات الحديثة بيَّنَتْ كم هو شديد الوسع واللامحدودية هذا«الكوزموس»، أوهذا «الكون». وليست الأرض، أقصد «الكوكب الأرضي» إلا ذرة في رماله. ويقولون أننا لا نستطيع حتى مقارنتها بذرة رمل إذا ما أخذنا في اعتبارنا بعض ما يحتويه مركب الكوزموس اللامتناهي من كواكب وضَخامات. لنعُدْ إلى الأرض. جبال الآنديز هي العمود الفقري للقارة. وهي صلة الوصل لكل بلدان الجزء الجنو بي من القارة الأمريكية. وعبْرها تصعد الدروب حتى «آلاسكا» في القطب الشمالي للكوكب. تبدأ من أقصى الشمال فوق «بوليفيا»، وتنحدر مطاولة ماء المحيط حتى أرض النار في الجنوب. تبدأ عالية وشامخة ومليئة ببؤر البراكين الحيَّة والميتة، أو «المقتولة» حسب المعتقدات الهندية. لأن بركاناً «فَحْلاً» يمكن أن يقطع رأس بركان آخر أقلَّ فُحولة منه، أى أقل عنجهية وارتفاعاً، وخاصة إذا كان مجاوراً له. وهي تكون، في البدء، متعددة الأنواء والمشاهد والقمم، ولها صفحات أرضية عجيبة تكاد أن تَقْرأ عليها تاريخ الكوزموس. وشيئاً فشيئاً تتَطامَنْ كلما انْحَدَرَتْ نحو الجنوب حتى تتحَوَّل، عند«كابْ دو هورْنْ»، إلى فُتاتٍ جبلية متناثرة، وهضاب متفرقة لا هيبة لها وإن كانت مملوءة بالجَمال، وجُزُر صغيرة محدودة، قبل أن تغرق في ماء المحيط. أريد أن أقول «المحيطات»، لأن التقاء الماء بالماء لا حدود له، وإن كان البحارة الشياطين أعطوا لكل بقعة من الماء فوق سطح الكوكب الأرضي إسمًا. البركان المقطوع الرأس صفائح الرقيم على طول الطريق الذاهب من مدينة المناجم : «كالاما»، إلى حاضرة « سان بيدرو دي آتاكاما»، في قلب الصحراء، حيث سنستقر بعض الوقت، تعيدني إلى أُصولي. وأشعر بالسعادة، على العكس من الأوربيين، لإحساسي المفاجيء بأنني قادم من لا مكان. من الصحراء. من الصحراء العربية، وهذه بعض منها. أنا، إذن، في «مكاني». أوه! ما هذه الفضاءات اللامتناهية، وهذه الإضاءات الكونية التي تحتفل بالتراب؟ ولماذا تبدو الشمس في فرحتها، وبهائها الأزليّ، وهي لمْ تترك منذ أول النهار سمت الكون؟ لون القاع ذهبيّ. وهو كذلك في الصحارى الأخرى، ربما. ولا بد أن لذلك علاقة بالنور. بنور الشمس الذي تردُّه الأرض إلى مصدره بعد أن ترتوي منه. هنا لا تغرب الشمس، وإنما تظل تمشي بهدوء نحو فضائها الأحمر. على الطريق الهابط نحو «سان بيدرو»، يشرح لنا الشرّاح: “ أُنظروا، هذا هو البركان المقطوع الرأس”. ونكاد نشهق عَجَباً! لكنه يتابع : “ تقول الأسطورة الهندية إن البركان « الفحل» الذي لا يحب أن يعلو عليه أحد، أو شيء، قطع رأس هذا، وجعله « أصْـلَم» على شاكلة هضبة عالية، مستوية الرأس، لا قُمَّة لها، وإنْ ظلَّتْ تنفث الدخان”. ونتساءل، ويجيب : “ تقول أساطير الهنود، سكان البلاد الأوائل: إن البراكين هي التي ُتسَيـِّر أمور الكوزموس. وهم لذلك يقدسونها. يقدسون براكين جبالهم : «جبال الآنديز» التي ترونها الآن تمر أمامكم كالسراب. كسراب بعيد لا تدركون منه سوى سِماته العابرة كالبرق. أنظروا، الآن! وننظر. لا ، أنظرواً شمالاً ، يحدد. وننظر. “ذاك هو البركان القاطع للرؤوس”. وفي أقصى الأفق البعيد نرى، بالفعل، قمة هائلة العلو. دخانها يصعد عمودياً نحو السماء. وهي محاطة بقمم أخرى أقل منها رفعة وعلوّاً، ولا تنفث إلا القليل من الدخان. لكأنها تخشى من سورة غضبها القاطعة إنْ هي أكثرَتْ. لم يكن الهنود يفرِّقون بين عناصرالطبيعة والحياة. أقصد بين الأشياء والفكر. أو بين المرئي والمجرد. أو بين ما هو كائن، وما يمكن له أن يكون. هل «تعمَّقْتُ» كثيراً؟ كانت عناصر الطبيعية التي نسميها نحن «جامدة»، بالنسبة إليهم عوامل أساسية، وحتى «عاقلة». وهم لا يفرِّقون كثيراً بين وجودهم ووجودها. فالحجر عندهم ليس هو الحجر عندنا. أقصد أن إعتبارهم له يختلف عن إعتبارنا. هم كانوا يعتقدون بأن للأشياء فاعليّة وكياناً. لكل «شيء» حجم، ومساحة فعل خاصة به. له مجال تأثيره، تماماً، مثل الكائن الذي «يدبُّ» على قدمين. إنْ لَمْ يكن «الشيء»، أو «العنصر الأولي» أكثر أهمية وفاعلية من البشريّ. ولذلك كانو يحترمون عناصر الكون، ويقدسون بعضها. كانوا يعتقدون أن البراكين التي تنفث دخان نيرانها الجوّانية، إنما تعبّر عن عنف كامن في أعماقها. عنف جدير بأن يهدد الطبيعة، ويفني الكائنات. لذلك كانوا يخشون غضبها كثيراً، ويحجّون إليها مقدسين. العالَم عندهم ليس هو جُموع البشر البائس الذي يزحف كالديدان أمام هذه القمم العملاقة. وإنما هو مجموع عناصر الكون. فذرة الرمل، مثلاً، ليست أقل أهمية من غيرها. ولكي يكون الكائن منسجماً مع ذاته، كما كانوا يعتقدون، لا بد أن يكون منسجماً مع عناصر الكون الأخرى، وإلا فإنه يسعى إلى الخراب. ظلّوا كذلك إلى أن جاء الفكر الديني التوحيدي، على أيدي الغزاة القادمين من « الشرق الأوربي»، ليدمّر ثقافتهم : «ثقافة التلاؤم العميق بين الكائن وبين عناصر الكون»، ويبيد حضارتهم المسالمة بعمق. دخان الماء من أجل أن نشاهد « الظاهرة» في أعالي الآنديز، نصعد ٤٥٠٠م فوق سطح البحر، وبدرجة حرارة ١٤ تحت الصفر، لكي نصل إلى السفح. إلى سَفْح كبير. إلى دائرة عملاقة تحيط بها الجبال من جميع الجهات. في الأرض ثقوب ضخمة، وأخرى أقلّ شأناً منها. من كل ثقب يصعد الدخان. دخان الماء، كما سيشرحون لنا، يصعد نحو السماء. ولا يحدث ذلك إلا مرة في النهار، عندما « تحترق الماء» بفعل الحرارة الجوفية للأرض، وقت الصباح : قُبَيْل شروق الشمس، وبعده بقليل، قبل أن تتعادل الحرارتان : حرارة جوف الأرض، وحرارة سطحها. لكأن الماء التي تغلي في أعماق الأرض ترسل أبخرتها الجهنمية لتخترق قشرة القاع، وتفكّ الحصارعنها. حصار الدَفْن الأزليّ لعناصر الطبيعة السائلة الملوّعة بانحباسها تحت كتلة الآنديز الخرافية. ماذا تُخفي حُفْرَة « جَيْزَرْ تاتْيو» العملاقة، هذه، غير هذا الدخان المشبع بالماء المَسْلوقة تحت الأرض؟ الدخان الذي يَنْفُر من أعماق الجبال الكونية، متحدياً أنظمة الكوزموس، أو مستجيباً لها، بالأحرى. الكوزموس، هو الآخر، بحاجة إلى نظام، مثله مثل كائناته الهشة، السريعة العطب، التي هي نحن. عندما تختلف درجات الحرارة الجوانية والبَرّانية، عندما يختلف التوتر بين الظاهر والباطن، يحدث في الكوزموس ما يحدث، تماماً، عند الكائن : تنكسر القشرة الماسكة للسطح، أو للنفس، وتحدث فيها فوهات، أو شروخ، منها ينبثق التوتر المحصور في الأعماق، قبل أن يغدو الوجود، أو التوازن، مستحيلاً. “حرروا ما في أعماقكم، قبل أن تنفجروا”، هذا ما تقوله لنا ظاهرة «جَيْزرْ تاتْيو»، في أعالي جبال الآنْديزْ التشيلية. تحت الشمس مباشرة أقف، الآن، وأكتب. أتطلّع بذهول حولي، وأطوف ببصري أنحاء « الحفرة» المثيرة للقلق من شدة ضخامتها، وأتمتم : لا بد أنها كانت فوهة بركان عملاق فََجَّر السلسلة الجبلية في أعالي الآنديز، ذات يوم. وهذه « التشقُّقات الأرضية» التي أسميها أنا “ صغيرة” مقارنة ببَواذِخ الكون المحيطة بها، مع أنها تُقارب العَمْلَقة، ما هي إلاّفوهات تَنْفيس كوني هائلة، مهمتها تخفيف الضغط الجواني البالغ العنف حتى لا تنفجر الأرض. أقول فوهات صغيرة! وقطر الواحدة منها يتجاوز عشرات الكيلومترات. تحيط بها القُمم والأحجار البركانية التي انقَذَفَتْ بعنف لا حدود له خارج بُؤرتها. سطحها مشظّى ومتعدد العناصر والألوان. تربتها مزيج من الأرض السوداء، والأحجار المهروسة، والماء النَّزيز، والملح، وبعض أقحاف الجبال التي تكَسَّرتْ هاهنا عند ارتمائها اللازمن له. لا تَنْسَ! أُخاطب أحداً لا أراه، وهو مع ذلك قدّامي : أننا في حضرة جبال كونية لا يمكن حتى للخيال أن يقارب هولها وعظمتها. وأزاءها تبدو اللغة فقيرة بالتعابير التي يمكن لها أن تشرح ما يراه البصر. وفجأة تشغلني حالي، فأصير أتَحَرَّض : أيها الركود متى تتحرك؟ أيها الكُمون متى تثور؟ فَجّ بوريتاما العميق تعَلَّمْتُ من البركان : “ أختزن الصُوَر والأحاسيس”، وفجأة، أكتب. تَنْشَقُّ نفسي عن أُلْـهوفة، أو فكرة، أو غَمْر، وتنبثق الكلمات لتأخذ طريقها إلى منطق العقل الكاتب. خزائن إحساسي تَفْرغ سريعاً، وتتأهَّب للإمتلاء، من جديد. أنا في فضاء خارق لا يسمح للأحاسيس بأن تغفو إلا من أجل أن ترتاح، قليلاً، لتزداد طاقة. أن تضيق لتَـتَّسع أكثر عندما تفيق. ثمة شُبْه كبير بين الكائن والبركان. حاولوا أن تلتقطوا، على الأقل، عناصر الشبه الأساسية بينكم وبينه، لأنها هي التي ستنقذكم عند الضرورة، إلاّ إذا أردتم أن تبقوا هامدين. يطلع القمر في منتصف النهار؟ أم هي الشمس لم تغبْ، أبداً؟ عندما سَرَيْنا كان فوقنا والنجوم تتلألأ حوله في أعماق الكون. وها نحن نعود وهو لا زال واقفاً في مكانه، لكن النجوم لم تعد تحيط به. لكأنه عقد حلفاً مع « الآنديز»على ألاّ يغيب عنها، أبداً: قمر الهنود الجميل. ربوع عُظمى وتشقُّقات. الأرض مشطورة بقسوة ، وكأن الإله حَزَّزها بسكين خرافية. إنهدامات هذا الكون تخرِّب الطمأنينة التي تعلَّمْناها من سهول العشب والرمال المبسوطة على وجه القاع مثل اللباس. هنا، الوضع مختلف تماماً. نحن في بؤر كونية ، لا فوق قاع مفهومة. تحت ضوء الشمس الساطع أقف وأضيع في فضاء الآنديز الحجريّ الأحمر المتوقِّد من الغيظ لأنه لم يبرح مكانه منذ ملايين السنين، بعدما غيضت ماء المحيط عنه. متى يسير؟ النوء ساكن مثل كُتَل الأحجار التي تقذفها البراكين من آن لآخر. الشمس في السمت. والصمت لا يمكن إختراقه، لأن الضوء الباهر يمتص حركة الكائنات المختفية من حَمَأة الشمس. أنهكها الجوع، ولا بد. ولكن مَنْ منها يجرؤ على البحث عن طعام والشمس القاسية لها بالمرصاد؟ لا بد أنها “ شبعتْ جوعاً” ! وأكاد أسمع « عبد الباسط عبد الصمد» يردد بصوته النحيف المتصل كلمات “ موسى” (ص)لفتاه: “... آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نَصَـباً”. أخيراً، نهبط فَجّ «بوريتاما» العميق، حيث منابع المياه المعدنية الساخنة في أعماق الأرض. في أعماقها بالفعل، وليس بالمجاز. نهبط على مراحل إلى حضيض القاع المهشَّمَة من أَزَليّة السيول والبراكين. حتى تَفَجَّر ماؤها سيولاً صغيرة لازالت تَفور من حرارة جوف القاع المشتعل في الأعماق. سيدهشني نبات البَرْدي الذي ينمو بكثافة على كَتِفَيّ الوادي، غارقا في الماء الساخنة. سنتعرى ونسبح في الأحواض الحجرية التي ابدعتها الطبيعة على مدى قرون. أحواض جاهزة لاستقبال الحياة، وكأن مهندساً بارعاً صممها، منذ الأزل، لهذه الغاية. ستعيد الماء ارتباطنا بالآنديز وأجماته. سننسى سريعاً إنحدارنا المتأزّم إلى الحضيض. وخوفنا المتعثّر من السقوط، سيعقبه شعورنا بالإمتنان لهذه البقعة من وجه الأرض. لاشيء يعادل الراحة بعد العناء، إلاّ الأمن بعد خوف. أقف مأخوذاً : كيف تنفطر الأرض من جسد الكون؟ وأين يختفي جرّاح الكوزموس العظيم الذي أبدع كل هذه الروائع؟ لماذا يظل الماء يسيل من ثنايا جسد الأرض العميقة، وإلى أين يروح؟ لكأن جسد الكائن صُمِّم على هذه الشاكلة، تماماً. وفي النهاية، ليس نَسَـق الحياة الإنسانية إلا تقليداً بائساً لعظمة الكوزموس. فلأكتَفِ بالتَبَصُّر والصمت. بعد خروجنا من الأعماق، وسَيْرنا المتباطيء، نتوقف تحت أضلاع الجبل العملاقة، في قرية « سوكايْده». قرية هندية مرمية في فضاء الآنديز دون أي إعتبار. تتوسطها كنيسة صغيرة، مبنية من الحجر والتراب، ولا يؤمها أحد، هي كل ما بقي من آثار الغزاة في هذا الإرتفاع الكوني الآسر. الجبل يحرس القرية مثل أسد جاثم فوق ربوة يراقب الظباء التي سَتَرِد العَيْن، ولا بد. والهنود يمشون الهُوَيْنى، وكأن الزمن لم يعد يخصهم. لكأنهم فقدوا روحهم الكونية عندما هبط البيض على أرضهم الأولى. لاشيء يثير اهتمام الهنود مما نفعل، أو لا نفعل. ينظرون إلينا بحيادية، ولكن بعدائية واضحة، ويوَلّون الأدبار، وكأنهم يشتموننا على وقوفنا فوق أرواح أجدادهم. الهنود «اللطفاء» بنوا قريتهم تحت الجبل، مباشرة، ليظلّوا على اتصال دائم مع روح الكون العليا، كما يعتقدون. أنـــا مكـــان يتكلّم الهندي بهدوء وحَذَر، ولكن، لِـمَ يتكلَّم بعينيه؟ الكوندور واللاما والجبل والريح والشمس والثلج، لا يحيا الهندي دون أن تحيط به هذه العناصر، ويحسّها في روحه بعمق. أما هذه الرائحة، رائحة مَـنْي الشجر، أين شَمَـمْتُها؟ أَوَلَمْ يكن، ذات مساء، في “ دمشق ”؟ بعد قليل، سنخلِّف هذا الضوء الأبيض على الأرض، ونترك السماء الزرقاء فوقنا، ونغادر هذا التراب الذهبيّ، تراب أرض التشيلي الخالدة. ونعود. ولَكَمْ يبدو ذلك ثقيلاً على القلب : “ العودة”. العودة التي ستجعلك تَتَخَلّى عن الأمكنة التي أحببتها، وكأنكَ ولدتَ فيها. وأجدني أتساءل : “ ما سِرُّ هذا الإرتباط المباشر والعفوي بيني وبين الأمكنة، حتى تلك التي لم أَرَها من قبل ؟ ولِـمَ هذا التَعَلُّق الآسر بها “؟ وأحسُّني مدفوعاً بنَزْوَة عميقة لزيارة أخيرة لقصر«لا مونيدا». القصر الذي “ قُتِل “ فيه «سلفادور ألينْدي» عام ١٩٧٣. في ساحة القصر أقف بصمت، لفترة طويلة. أكاد أنسى موعد الرحيل. شَغَف عميق وجميل يملؤني بما لا أعرف كيف أصفه. المكان الذي في وجهي يغدو هائلاً ومُريباً. أحسه يتكلم. يكلّمني. يراني وأراه. يودّعني قبل أن أقوم أنا بتوديعه. وأرى في الأفق القريب مكتوباً فوق السراب : « إنها تمطر فوق سانتياغو»، الجملة التي أسَرَتْني في صباي. اللعنة! مَنْ خَطَّها، الآن، في السماء؟ وعلى الحجر أسمع الكلام الأخير الذي تَلَفَّظَ به «أليندى» قبل أن تخترق الرصاصة رأسه : « إنني مؤمن بشعبي». ويُدَوّي الظلام. أقف طويلاً في ساحة القصر بلا حِراك، كَـمَـنْ أصابه شَلل مفاجيء. تملؤني نَـمْـنَمَـة وخَـدَر. أحس إلى أي حدّ يختلط قلبي بالمكان الذي أقف فيه، حتى أشتهي أن آكله. أقف، وأنا أُردد: “ عدْتُ إلى « لا مونيدا» لأوَدّعه. أحبُّ أن أُوَدِّع الأمكنة ولا أحب أن أُودِّع الناس. أنــا مكــان “.

    0