انطباعات روسية- ألمانية عن اليمن 1929 | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    انطباعات روسية- ألمانية عن اليمن 1929

    د. سعيد دبغي الذي كان سفير اليمن في موسكو، وضع ترجمة لواحدة من اهم الرحلات الأوروبية إلى اليمن والنص قام بتأليفه المخرج السينمائي التسجيلي الروسي فلاديمير شنايدروف، الذي كان على رأس بعثة سينمائية روسية المانية مشتركة، قامت بزيارة للمملكة المتوكلية اليمنية في أواخر عشرينات القرن العشرين، يعد من بواكير مؤلفات الرحالة السوفييت عن اليمن، ويعتبر شهادة رائعة عن حياة اليمن في أواخر العشرينات، وتسجيلا صادقا ودقيقا عن نمط المعيشة، والطبيعة والحياة الاجتماعية، وهو مفعم بمشاعر الإعجاب الصادق بالناس البسطاء في اليمن وباحترام قيم حياتهم.
    وتأتي الرحلة، عقدت إثر معاهدة الوداد والصداقة التي عقدت بين المملكة المتوكلية اليمنية والاتحاد السوفيتي، في الفاتح من نوفمبر (الأول من ‏تشرين الثاني‏‏) عام 1928 والتي أرست الأسس للعلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين البلدين.
    يصدر الكتاب عن المركز العربي للأدب الجغرافي في إطار سلسلة "شرق الغربيينط التي تعنى بنصوص الأوروبيين عن الشرق.

    وقد كان اليمن في تلك الحقبة من التاريخ، وظل ما بعدها بعقود، بلدا مجهولا تقريباً بالنسبة للعالم، ولذلك لم يعتبر اعتباطا اكثر الدول غموضا في الشرق الأدنى ... فالطريق إليه مسدود عمليا في وجه الأجانب، والكتب المكرسة لليمن تعد على أصابع اليد حيث بذل الحكام كل ما في وسعهم لعزل هذا البلد عن العالم الخارجي، وتصعيب عملية الحصول على أية معلومات متعلقة بالوضع الاجتماعي أو الاقتصادي فيه مبررين تلك الإجراءات بمتطلبات النضال ضد القوى الاستعمارية،الطامعة والمتطاولة على استقلال هذا البلد .

    ولقد حاول صحفيون ومصورون فوتوغرافيون وسينمائيون أمريكان وأوروبيون غربيون التسلل إلى أراضي اليمن، بيد إن محاولاتهم أنذاك باءت بالفشل.

    ولم يكن ذلك يرجع إلى عدم وجود علاقات، أو بسبب البعد الجغرافي، الذي لا يشكل في الحقيقة، عائقا ثقافيا إطلاقا .

    ولم يأت من فراغ اعتبار الرحالة الأوربيون الذين تمكنوا من زيارة " اليمن السعيد "، كما سمي هذا البلد في وقت من الأوقات، أبطالا، وذلك لصعوبة القيام بتلك المهمة لما تحمله الرحلة من أهوال ومشقات، وما يحف بها من مخاطر، حيث تعرض العديد من المستشرقين الذين زاروا المنطقة على شكل رحالة وسياح، لأخطار محققة، ومنهم من قضى نحبه وهو يقوم بمهامه، أما لسوء الأحوال الصحية أو لارتياب الناس في مقاصدهم فقضوا عليهم، أو نظرا للاضطرابات التي كانت تعم ربوع البلاد .

    - اختلاف نمط الحياة، الذي لم يألفه الفرد الأوروبي الذي يبدو له غريبا، في أغلب الأحيان .

    - المناخ الاستوائي القاسي، ولهيب الشمس القائضه، والصحارى اللاهبة والأمراض الاستوائية .

    - وعورة الطريق، وعدم توفر وسائل المواصلات.

    - تعنت الإقطاعيين المحليين، الذين كثيرا ما كانوا يرفضون الامتثال للسلطة المركزية.

    - اعتبار البعض تلك الرحلات – المغامرات – بمثابة نوع من التطفل على حياة الشعوب، التي وجدت نفسها محاطة بأشخاص غرباء، لا تعرف عنهم شيئا، ولا تعرف مقاصدهم، ينقبون ويبحثون عن أدق تفاصيل حياتها، ومن هنا يمكننا فهم موقف بعض القبائل في رفض أية محاولة للتصوير في تجمعاتهم .

    - بعض ممارسات التحايل التي صدرت عن دول استعمارية في التعامل مع اليمن: " لذا فليس اعتباطا أن يتوسم اليمنيون في الأوروبيين كافة أناسا نصابين . ولهم في ذلك كل المبررات " .

    - وأخيرا، عدم توفر المعلومات الدقيقة، على قلتها، والأقاويل التي أرعبت وأثنت بعض الأوروبيين عن القيام برحلاتهم .

    ولكن رغم صعوبات الرحلة ومخاطرها أوفدت مؤسسة " ميجراب بوم – فيلم " السينمائية السوفيتية، بالتعاون مع مؤسسة "برومتيوس" : الألمانية، في صيف عام 1929، بعثة خاصة إلى اليمن " لتصوير فيلم مهمته عرض الحياة اليومية في هذه الدولة العربية ونضالها البطولي في سبيل استقلالها بدون التدخل في تصوير الحقيقة ... في تجميلها أو إخفائها . كما أن فكرة الفيلم تهدف إلى فضح كل أكاذيب الصحافة الإمبريالية عن اليمن، ومناشدة بلدان الشرق تشديد نضالها في سبيل حريتها واستقلالها".

    وهذا الكتاب الذي ألفه شنايدروف عن رحلته تلك، يعد من بواكير مؤلفات الرحالة السوفييت عن اليمن، ويعتبر شهادة رائعة عن حياة اليمن في أواخر العشرينات، وتسجيلا صادقا ودقيقا عن نمط المعيشة، والطبيعة والحياة الاجتماعية، وهو مفعم بمشاعر الإعجاب الصادق بالناس البسطاء في اليمن وباحترام قيم حياتهم. وعند التطرق إلى ما وضع في السابق من كتب كثيرة عن اليمن من قبل الكتاب الغربيين والتي ترجم الكثير منها إلى العربية نلحظ اختلاف تقويمها من الناحية العلمية، حيث أنها لا تتعدى أن تكون ضربا من كتب الرحلات أو نوع من الانطباعات والمشاهدات التي دونها زوار أو رحالة مغامرون مروا باليمن أو امضوا فيه بعض الوقت. وما وصل إلينا من هذا النوع من المؤلفات يختلف من حيث قيمته وفائدته العلمية، ذلك أن اهتمامات الرواد الأوائل من الأوروبيين في تلك الفترة المبكرة كانت تهدف من بين ما تهدف إليه، إلى الكشف عن الاثار وجمع النقوش ودراسة الحضارة اليمنية العريقة في جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام، ومن قبلة المسيحية بأكثر من نحو ألف عام .

    وكما أن للرحلة نفسها هدفها الأخلاقي الكبير، حيث تهدف الرحلات إلى اكتشاف الذات والتعرف على الأخر، فان أدب الرحلات يتضمن، كنص أدبي، الكثير من المعاني، ويجمع الكثير من القضايا التي تعتمد على المشاهدة والملاحظة . فهو يتناول البشر في طبائعهم وابداعاتهم، ومجال الرحلة الذي يتناول فيه الجانب الوصفي التاريخي، ويتحدث عن جغرافية المنطقة .

    وبما أن أدب الرحلات، الذي يعتبر فن من فنون الإنتاج الأدبي مثله مثل أدب القصة، والقصة القصيرة والرواية، والذي تمارس فيه ما يمكن تسميتها بديمقراطية تنوع المواضيع، قد غلب عليه في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن طابع تكثيف المعلومات، حيث تدون مجموعة الملاحظات والانطباعات باللغة العامية المستخدمة في تلك الفترة، وبأسلوب يختلف عن أساليب بقية فنون الإنتاج الأدبي، فقد جاء هذا الكتاب تشكيلة من الانطباعات والملاحظات الهامة التي خرج بها المؤلف من خلال زيارته، بأسلوب وبطريقة تتلائم وروح تلك الفترة .

    وإذا كان أدب الرحلات بالنسبة للجيل الذي سبق عبارة عن مرئيات، حيث أهتم الكاتب في القرون السابقة، بالنسبة لأدب الرحلات، بالإطار الخارجي للناس، مثلاً ماذا يلبسون وماذا يأكلون .. وماذا شاهد وماذا لفت انتباهه من الأشياء الغريبة، فقد أصبحت مهمة كاتب الرحلات في وقتنا الحاضر صعبة بكثير، إذ أصبح الآن، مع تطور التكنولوجيا، يهتم بماذا يفكرون .. وماذا يريدون .. أي أنه أصبح على الكاتب أن يسافر في الناس ويغوص في أعماقهم .

    لقد اختلفت مؤلفات الكتاب السوفييت من حيث جوهرها، وتحليلها للأحداث ودحض الأكاذيب وتثبيت الحقائق ونقل الصورة الصحيحة لأوضاع اليمن والصعوبات التي يواجهها في طريق بناء مستقبله الزاهر . بيد أننا لا ننكر بالطبع أنه ظهر عدد من الكتب السطحية والبسيطة، ألا أن عددها ضئيل جدا .

    وتتجلى بوضوح، في كتب الرحالة الروس عن بلدان الشرق، خيرة تقاليد الروح الديمقراطية والمساواة بين البشر كافة، التي يتسم بها لا المثقفون السوفييت فحسب، بل والتي كانت من الصفات المميزة للمثقفين الروس في العقد السابق لثورة أكتوبر، والتي ميزتها عن معظم مؤلفات الكتاب الغربيين، وكانت هي السمة التي حددت طابع العمل الذي أنجزه شنايدروف .

    كانت الدولة الروسية عند تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، انطلاقا من مصالحها في مجابهة خصومها التقليديين في الشرق، تسعى إلى إضعاف مواقع العثمانيين والمستعمرين الغربيين في المشرق العربي . وكان موقف روسيا ذاك يتجاوب مع مصالح الشعوب العربية . وهذه المصلحة المتبادلة بالذات، هي التي شكلت بالدرجة الأولى، خلفية الموقف الطيب، وشعور التعاطف المتبادل ونظرة الاحترام، التي أبدتها الشعوب العربية، في ذلك الزمن، تجاه ممثلي روسيا في العالم العربي كله، وميزت العلاقة المتبادلة بين الناس الروس والسكان المحليين، والتي اختلفت اختلافا تاما عما كان يبديه ممثلو الدول الاستعمارية الكبرى، وسائر دول أوروبا الغربية في المعاملة المتعجرفة والمتعالية واللاإنسانية تجاه العرب .

    أما فيما يتعلق بالكتابات الحديثة عن اليمن والتي قام بتأليفها كتاب سوفييت، فقد ظهرت في الاتحاد السوفييتي وبالذات بعد عام 1962 الكثير من المؤلفات عن اليمن والتي تختلف اختلافا جوهريا عن مؤلفات كتاب الغرب أمثال سلفاتور ابونتي أو ويندل فيلبس التي لا علاقة لمؤلفاتهم بالكتابة التاريخية أو الدراسات العلمية، والتي لم يكن غرض الكثير منها ألا إشباع نهم القارئ الغربي وإرضاء فضوله عن اليمن – ارض الأساطير – أرض " أوفيـر " المجهولة .

    وعندما قرر شنايدروف تنفيذ تلك المهمة الشاقة مزودا بذلك الوسيط الجديد - أي الكاميرا – " جهاز الكفار " ، كما سماها الأهالي، فقد كان هدف الرحلة تقديم دليل سينمائي توثيقي، يسعى إلى الخروج بصورة موضوعية عن الشرق، وتقديم مادة موضوعية توثق لحياة المجتمع اليمني، وتشكل مادة رئيسية تعني بها كتاباتهم باستمرار، وكان بذلك يضع اللبنات الأولى في أساس التعاون والصداقة السوفيتية العربية .

    والفيلم هو أول محاولة للتحرر من انطباعات المدارس التقليدية، التي قدمت صورة نمطية للشرق وللإنسان في بلدانه العربية والإسلامية، ورسالة سياسية قوية مركزة على تقديم أمثله قوية، وهي نماذج تتناقض في جوهرها مع المفاهيم الغربية .

    أن العرض السريع للكثير من الحوادث والملاحظات، وتدوين الحقائق من وجهة نظر كاتب سوفييتي، أوفد للقيام بتلك المهمة الشاقة والصعبة، في تلك الفترة وتحمل في سبيل تلك المهمة النبيلة الكثير من الصعاب، يعتبر إسهاما كبيرا في سبيل إثبات الحقائق ودحض الدعايات الإمبريالية الغربية الهادفة إلى تشويه التاريخ اليمني والحضارة اليمنية العريقة .

    كان الطريق إلى صنعاء شاقاً ومتعباً، بيد أنه أتاح للرحالة فرصة فريدة لرؤية مناطق اليمن الداخلية، وحياة الفلاح اليمني المحب للعمل .

    وقد بذل السينمائيان التسجيليان السوفييتيان الكثير من العناء والمخاطر الشخصية لتسجيل تفاصيل حياة السكان، وهموم القبائل، وقدما صوراً قوية معبرة، وساهما من جهة أخرى في توثيق الأحداث، والمتغيرات التي طرأت على مجتمعات تلك المناطق في تلك الفترة . وقاما بدراسة حياة البلد الغريبة عليهما، بشكل دقيق وبحماس وحب . وفي غضون ذلك سجلا صوراً أثنوغرافيه مثيرة، وصورا لقطات لا تقدر بثمن، شكلت مادة فريدة في إثنوغرافيا اليمن . وسجل شنايدروف، الذي جرى تقديمه بصفته صحفي ومستشرق جاء ليدرس نمط حياة وطبيعة البلد، بقدر الإمكان، انطباعاته وما تسنّى له إغترافهَ من معلومات، من أحاديثه مع السكان المحليين، ومع من زار اليمن من الباحثين والموظفين السوفييت قليلي العدد .

    لقد وضع شنايدروف نصب عينيه مهمة عرض الوجه الحقيقي لليمن – ذلك البلد المستقل – وأوضاعه . وبالرغم من أنه لم يكن مستشرقاً متخصصاً في فرع من الفروع، أو باحثاً، أو مؤرخا، بل مخرجاً سينمائياً، إلا أن أراءه واستنتاجاته جاءت مقاربة كثيراً للواقع . وقد لا نوافقه تماماً على جميع تفسيراته للظواهر، إلا أننا نلاحظ أنه تناول الظواهر كما هي في الواقع .

    وبالإمكان استقراء الحذر في استخدام المفردات المتداولة أو القناعات السائدة، فيما يتعلق بالأحداث التاريخية، وفي التعليقات والشروحات لبعض الظواهر أو الطقوس غير المفهومة لدية. فهو يورد أحياناً الوقائع كما هي، وفي أحيان أخرى يرفقها بتقييماته. لكنه يبدي على الدوام قوة ملاحظة فريدة .

    والمدهش، بالنسبة لتلك العهود، حين كان العالم لا يعرف عن اليمن إلا القليل، أنه لا يكاد يخطئ تقريباً : فالروح المهنية الخالصة لا تسمح له، بإستخدام معطيات مشكوك فيها، أو بإبلاغ القارئ بما يسمعه بشكل عابر .

    وعلى الرغم من أن الكاتب قد أبرز بعض جوانب محاولات دولة الإمام يحي في الحفاظ على إستقلالها، حسب مفهوم تلك الفترة، بالنسبة لمواطن سوفييتي عايش نضالات الدولة السوفيتية الفتية لتثبيت أستقلالها والدفاع عن وحدة أراضيها، حيث أنه يثمن، بهذا الصدد، تثميناً إيجابياً مسعى الإمام إلى توحيد البلد وتعزيز السلطة المركزية، إلا أنه لم يغفل أن يتناول بالنقد المباشر اللاذع سلبيات الحياة الاجتماعية وحياة الفلاحين اليومية الشاقة والتخلف الإجتماعي الإقتصادي العام مثل غياب الكهرباء والماء وغيره .. فإلى جانب الإشادة بصفات اليمنيين القومية الجذابة التي نالت إعجابهما البالغ، وإلى جانب احترام الأنظمة السائدة في البلد، لم يتغاض السينمائيان السوفيتيان أيضاً عن الجوانب السلبية للحياة الإجتماعية، ولم يفتهما إبداء تعاطفهما وتضامنهما مع كادحي البلد .

    وعندما يتناول شنايدروف النعرات القبلية الحادة والقاسية، وأثار التطاحنات الداخلية التي شهداها، لا نجده يدين أهالي اليمن . فهو يقول :

    " أن مهمة الامبرياليين، وفي مقدمتهم الإنجليز، هي إضعاف قوى اليمن عن طريق الإثارة المفتعلة للنعرات القبلية، وعرقلة إدارة البلد المركزية، وخفض القدرة القتالية لدى الدولة " .

    والكاتب في سياق تدوينه لملاحظاته، واستعراضه للأحداث، ونقله لما صادف في رحلاته وتنقلاته، يصور الحدث بأسلوب شيق ومثير وينقل الصورة إليك حتى لكانك تتابع لقطات سينمائية حيه من شريط سينمائي يعرض أمامك :

    (... وتمر ساعة من الحركة البطيئة، ونرمي المرساه . وتجرى مرة أخرى عملية معاينة الجوازات ويحتفظ رجال البوليس بجوازاتنا لديهم .. ) .

    ثم ما حدث للمؤلف مع المجنون :-

    ( .. ويقف هذا الرجل أمامي ويرفع يده ببطء ويشير إلىّ بسبابته ويقول بلهجة رصينه محددة متلفظاً الكلمات وكانه في سياق محادثة " ... ثم يصمتُ برهة ويلوح بسبابته حتى لكأنها تكاد تلامس أنفي، ويُعيد الكرة " ..).

    ويستمر المؤلف في سرد أحداث حله وترحاله وتنقلاته على هذا المنوال، حتى لكأنه يكاد يشركك في النزاع الذي جرى بينه وبين الشاب اليمني في القرية :

    ( .. وهنا ينطلق نحوي شاب عربي محملقاً بعينيه ويلوح بيديه ويصرخ بشيء ما ... يهرع الجمهور في الشارع متفرقاً كل إلى حيث استطاع ... العامة وعدة جنود يهربون ...

    ( ... وانتظر عشر دقائق .. ثم أخرج وصراخ الصياد يلاحقني .. المح فاطمة وقد إنسلت من أحد الأزقة وأناولها ريالا فتطير من الفرح ... ) .

    ثم وهو يصطلي بشمس تهامة المحرقة ...

    ( ... وهنا أمطرنا السائق بجميع الشتائم الروسية والعربية التي نعرفها ... ونجلس داخل السيارة منهوكي القوى ... الشمس تلفحنا بحرارتها بلا شفقة ... الظل يتضاءل مع مرور كل دقيقة ... ) .

    وثمة ملاحظات ذكية بشأن أدب السلوك اليمني المتميز، وتحاشي تكدير مزاج رفيق السفر – المؤلف، بإبلاغه، مثلاً، بان السير إلى أقرب مركز سكاني يستغرق بضع ساعات ... :

    يكرر شنايدروف، على دليله، نفس السؤال للمرة العاشرة .. :

    - هل إقتربنا من مكان المبيت ؟
    - إن شاء الله .. بعد نصف ساعة .

    وعندما يصف قصر الأمير، ومخدعه، ومخدع الأميرة، يقول :

    ( .. أثاث قصر الأمير متواضع جداً، وغرفه تبدو فارغة ... وفي مخدع الأميرة، لا وجود لعلائم البذخ بتاتا .. ولعل القصر أكثر تواضعاً مما لدى العديد من التجار .. أما في باقي غرف الحريم، فلا شيء يسترعي الانتباه – مجرد غرف نظيفة فيها سجاد بسيطة ... ) .

    إن كاتباً أوربياً غربياً ما كان ليفوت هذه الفرصة دون أن يطلق لخياله العنان، ويختلق مختلف الصور والأحداث، فالموضوع مغر وخلفيته في التخيل خصبه وثرية، والمقومات والعناصر متوفرة – مخدع الأمير .. ومخدع الأميرة .. والحريم .

    وثمة لقطات فريدة التقطت في قاع اليهود، الذي لا يحبذ السكان المحليون كثيراً السماح للأجانب بزيارته، بل لقد أفلح السينمائيان حتى في حضور حفل زفاف محلي كانت صور الماضي تنبعث فيه إلى الحياة أمام الأنظار .. كان الناس، في اليمن، على إختلاف معتقداتهم الدينية يعيشون معاً بسلام، وهي تقاليد تستمد جذورها منذ صدر الإسلام .

    ولعله من المفيد أن نشير إلى أن هذا المؤلَّف يتناول قضايا تاريخية وسياسية وإجتماعية وإقتصادية، ويضم إلى مكتبتنا اليمنية – العربية، التي افتقرت شديد الافتقار إلى الكتب المعَّربة أو المترجمة من اللغة الروسية وبالذات عن اليمن وتاريخه وحضارته القديمة، على الرغم من أن اليمن كان أول بلد عربي يعقد اتفاقية صداقة وتجارة مع الاتحاد السوفييتي .

    ان الكثير من الأبحاث، والكتب الحديثة، التي صدرت في الاتحاد السوفييتي مؤخراً عن اليمن، لتستحق الدراسة والتأمل والتعميم، ولذلك فإن تعريب وترجمة أكبر قدر منها أمر ضروري لما فيه من فوائد علمية وثقافية، ونأمل أن نرى هذه الأعمال مُعرّبه قريباً .

    وإذا كنتُ لم أقم، في سياق هذا التقديم، باستعراض أو تحليل كامل لفصول الكتاب، ووجهات نظر الكاتب في كثير من الأحداث والشخصيات التاريخية، فأنني أترك متعة قراءة ذلك وغيره من المعلومات والتفاصيل الأخرى للقارئ الكريم .

    د. سعيـد

    0