إرتياد الآفاق | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    تاريخ النشر2006

    ديباجة المؤلف

    مدخل

    - I -
    1 - يشتمل أي عمل يشرع فيه الإنسان على مجموعة من المبادئ تكون مرتبة غاية الترتيب، مبادئ قد تتصف بالترقي والتنزل، لكن ينبغي أن يحس فيها المرء وهو ينتقل من مبدأ إلى مبدأ آخر وكأنه يسير داخل مراتب متسلسلة ناظمها المشترك الفكر الذي يتحكم في آلية سيرورتها مما يعبر عن دينامية فيزيائية تنسجم والانتظام الذي يطبع الأعمال البشرية.
    2 - ويتعلق شرط التحلي بميزة الإنسانية واكتساب محمول قيمتها المضافة بما نحصله من إدراك لحقيقة هذه الدينامية وتنزيلها المنزلة التي تستحقها في سلم الفكر.
    3 - ولهذا الاعتبار يعد الترتيب عنصرا أساسا في اقتصاد الذكاء.
    4 - وسواء استخدم هذا الذكاء العلم بوصفه مقولة من مقولات الكيف و/ أم الإضافة و/أم الانفعال أم أمرا اعتباريا، أم صورة الشيء في العقل، أم حصول صورة من الشيء عند العقل، أم الصورة المستحصلة في الذهن؛ فإن هناك قانونا معروفا من الذهن يتحدد في أنه عندما تعرض ظواهر تعرف تعقيدا شديدا، وعند تطبيق تصور معين بغاية التقليص إلى ترتيب أو إلى بساطة توسطية، فإن هذا التصور يظهر لكي ينطبق على تلك الظواهر.
    5 - وتحصر طبيعة التصورات في رد كثرة الانطباعات المحسوسة إلى وحدة. وعلى هذا المقتضى فإن سلامة تصور تكمن في أن انعدامه يعني امتناع رد محتوى الوعي إلى وحدة. زد على هذا أن كل تصور كلي يخضع لنظام التدريج المفضي، في غايته، إلى تحصيل منطق للتصورات التي تنهض علـى وظائف يقصد بها وحدة الفعل الذي يرتب تمثيلات متنوعة تحت تمثيل مشترك؛ بعد أن ندرك أن معارفنا هي إما معارف حدسية أو معارف خطابية: الأولى أصلها الحساسية والثانية أصلها الفهم.
    6 - بهذا النظر اعتبر كانط KANT مصدر المعرفة يأتي من منبعين أثيلين للذهن: تلقي التمثيلات، والاستطاعة على معرفة موضوع بواسطة هذه التمثيلات. في المستوى الأول يتم تعرف الموضوع بوصفه معطى، وفي المستوى الثاني بوصفه مفكرا فيه بالنسبة لهذا التمثيل.
    7 - وعلى هذه الكيفية، فكل معرفة مقتضية لشيء ممثل أو نكون على وعي به، أو لعمل معين أو لانفعال الأنا بفضله تضحى ممثلة.
    8 - وبتوفية أحد الحمول في (4) لمعناه يمكن القول إن الكائن البشري يحيا في عالمين: داخلي وخارجي تنبثق منهما وعنهما تصورات أولى (التصورات الغريزية والفطرية) تتلبس صورة تخمينات وتكهنات ومظنونات مما يعزز منطوق هذا القول وما يقرن به من أن كل التصورات وكل القضايا العامة في بناء صرح العلم وبابلية نصبته قد عرضت، أول ما عرضت فيه، في شكل أباغوجيات وتنبؤات.
    9 - وإذا وفينـا، من جهة أخرى، على الكفاية مبدأ(5) النظري فإنه على المكان يتوجب إثبات ما يلي:
    1) لا نملك أي سلطان للاستبطان
    2) لا نملك أي سلطان للحدس
    3) لانملك أي سلطان للتفكير بدون دلائل
    4) لانملك أي تصور عن المجهول على الإطلاق.
    من البين إذا أن الفكر الذي ينبغي أن يكون معلوما ومعروفا هو الفكر داخل الدلائل الذي نتعرفه بتوسيط الوقائع الخارجية وليس بتوسيط الوقائع الداخلية ما دام الفكر غير المعلوم لا يمكن تحصيله البتة.
    10 - ويشتغل الدليل باعتباره وسيطا للتواصل أي باعتباره ما صدق صورة. والمقصود بالصورة النسبة التي يقوم فيها التمثيل مقام شيء منتزع من كل ما يصلح قاعدة تمثيل معين بمعنى وصل الانتزاع في ترابطه مع الشيء.
    11 - وبما أن الدليل، في هذه الصناعة التي نحن بسبيلها، شيء يمثل شيئا ثانيا لأجل شيء ثالث هو الفكر المؤول فإن صورة هذه الثلاثية تقتضي:
    أولا الشيء بوصفه شيئا
    وثانيا الشيء باعتباره رد فعل ضد شيء آخر.
    وثالثا الشيء بوصفه ممثل شيء لأجل شيء ثالث.
    12 - فالدليل لا يسمى بهذا المعنى دليلا إلا إذا كان:
    دليلا بالنسبة لفكر يؤوله
    دليلا يحل محل موضوع هو معادله في هذا الفكر
    دليلا تحت نسبة أو كيفية ما تجعله في ارتباط بهذا الموضوع.
    13 - بهذا الحبك النظري يجري الإيقاع بالسيرورة الدليلية داخل أكوان ثلاثة معتبرة:
    كون الإمكانات
    وكون الموجودات
    وكون الضرورات.
    14 - وتعين هذه الأكوان الثلاثة بأحوال للوجود ثلاث:
    حال وجود الإمكان الكيفي الإيجابي
    وحال وجود الواقعة الفعلية
    وحال وجود القانون.
    15 - وإذا فهمنا الملاحظة أن منها ما يتأسس على استقراء لا واع، ومنها ما ينهض على صياغة فكرة خطاطية، فهمنا أن الأنواع التي تنحل إليها تتصل بطبيعة العناصر المرصودة وذلك بالنظر إلى:
    الكيفيات
    والإضافات
    والتمثيلات.
    16 - وعطفا على هذا الترتيب الثلاثي لعناصر هذه الصناعة وبما أن المقولات (قاطيغورياس) هي أشياء تقع فيها الأقاويل ومنها عدتها فإنه قد صح أن هناك ثلاثة تصورات محصورة هي: الأولانية، والثانيانية والثالثانية.
    17 - ويشمل موضوع هذه المقولات كلية التجربة البشرية باستيعاب تشعباتها ومنعرجاتها، ومستويات مجاريها، بكتلها الفردية والجماعية، بتأشيرها الزماني الآني والتطوري، بضروب الأسئلة التي تستفهم بها معطيات هذه التجربة في مساقاتها المختلفة.
    18 - وبالنظر إلى آلية هذه الصناعة فإن المنطق، الذي تسمى به الصناعة السيميائية، هو المذهب شبه الضروري أو الصوري للدلائل. ورسمه على هذا الوجه معناه بناء ملاحظات الإنسان على طبائع الدلائل التي يعلمها، واعتماد سيرورة تجريدية توصله إلى تأليف قضايا وأقوال تحتمل الصدق والكذب، والصحة والخطأ؛ وبالتالي تحديد ما يتوجب أن تكون عليه طبائع الدلائل التي يستعملها ذكاء علمي مشبع بالقدرة الكافية على التعلم بوساطة التجربة ومقتنع بأن التعرض للخطأ فرض عين أكثر من العصمة منه.
    19 - وما الصناعة السيميائية، تحديدا، إلا مذهب الطبيعة الأساسة والتنوعات والتغيرات الرئيسية للتدلالات SEMEIOSIS الممكنة.
    20 - كما يسمى العلم الذي يولي الاهتمام الأكبر، في هذه الصناعة، للعناصر الصورية لمتبديات الظواهر: الفانروسكوبيا Phanéroscopie.
    21 - فالفانروسكوبيا مبحث يرنو إلى تحقيق تصميم خطاطة باتباع الإجراءات التالية:
    الارتهان إلى الملاحظة المباشرة للمظاهر وتعميمها
    التمييز بين الأصناف الكبرى للمظاهر
    وصف خاصيات كل مظهر
    البحث عن نسق يكتنف هذه المظاهر
    تقليص المقولات الكبرى وردها إلى لائحة قصيرة جدا
    تفريع المقولات الرئيسية.
    22 - ومن جانب آخر، إذا كان العقل ينتزع المعاني من صور المادة التي تشكلت منها / بها (أرسطو) فإن دراسة القوانين الأساسة للعمليات العقلية التي يتحصل بوساطتها الاستدلال هو علم ممكن وقابل لأن يعبر عنه بلغة حساب رمزية أو بشكل من المنطق العلاقي المرمز بوصفه مرحلة أرقى من المنطق الصوري.
    23 - والحجة التي يدفع بها الاستدلال لتوضيح أن القوانين تنتسب إلى الواقع وليس إلى الخيال هي أن التنبؤات تكون قابلة للتحقق.
    24 - وعلى مستوى الوسيلة المصطلحية فهناك أطروحة ونهج: تتأسس الأطروحة على استصغار الظن بوجود حد غير محدد مطلقا أو بوجود حد محدد مطلقا. ويشير النهج إلى عمل علماء النبات وعلماء الحيوان الذين استطاعوا، في مواجهتهم المشاكل التي يطرحها المصطلح العلمي، تشييد سنن من القواعد يقبل الاستخدام في الاصطلاح الفلسفي. وتقضي الحكمة الحدو على هذا النهج واقتفاء أثره تماما كما فعل السكولائيون قبل هذا العهد.
     

    - II -
    25 - وإذا كانت بيئة السؤال العلمي توجه هذا السؤال نحو كفايته المعقولة بحصر مجال طرحه إذ ترى أنه ليس من الضروري "أن يسأل كل واحد من العلماء عن كل شيء؛ ولا أيضا ينبغي أن يجيب عن كل ما يسأل في كل واحد به؛ ولكن إنما يجب أن يجيب عن أشياء محدودة منحازة في علمه" (أرسطو)، فإن العناصر التي ظهرت لنا أنها تستحق المعالجة والدراسة، وتدعو إلى طرح الأسئلة واستحضار الأجوبة الملائمة لها هي العناصر التي تكيف مادتها وصورتها الصناعة السيميائية السابقة وتجسدها خطة مبحثنا بطريقة موافقة لشروط قيود منجزها العلمي.
    26 - وتأسيسا على هذا الانحياز للأسطقسات في المجرة المخصوصة للعلم ولمباديه النافعة في هذه الصناعة التي نحن بسبيلها صممنا المبحث عل خارطة قسمين كبيرين: خصصنا القسم الأول لرسم الحدود النظرية والمفاهيم الإجرائية وافتحاص الخلفيات الابستمولوجية وما ينتج عن ذلك من طروحات وإشكالات وأسئلة، وما يدعو إليه الأمر من اقتراح لحلول وأجوبة تختلف صورها باختلاف مساق جزئية المبحث واشتراطها التصوري والتجريبي. وأفردنا القسم الثاني للبرهنة النصية على العناصر النظرية وما ينحاز في عملها من أشياء هذه الصناعة بوساطة "الرحلة السفارية" إيمانا منا بأن عناصر القسم الأول يرجع بعضها على بعض في القول بالتكافؤ فيما يخص إنتاج الدلائل ومنطق الأشياء وتنميط التأويل. وهو قسم أبين في الدلالة على هذا القصد.
    27 - أوقفنا القسم الأول من هذا المبحث على أربعة فصول نعرض لها على الشكل التالي: في الفصل الأول المعنون بـ "تصنيف العلوم ونظام تجريد الموضوعات" حاولنا تبيين أن التمفصل بين المعلوم والمجهول، وبناء التوسط النظري، وإقامة المحك التجريبي لظواهر الطبيعة والكون والاجتماع، ونية إدماج الكثرة المتشذرة في بنية وحدة متصلة؛ تشكل المطالب الشرعية الجليلة الفائدة في تصنيف العلوم وترتيبها. ودللنا على هذا القصد بأمثلة مأخوذة من أنساق فلسفية وعلمية متنوعة منها النسق الذي يقترحه تشالز سندرس بيرس C.S. PEIRCE الذي يطابق منطق تصنيفه منطق البحث العلمي المؤسس على الوصف والتصنيف والقانون. وكنا في كل حين نلفت الانتباه إلى الرابطة التعاونية والتعاضدية للاقتراحات العلمية لهذه الأنساق وإلى الفرضيات المؤطرة لها والمجالات التي تحتضنها كالمجال الموضوعي للعلم، والمجال النظري والمجال الابستمولوجي.
     وفي الفصل الثاني "في النظرية الصناعية للعلم" عمقنا عناصر ظلت مطروحة في الفصل الأول ومنها على وجه الخصوص الصناعية الذهنية العلم وتأمل مقوماتها. وقد اتضح لنا من النماذج المقدمة في سياق موضوع التصور والتصديق والعلم أنها تكاد تكون نظرية مستقلة بذاتها يمكن نعتها ب: "النظرية التصويرية" أو نظرية العكوس والأشباح بالنسبة للوجودات الخارجية، وهي نظرية تبدو مباينة لما ينشده تحليل ش. س. بيرس المنطقي لمنتوجات الفكر وما استقر عليه من تأسيس نظرية تصورية جديدة مدمجة في الصناعة السيميائية وتقديمها لأجوبة عن عناصر مدرجة في مجال اختصاصها كالتصورات ووحدة الانطباعات، ومفهوم القضية، وإواليات التجريد، والإحساس والعادة والاعتقاد والحدس والاستبطان والتفكير بالدلائل، والذريعانية والوضوح والأباغوجي، وغيرها من الأشياء التي بها يتقوم عظم هذه النظرية. وتأتى لبيرس ذلك بعد أن ضمن المكونات الثلاثة التي تطبع صورة كل علم ومادته وهي ا لموضوع، والمسائل والمبادئ في نسق للبحث حديث كلية يستجيب للشروط العلمية والمعرفية لعصره.
     فبالفصل الثاني نلج مباشرة أطاريح الصناعة السيميائية البيرسية وإشكالاتها النظرية والامبيريقية والتي افتحصنا بعض مدلولات مفاهيمها العالقة في الفصل الثالث لننتقل إلى وضع الأسس النظرية ل "الاستدلال ومنطق الأشياء". وبما أن بيرس طمح إلى أن تكون نظريته التي اقترحها نظرية سيميائية منطقية فقد سعينا إلى التحقق من المكانة التي يشغلها الاستدلال في سياق هذه النظرية ومن النظرة التي تعطى للأشياء داخلها.
     وللوصول إلى هذا الهدف امتد بها البحث في المنطق الصوري، والمنطق الرياضي الرمزي (اللوجستيقا)، ومنطق العلاقات؛ وبداية الاستقصاء الأولي لبنية المقولات الذي وسعناه في الفصل الرابع.
     وهكذا، وبعد فراغنا من الإشارة إلى منطق أرسطو وبعض شراحه كان مطلوبا منا أن نبت النظر في العلاقة بين المنطق والرياضيات باعتبار المنطق الرياضي قد طرح نفسه بديلا للمنطق الصوري بصفة عامة والمنطق الأرسطي بصفة خاصة؛ وهي علاقة بنى قاعدتها نفر من الرياضيين المناطقة البحاثة سقنا منهم للتمثيل: جورج بول Georges Boole، وجون ستوارت ميلJ. S. Mill، وأوغست دي موركان A. De Morgan؛ لما لهؤلاء العلماء الرياضيين من قيمة معتبرة ومن تواشجات موصولة مع ش. س. بيرس ومن تيقظ علمي للقضايا المشكلة لمادة هذا الفصل الثالث.
     فجورج بول قصد دراسة القوانين الأساسة لعمليات الذهن التي بموجبها يعمل الاستدلال وينظم محيط الأشياء والأصناف، وذلك بالتعبير عنها بلغة حساب رمزية. فشيد علم المنطق ومنهجيته على هذا القصد. وتحولت عنده هذه المنهجية نفسها إلى منهجية عامة قابلة للتطبيق على النظرية الرياضية للاحتمالات.
     وبرزت الرصانة العلمية لهذه الدراسة في افتحاص شروط قيام منهجية عامة للمنطق، وفي تحليل قوانين الدلائل وأصنافها وقوانينها الثمانية، وفي اشتقاق قوانين الرموز المنطقية من قوانين عمليات الذهن البشري، وفي صور القضايا الأربع، وفي البرهنة على خضوع المنطق لقانون س2 = س.
     فبول وجه مبحثه، منذ البداية، نحو تأسيس المنطق الرياضي، أو على الأصح المنطق الجبري، مبينا إمكان استخدام المعادلات والقوانين والبديهيات الجبرية في النسق المنطقي وقبول هذا النسق لذلك الاستخدام، اعتقادا منه أن هذا الجبر للمنطق يعبر عن قوانين الفكر والذهن البشري.
     وفي هذا المنحى الترييضي للمنطق سيطرح ج. س. ميل أفكارا نيرة وآراء حصيفة خاصة بتقعيد النظر للاستدلال، والقياس والاستقراء أو ما يمكن لمه تحت لواء نظرية البرهان. فإذا كان المنطق يعرف، من بين ما يعرف به، بأنه "علم العلم" فهو يفيد في تثمين الحجة أو البينة أي يفيد الإجراء العام الذي يحصل الانتقال من المعلوم إلى المجهول، كما يفيد عمليات الذهن الأخرى المساعدة لهذا الإجراء. وعلى هذا النحو اهتم ميل بتحليل الإجراء العقلي المتمثل في الاستدلال، والعمليات الذهنية المتنوعة التي تجعله يسيرا، وتأسيس جسم من القواعد أو القوانين على إبانة هذا التحليل لأجل تصديق سلامة حجة كل قضية معطاة.
     وقد أبدى ش. س. بيرس إعجابه المتميز واندهاشه القوي وانبهاره الشديد بمثل هذه المباحث ومستوى تحليلها الراقي والأنيق الذي يجريه علماء من هذه الطينة في ميدان المنطق عامة والمنطق الرياضي خاصة. لأنها مباحث تشرع أبواب المنطق على مقام الدراسة العلمية السديدة ويصب نبعها في المجرى العلمي الذي يجتهد لتشييد أركان صرحه. وبعد تأكيده بأن قواعد المنطق تنطبق على الرموز الخارجية كما تنطبق على التصورات مما يجعل موضوع المنطق يتشكل من كل الرموز وليس من التصورات فقط، وبعد الفحوص التي أجراها لهذه المباحث، وبصفة خاصة تلك التي أنجزها بول، أصبح بإمكان بيرس إثبات بأن هناك قضايا عامة تنجم عنها قياسيا الحقائق الرياضية التي يمكن اعتبارها تعاريف موضوعات قابلة للاختبار الرياضي دون أن تشتمل على تسليم متعلق بالتجربة والحدس.
     وهذه الحقائق العامة هي التي سيعمل على مقاربتها بوساطة الحجة وتصانيفها مما سيسمح له بالاشتغال على الصور الاستدلالية. ولهذا، وإذا كان من مطالب الحساب إنشاء كون للخطاب مكين فإنه سيسعى جاهدا إلى إرساء تمكين قياس الحمل، وسيجد في العمل العلمي لبول، الذي يتحدر من الفكر الرياضي، خير معين له في مشروعه الذي يتوخى بلورة دقيقة للصور المنطقية للحكم. دون أن يغيب عن ذهننا أنه يعتبر فعل التفكير تسخيرا وتطويعا للدلائل لغاية النظر في المطالب مما يفضي إلى القول إن الفكر والتعبير شيء واحد.
     وبما أن التصورات الثلاثة المعتبرة ترجع إلى ثلاث إحالات: الإحالة إلى أساس، والإحالة إلى موضوع والإحالة إلى مؤول فالمنطق يبحث في الإحالة العامة للرموز إلى موضوعاتها. وقد استبان هذا التعريف نفسه في ثلاثية العلوم المعقولة:
     النحو الصوري، علم يبحث في الشروط الصورية التي تدل الرموز فيها مقاميا، أي يبحث في الإحالة العامة للرموز إلى أسسها أو إلى الطبائع المعزوة؛
     المنطق، علم يبحث في الشروط الصورية لحقيقة الرموز؛
     الخطابة الصورية، علم يبحث في الشروط الصورية لقوة الرموز، أي يبحث في سلطانها على الحديث إلى الذهن بمعنى في إحالتها إجمالا إلى المؤولات.
     وعلى ضوء هذه الثلاثية تقسم الرموز إلى ثلاثة أصناف عامة: الحدود، والقضايا والحجج. وهي رموز معروفة ومتداولة في المنطق التقليدي والعلاقة بينها تأليفية وتكثيرية: فالقضية تتألف من حدود، والحجة تتألف من قضايا ويظل الحد "شكلا فارغا" قابلا للملء. كما أن الحجة أكبر من القضية والقضية أكبر من الحد. ويمكن النظر إلى هذا التقسيم بأنه ناتج أيضا عن التمييز باعتبار الفهم والماصدق  بوصفه اعتبارا يحين الطبيعة الإحالية لهذه الرموز.
     والوحدة، المشار إليها في 5، التي يرد إليها الفهم كثرة الانطباعات هي وحدة القضية التي تتألف، في أبسط صورها، من موضوع ومحمول ورابطة. ومن بين التعاريف التي تعطى للقضية يظل التعريف الدال هو الذي يولي أهمية قصوى لتصور الإحالة إلى موضوع أو إلى متضايف؛ كما يكتسي تصور الإحالة إلى مؤول أو إلى ثالث غاية ظاهرة في تحديد الحجة وفي بناء مبحث المنطق، فيما بعد، على مقولة الثالثانية المعبرة عن هذا المستوى. وقد نبه بيرس إلى مسألة تبصر القضايا التي تتعاند موضوعاتها إذا أراد المتكايس أن يقيم وزنا لبعض الحجج التي لا تدخل في حيز قضايا الموافقة التي يبحث فيها المنطق عموما.
     وسيرا على معالم هذا السبيل انطلق بيرس في تحليل تصوره للقياس واستخلاص صورته العامة. وأضحى الشكل الأول النمط المثالي لكل استنباط (وهو أيضا عند ميل النموذج الأرقى لكل استدلال)، والشكل الثاني مطابقا للفرضية والشكل الثالث ملائما للاستقراء من طريق إعمال تأويل مخصوص وإعلاء النسب البنيوية بين أنماط الحجج الثلاثة المعرفة بحدود "القاعدة"، و"الحالة" و"النتيجة"؛ وما يستتبع ذلك من تصور للضروب، ومن طرح للاعتراضات ونقدها ومن عرض لصور الأشكال الثلاثة.
     وإذا كان يفترض في المنطق أن تكون استدلالاته منتقدة، فإنه بمجرد ما يتساءل المرء الذي يستدل عن الضمانة التي في حوزته حينما يستنتج من "س هي م" أن "س هي ب"، فهو بهذا العمل يرنو إلى صياغة مبدأ موجه للاستدلال. وهو مبدأ يوازي اطراد قوانين الطبيعة عند ميل ويمثل صمام أمان الاستدلال. وعلى هذا الأساس فكل استدلال تام أي كل استدلال يملك مبدأ توجيهيا ذا تجريد أقصى هو استدلال يأتي في صورة باربارا Barbara.
     ومنذ 1866-1867، وعلى الرغم من حداثة سنه، كان وعي بيرس في طريقه إلى الإعلان بأن نسقه المنطقي الصوري يرشح بعدم اكتماله حيث رأى من المتعذر عليه التمثيل في القياس لأي استدلال كان في الهندسة أو في الجبر ما عدا الجبر المنطقي البولي بصرف النظر عن عدم ملاءمته لتمثيل الأقيسة العادية للشكل الثالث. فاتجه به البحث في منطق العلاقات الذي يعد تتميما للمنطق الجبري عند بول، بعد تسجيل ملحوظات عليه، وتمديدا لنسق المنطق الصوري الذي أصبحت فيه الأنماط الثلاثة للاستدلال، المذكورة سالفا، وهي الاستقراء، والاستنباط والأباغوجي قائمة الذات. وهو ما أسعفه في عبور الخطوة الكانطية المتمثلة في نقل التصورات من رحاب المنطق إلى رحاب الميتافيزيقا.
     ومما يتوجب العلم به أنه في هذه السنة نفسها (1866) كان بيرس قد حظي بشرف الاطلاع على الدراسة القيمة التي أنجزها أوغست دي موركان في موضوع منطق العلاقات بعد أن أهداه إياها. بما قوى نظره وشحذ عزمه على أن "منطق العلاقات" هذا يضيء بكيفية مدهشة كل وجوه المنطق، ودفعه إلى الاعتراف الصريح بالعمل المنطقي الرياضي الجيد والمتين لهذا العالم النحرير الذي يتصف "بصرامة منهجيته الرياضية التي لا جدال فيها" وهو ينكب على "تفحص الصور المجهولة آنذاك والتي أثرت علم المنطق" وتنفيذه لهذا العمل "داخل روح علمية أصيلة" أذكى أصالتها الفكر العبقري المحفز لصاحبها.
     وقد حاول دي موركان التفكير في نظرية جديدة للقياس تتصل على المكان وفي العمق بحالة النفي. فيمم نحو اجتراح كتابة رمزية حرفية يشير بها إلى التصورين الإيجابي والسلبي في كون الخطاب المعتبر. وقد خطرت بذهنه فكرة توسيع وتمديد قاعدة القضية لتشمل علاقات أخرى يظهر أنها منعدمة الوجود في القياس الأرسطي، كما اخترع أنماطا أخرى للأقيسة لا يمثل القياس التقليدي إلا أحد عناصرها. وكان لتأمله في طبيعة الرابطة ودورها المنطقي الأثر الواضح على تخريج أصناف العلاقات. وقد احتفظ له تاريخ المنطق بقانوني هذه الحالة وأصبح بهما يعرف.
     وعليه، وبما أن هذا القسم من المنطق له شرف المرتبة عند المستبصرين بمحك النظر وكون بيرس أحد هؤلاء الأعلام فقد طور، بكل ذكاء علمي، منهجيتين بيانيتين: منهجية "المبيانات الكياناتية" ومنهجية "المبيانات الوجودية". وقد استقر رأينا على تقديم نموذج لهذا المنطق العلاقي من وجهة نظر هذه المنهجية الأخيرة لاتصالها بموضوع مبحثنا واستصحبنا معها تحليلا للصور الرياضية للاستدلال، والتصورات النظرية للمتصل والمتقطع والكثرة، والملاحظة والتجريب والتعود.
     وكان حديثنا المقتضب عن المقولات مسوغا للإشارة إلى الخاصية الثلاثية المميزة للنسق المنطقي من جانب الاستدلال، والصور المنطقية والدلائل وطرائق التفكير فيها من جهة، ولما أملته علينا الضرورة النظرية والشرعية المنهجية بالتأمل في بنية هذه المقولات ومستوياتها البينية (الأرسطية والكانطية) وتداخلاتها وانفراجاتها المنطقية والفلسفية، من جهة أخرى، والتي ستتحصل منها الصور الثلاث الأولية للحمل (انظر 15) بدء من الأسئلة المطروحة على فكر كانط. وبعد الاقتناع بالبعد العلمي الحاسم لهذه النتيجة المستحصلة لم يبق أمام بيرس من أمر إلا عقلنة هذه المحمولات الثلاثة وصياغتها في شكول أسماء جديدة اصطلح عليها ب: الأولانية، والثانيانية والثالثانية، طبقا لرؤيته الأخلاقية والمعيارية في اشتقاق المصطلح ونحته.
     ومن بين تلك الأسئلة الملقاة على فلسفة كانط إعادة توجيه سؤاله القائل: كيف يمكن للأحكام التركيبية القبلية أن تكون ممكنة ؟ والتعديل فيه صورة وجوهرا بصياغته على هذا النحور: كيف للتركيب أن يكون ممكنا بأية طريقة كانت ؟ واعتبار الجواب عن السؤال: كيف يمكن لشيء مختلف عن شيء آخر أن يجتمعا في وحدة ؟ يكمن في تركيبة التمثيل أو التدلال (انظر 19). وقد أضفى هذا التصور على هذه المقولات وضع مقولات سيميائية مخصوصة بتصنيف صور الاستدلال لتباين بهذا التحديد مقولات أرسطو التي جعلت من تصنيف الحدود بوصفها أجزاء القول موضوعا لها ومقولات كانط التي انصبت على تصنيف الأحكام من حيث هي طبائع مختلفة للقضايا.
     وكان من الطبيعي أن نفصل الحديث، في الفصل الرابع، عن هذه المقولات الفانروسكوبية وإنتاج الدلائل. فقصدنا تعريف دلالات هذه المقولات والموضوعات التي تستوعبها في هذه الصناعة، والحالات الأصيلة وتلك التي تنحل إليها، وأنماطها العددية التسعة وما يستخرج منها من مجموعات فرعية. مما مهد الطريق لنا للانتقال إلى تناول المكون الثاني بالتحليل سواء على صعيد ثلاثيات الدليل الثلاث وتوزيعها باعتبار الممثل، والموضوع والمؤول، أم على مستوى الربط بين هذه البنية الثلاثية وانتظام مقوماتها وبين التقسيم العددي المقولي أم على صعيد أصناف الدلائل والصور التعريفية المقترحة التي تأخذ في الحسبان، من بين ما تأخذ به، دعائم الدليل وتطوره (مع أرسطو والرواقيين مثلا)، والدليل والمقولات، والدليل والتواصل والدلالة؛ لنخلص، في المحل الأخير، إلى استكناه التبصر النظري للموضوعات والمؤولات والسيرورة التدلالية.
     فالملاحظة التجريدية الإدراكية (انظر 15) والمعرفة السابقة المشتركة بين الباث والمتلقي والمعرفة الإضافية النسيبية (الموازية) تعتبر عناصر مكيفة لسريان الموضوعات التي قد تحمل على معاني الممكن والوجودي والعام. فالموضوع، بوصفه دليلا، يمتلك أساسا وتنتج عنه معلومات، إلزامية وسياقية، في علاقته بممثل. وقد راعى بيرس في تقسيمه الثنائي للموضوع إلى موضوع مباشر وموضوع دينامي طبيعة الإحالة الموضوعية بما يمثل الدليل داخليا وبما يحيل إليه خارجيا في تشارطه بالواقع أي راعى فيه إدخال الإحالة وإخراجها.
     يتبين مما سبق أن الفعل التدلالي لكي يكون تاما فهو يستلزم تعاون ثلاثة مكونات: الدليل والموضوع والمؤول.
     وتكمن أهمية المؤول في النظر إلى سيرورة الدليل باعتبارها سيرورة إنتاجية وتأويلية يحصل فيها كل دليل معناه من دلائل أخرى وهذه الأخيرة من دلائل غيرها في سياق سيرورة التدلال اللانهائية. وقد حدا بنا تصيير المؤول من الكليات النظرية في المقاربة المنطقية – السيميائية للظواهر إلى إرساء تصنيفات المؤول الأصلية والفرعية. وبحكم أن المؤول يتحدد فيما ينتجه الدليل في شبه – ذهن في صورة إحساس أو فعل أو دليل فقد رتبنا صنافة على المشهور من المؤولات الثلاثة: المؤول المباشر، والمؤول الدينامي والمؤول النهائي. ورتبنا صنافة أخرى على فروع هذه الأصول التي تسمح بإنتاجها. وكان من الضروري أن نناقش بعض الآراء الرائجة في هذا المجال وأن نشد وثاق الربط المنطقي بين المؤولات نفسها وبينها وبين صور الاستدلال والمقولات الفانروسكوبية وأن نحلل طبيعة العلاقة المستحكمة في المؤول المنطقي النهائي والإحالة أو الوقائع الذهنية التي لها إحالة عامة والتي حرص بيرس على حدها في أربع مقولات: التصورات، والرغبات، والتوقعات والعادات. ولم نترك سؤال الجدل النظري يمر دون أن نقدم اقتراحا ينهض على ملء النقص الحاصل في لوحة المظاهر الظاهرية لعناصر الثلاثيات وأشكال المؤولات بإدخال علاقة المؤول الدينامي بالدليل وعلاقة المؤول النهائي بالموضوع الدينامي في النسق المنطقي الدليلي لاستكمال آلية الإنتاج التأويلي وتقعيد دعائم الدلالة ومجاريها.
     وفي اتصال مشفوع العلة بهذا الجسم السيميائي تناولنا بالبحث تحليل علاقة الدليل – الممثل بالموضوع من زاويتين: زاوية أولى رصدنا فيها الأصناف الدليلية للأيقونة والمؤشر والرمز تعريفا ونظرا والمكانة التي احتلتها في الأبحاث المعاصرة. وزاوية ثانية، مندغمة في الأولى، تطرقنا فيها إلى صورة نظرية الإنتاج الدليلي كما صاغ مادتها السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو مستلهما نموذج لوي هيامسلف ونقد الثلاثية البيرسية في الزاوية الأولى (وبصفة خاصة نقده لمفهوم الأيقونية) ليصل، في النهاية، إلى تأسيس تنميط لضروب إنتاج الدلائل مؤلف من أربعة أبعاد: التعرف، والإظهار، والنسخة والخلق؛ وبناء هذه الأبعاد على برامترات ونسب معينة.
     وعلى رسم خطى بيرس يعتبر إيكو ضروب الإنتاج الدليلي في هذا التنميط مقولات سيميائية مستقلة محددة لظواهر التدلال في أنساق مختلفة للدلائل سواء كانت منتمية إلى سيرورات لفظية أم إلى سيرورات غير لفظية. كما يمكن أن نستتبح من هذا التنميط لإنتاج الدلائل ذلك الربط الذي أشرنا إليه بين نظرية الدلائل والمقولات الفانروسكوبية والذي يتصور على هذا الشكل:
    الأولانية: التشابهات: الأيقونات
    الثانيانية: المؤشرات: الدلائل
    الثالثانية: الرموز: الدلائل العامة
     وربط هذه المقولات بنظرية بيرس للكون (الكوسموس) المحايثة للتجربة:
    كون المصادفة
    وكون المحبة
    وكون الاتصال.
    28 - وكان مطلوبا منا في القسم الثاني من المبحث أن نسعى إلى محاولة تجسيد مجاورة بين البرهنة النظرية والبرهنة النصية وأن ننسج سدى ولحم محاورة تعاونية وتعاضدية بين الإنتاج النظري والإنتاج النصي المتمثل في متن مخصوص من الرحلة السفارية يتغيا البحث فيها التئام العناصر مع بعضها البعض لتحصل ذات الشيء دون إهمال فصوله وخواصه وأعراضه التي لا يتم التفريق بينها إلا بموجب ضرورة منهجية تنتهي، في آخر المطاف، إلى الإذعان لفعل تجذير التجانس المرصوص اللبنات والذي يتجاوز كل ادعاء يتوسل بتطبيق "مدرسي" جرت العادة أن يتمسك بحرفية السند المرجعي: أي البحث بكل الطرق عن أي شيء في النص يدعم "قانونيا" المفهوم التظري وإجباره على الاتصاق به وإسقاطه عليه كما تسقط الصورة على وجه مرآة مكشوفة.
     ولذلك كان القصد تحقيق المشاع الحصولي وليس المراهنة على مسائل محسومة تعليميا مما جعل تصورنا للمتن الرحلي السفاري المدروس في هذا القسم لا يختلف كثيرا عن مفهوم المختبر في الصناعة السيميائية قيد النظر من حيث تحصيل النتائج بوسيلة الملاحظة البينة المنصبة على الفرضيات من جهة، واعتبار هذا المختبر نوعا من التجريب على الرسوم البيانية، التي نعرف مدى تداولها في الرياضيات(*)، في شكل نمذجة وتنميط لمجموع من العلاقات بعد شمول حد الاستغراق للكيانات.
     وعلى هدي هذا المطلب المنهاجي تمت مفصلة هذا القسم الثاني إلى فصلين: فصل "التأويل وتمثيل الأشياء" وفصل "المشاع والمباينة والإحالة".
     بنينا تحليلنا في الفصل الأول على ثمانية عناوين بدت لنا مقومة للرحلة السفارية وهي: تداخل التأويل، والنسق العلاقي، وبروتوكول الاستقبال، والإدراك الأيقوني، وكون الخطاب، والمحاورة والمناظرة والصيغ الخطابية والإخبارية.
     فاستهلنا هذا التحليل بمقاربة رحلتي محمد بن عثمان المكناسي السفاريتين: "الإكسير في فكاك الأسير" و"البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر" من خلل استثمار مؤولات دنيا وربطها بمؤشرات العنوان والمهمة الدبلوماسية وكيفيات الأسر وتفكيك بنية الشك والاعتقاد ثم استجلاء عناصر المنظومة الدلالية للعقد وما في معناه والبيئة المعرفية للتفاوض وتأمل بروتوكول الاستقبال بتصورات النمط والنسخة.
     ولم يفتنا، في هذا الإطار، تحصيل الصورة الشخصية والإدراك الأيقوني ومحايثتها للشجرة الجينيالوجية للأنساب لتنتقل إلى تفحص صورة الدليل المسرحي وأشكال الأيقونة والاستعارة وتمثيل الجسد باعتباره أثرا وكون الخطاب وما يشتمل عليه من موضوعات وأشياء بتفعيل نموذج إدراكي مخصوص واستدراك المؤولات والتمثيل الأيقوني المشاع والبنية التبادلية ونسق الكثرات والأشياء.
     وكان من مطالب هذا الفصل أيضا أن نعالج تشكل عالم الحجاج وعالم الحق سواء من منظور المحاورة كما هي منتجة في هذين الرحلتين أم من منظور المناظرة كما هي منتجة في رحلات سفارية أخرى كرحلة "ناصر الدين على القوم الكافرين" لأحمد بن قاسم الحجري الأندلسي (أفوقاي). ووقعنا خاتمة هذا الفصل بتسجيل أولي لأشكال من الصيغ الخطابية والإخبارية بالإشارة إلى الإحالة الكلية والإحالة الجزئية وصيغ "العجيب" و"الغريب" الخطابية والمنطق المستقيم والمنطق المعكوس للمفاضلة وافتراض الصورة التماثلية للأشياء.
     ولم يقتصر تحليلنا، في هذا الفصل الأول، على نصوص الرحلات السفارية المذكورة بل كنا نستعين بين الحين والآخر، وكلما سنحت الفرصة بذلك، بنصوص رحلية أخرى لدعم هذه المسألة أو تلك وإثباتها أو للشك فيها ونفيها، وهي الطريقة التي احتفظنا بها في الفصل الموالي.
     وكان من المنطقي، نظرا وعملا، أن يكون فصل "المشاع والمباينة والإحالة" متداخل بنيويا والفصل السابق لتحقيق التجانس المطلوب الذي أشرنا إليه سالفا وتأكيد عنصر النمو في التحليل وإدراج أكبر قدر ممكن من النصوص السفارية ذات الطابع التمثيلي التي تسمح بترتيب مستويات محتملة لها صلة بمعطيات سياقية أو بتشكلات دلالية أو بمكونات صرفية (مورفولوجية) أو بأنماط التلفظ الخطابي أو باستنهاض وهم الإحالة وحقيقتها الشرطية أو بشكل المتجهية أو بعرض معلومات خاصة بالجنس منقولة بوساطة "تقارير" و"تقييدات" أو بإنتاج تصويري مدعم، تعبيرا ومحتوى، باستثمار دلالي ل "السفر" بوصفه مؤشرا مكانيا وبناء تشاكليا واستعارة أيقونية يلزم كفاية التمثل ووروداتها النوعية.
     ولتوجيه هذه العناصر وغيرها وجهة مضبوطة تستجيب والصناعة السيميائية المقترحة باعتبارها خلفية هذه المقاربة للرحلة السفارية وقع تسطير بنود برنامج وتنفيذ تحليلها على الصورة التالية:
    افتراض التأويل في الكتابة
    في صناعة العلم
    المشاع والمباينة
    أشكال استيعاب التمثيل
    الإحالة المتبادلة وخزانة المعرفة
    المتوالية القضوية للسرد
    الإدراك المرآوي والتماثل الأيقوني
    ترجمانة الطبائع.
     وقد اقترحنا عدة رحلات سفارية للتدليل على قائمة بنود هذا البرنامج من بينها رحلة أبي عبد الله محمد بن عبد الله الصفار إلى فرنسا منظورا إليها في سياق مقارنة تأسيسية ورحلة رفاعة رافع الطهطاوي المسماة "تخليص الإبريز في تلخيص باريس". فبدأنا بطرح إشكال كيفية تصور الكتابة والعلاقة التعاقدية مع قراء واقعيين ومحتملين وبسط فرضية الطرائق الإجرائية لتمثيل عالم الأشياء. وأردفنا هذه النقطة بالاهتمام بأخرى ذات مدلول جوهري في التركيب والرؤية وتتعلق بصناعة العلم بمستوييه النصي وعبر النصي وببناء تصوره وصنافته ومبادئه الذريعية لنخلص إلى تقاسم الرحلتين للتأويل واشتراكهما في الرسم التصوري لحدود الدلائل الحملية والصور الاستدلالية لمقدمات الدعاوى والقضايا التي تعود إلى تحصيل نتائج متشابهة لا تختلف إلا في الصيغ التعبيرية. كما عاينا مظاهر التعاقد السير ذاتي للرحالتين ودرجات التحديث وقصديتها بين مصر والمغرب وتعالق فكر المنتجين بالخطاطة الخلدونية لنقف بعد ذلك عند نقطة استرعت انتباهنا وتخص العملية الإدراكية وإحراجاتها في رحلة الصفار لنحلل، في الإطار نفسه، ما سميناه التأويل بالمفارقة لغياب المعلومة والافتراض الأيقوني والاستدلال التأويلي.
     وكان لابد أن نستقرئ عناصر المنظومة الإحالية وأبعادها التكوينية والتأويلية (إشكال التناص التعاضدي) والتقليد في الكتابة الرحلية من خلل عدة أمثلة من بينها العلاقة النصية المدغومة بين "النفحة المسكية في السفارة التركية" لعلي بن محمد التمكروتي و"تاج المفرق في تحلية علماء المشرق" لخالد بن عيسى البلوي من جهة صنعة التأليف وترتيب المادة والأسلبة الخطابية؛ والتوصيف السردي والخطابي للاختبار التأهيلي ل "الكرنطينة" كما هو بين عند ابن عثمان والطهطاوي وأبي القاسم الزياني في "الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا".
     وعلى صعيد تحليل الاستراتيجية النصية استوقفنا شكل السرد ونصوصه الحكائية (في رحلتي الطهطاوي والصفار على وجه التحديد) والتعديلات التي اقترحناها لترصيف المتواليات السردية لنركز النظر على مكونين آخرين وظيفيين هما: صور الاستحسان والتمثيل الدلالي لبعض الأفعال وترميز الشاهد؛ والتأويل المرآوي لسيناريوهات قالبية متصلة بالإدراك الأيقوني.
     وفي عمق هذا التبصر النظري ومجراه المتحرك أقمنا الحجة على إمكان التقعيد لترجمانة الطبائع، بشقيها الذاتي والغيري، بما يعني ذلك من تشعيب دلالي وذريعي لسمات الشيء والأفراد وقائمتها التمثيلية المستظهرة في سلم القيم الواصفة كما هو ملحوظ، مثلا عند المنتجين الطهطاوي والصفار واستنادهما إلى المنهجية الاستدلالية-القياسية؛ أو التثبت الظاهراتي والمساقي والموضوعاتي وحيثية البنية الصغرى والبنية الكبرى والمسلمات الدلالية وحقولها كما هو واضح في الرحلة السفارية "المغرب" لمؤلفها الإيطالي إدموندو دي أمتشيس EDMONDO DE AMICIS ومنهجيته المبنية على الإدراك المباشر للأشياء التي عززنا قوامها بتحليل تجريبي للمكون الفني – البصري وتواصلاته الجارية بين الدلائل الأيقونية والدلائل اللسانية أطلقنا عليه: المحمول بالضميمة. واستحصل لنا من هذا التحليل ما وصفناه بصورة عنف الخطاب وخواصه الكارثية التي تطبع بشدة هذا النص السفاري والتضام المتلاحم بين الخطاطات الذهنية والدلائل الخطية والدلائل اللسانية لإدراك مفهومات وأجزاء الموضوعات الحدثية.
     

    - III -
    29 - إذا كان هذا المدخل القصير يعطي لمحة وجيزة عن محتويات المبحث وشكل ترتيبه ونوعية الأسئلة والإشكالات والطروحات، النظرية والنصية، والأجوبة والحلول والفرضيات المقترحة التي تحتمل الصواب والخطأ، فإنه يظل، مع ذلك، مدخلا ناقصا، كما وكيفا، ويعتريه العجز العضوي والوظيفي عن الإلمام بشبكة المسائل المطروحة في هذه الدراسة بكل جزئياتها وحيثياتها مما يتطلب تحيين قراءة أخرى تكون أكثر استيفاء لشروط هذه المسائل وأدق انتفاعا لنتائجها المستحصلة التي تؤديها الفصوص التالية:
    تصنيف العلوم ونظام تجريد الموضوعات
    في النظرية الصناعية للعلم
    الاستدلال ومنطق الأشياء
    المقولات الفانروسكوبية والإنتاج الدليلي
    التأويل وتمثيل الأشياء
    المشاع والمباينة والإحالة.
     وهي الفصوص التي رأينا أنها تستجيب لمعطيات إشكالات مبحثنا.

    قطوف

    الاستدلال ومنطق الأشياء

     

    من المطلوبات المعالجة في الفصل الأول الخاص بتصنيف العلوم، تأسيس كل علم على مكونات ثلاثة تطبع صورته ومادته وهي: الموضوع، والمسائل والمبادئ. ورأينا كيف أدمج تشالز سندرس بيرس هذه المكونات في نسق لبحث جديد يستجيب للمقتضيات العلمية لعصره. ومن ثم جعل على رأس صنافته للعلوم الرياضيات والفلسفة المستندة إلى المنطق والميتافيزيقا مع إعطاء نظرة محددة عن هذه الأخيرة. وعمقنا الاتجاه المنهجي لهذه الصنافة وموادها بما اهتم به بيرس من " تحليل منطقي لمنتوجات الفكر " في محاولة، لافتة للنظر، لصياغة " نظرية صناعية للعلم " جديدة أو نظرية للتصورات مختلفة في أصولها عن نظريات تصورية أخرى كالتالي سمح لنا البحث بتقصي بعض عناصرها فيما يتعلق بالتصور والتصديق والعلم؛ ولاحظنا أن معظم آراء هذه النظريات يمكن أن يندرج تحت ما يمكن تسميته " النظرية التصويرية "، وهي نظرية مباينة للنظرية التصورية البيرسية. وأثناء البحث والتحليل وردت عدة مفاهيم، في هذا الفصل الثاني على الخصوص، ك "الدليل "، و"الاستدلال"، و "القضية"، و"المنطق" و " الأباغوجي" الخ.  وكنا نشير، بين الحين والآخر، إلى ضرورة تمحيص معانيها حتى تتضح تعاريفها وطبيعة وظيفتها في السياق الحاوي لها. وبحكم ترابط فصول البحث ككل، وانشداد بعضها إلى البعض الآخر، فإن النظرة البنائية والتجانسية للموضوع تتطلب منا توسيع الحقل النظري لهذه المفاهيم وضبط مساقاتها التحديدية وتواصلاتها الإجرائية مع مفاهيم أخرى تنتسب إلى جنسها أو متعاونة ومتعاضدة معها.( ) وبعبارة أخرى، إننا نسعى، فيما سنقدم عليه من تحليل واستقصاء، إلى وضع الأسس النظرية للمنطق عند تشالز سندرس بيرس موضع طرح وبسط وجعلها قيد نظر وتساوق مع نظريات منطقية أخرى بما يتلاءم ونظريته السيميائية التي سنعد القول والبحث فيها بعد الانتهاء من هذا الفصل مباشرة.
    ونحن، في الحقيقة لم نقم إلا بتطبيق ذلك البرنامج النظري، تلبية تلك الدعوة التي دعاها بيرس حين أشار بنفسه إلى تعيين المباحث الثلاثة في السيميائيات وهي: النحو النظري (التأملي)، والخطابة الخالصة والمنطق بحصر المعنى أي:
    "العلم الضروري لشروط حقيقة التمثيلات".( )
    على اعتبار أن سيميائيته التي يطمح إلى إرساء أسسها هي سيميائية منطقية.
    وترتيبا على هذا النهج، ستكون قاعدة نظريته الجديدة للدلائل، التي تشكل مناط مبحثنا في مجموعه، ليست متعلقة بالميتافيزيقا الأرسطية وإنما متعلقة بالمنطق الرياضي الجديد ومنطق البحث العلمي الجديد بوصفهما بديلين أساسيين للمنطق الأرسطي.( )
    فالمنطق، باعتباره اسما آخر للسيميائيات، أي المذهب الشبه ضروري أو الصوري للدلائل،( ) سيهتم بمعالجة العلاقة التي تقيمها هذه الدلائل مع موضوعاتها أي معالجة حقائقها، وبالتالي سينصب على تناول قضايا الاستنباط، والاستقراء، والأباغوجي،( ) ومنطق العلاقات (أو الإضافات).

    1: المنطق: تحديدات أرسطية أو ما في معناها:
    ربما كانت كلمة " منطق " من الكلمات التي لم يستقر معناها على تحديد ثابت " جامع ومانع " يشفع لها بأن تكون موحدة الاستعمال عند جميع المناطقة. فتعاريفها متغيرة ومتحولة ومتعددة بتعدد المناطقة أنفسهم، أو بتعدد الاتجاهات والمدارس التي ينتمون إليها، أو باختلاف العصور التي عاشوا فيها. فكل واحد منهم يعرفها ويستخدمها بطريقته الخاصة في تعالق مع القصد الذي يتغياه والمذهب الفلسفي والفكري الذي يرتضيه. لكن هذا الاختلاف في الظاهر، يتبعه توحد في الباطن يشير إلى أن التعاريف التي أعطيت للمنطق،  على الرغم من تباينها، ظلت مشدودة إلى التصور الأرسطي للمنطق، تغترف من معانيه إلى حدود الظهور الحقيقي للمنطق الجديد في القرن التاسع عشر والمحاولات التمهيدية التي سبقته، والتي سنلفت النظر إلى بعض أعلامها.
    ولكي نمتلك الحجة البينة على ما نقول، يكفي استشارة بعض كتب المنطق التي تبدو سخية في هذا المجال.
    ولكن، قبل الاستعانة بهذه الاستشارة، لابد من إلقاء نظرة على التصور الأرسطي للمنطق تمهيدا لما سيأتي من مباحث جزئية تتعاضد فيما بينها لتبني المبحث بوصفه عظما.
     يعزو بعض الباحثين ظهور المنطق الأرسطي إلى عاملين اثنين:
    - إنكار السوفسطائيين لوجود الحقيقة وتشكيكهم فيها
    - عدم موافقة أرسطو طاليس لأستاذه أفلاطون على نظريته في عالم المثل.( )
    يقول أرسطو مثبتا هذا الاختلاف مع أستاذه أفلاطون:
    " أنا لا أقر بهذه المثل، كلا بل المعلومات تؤخذ من الحواس والعقل يجردها فيأتي بالأنواع والأجناس ".( )
    فالعقل، إذن، ينتزع المعاني من صور المادة التي تشكلت بها. ومن هذه القاعدة الأساسة استطاع أرسطو وضع علم المنطق.( ) وعلى الرغم من أن شراح أرسطو لم يتبينوا مكانا خاصا للمنطق في تصنيفه للعلوم أو بالأحرى في التصنيف الذي استخرجوه من كتبه التي تركها لنا، كما وضحنا ذلك في الفصل الأول، ورأوا أنه لم يدرجه تحت أي قسم من الأقسام الثلاثة التي أصبح متعارفا عليها وهي: العلوم النظرية، والعلوم العملية والعلوم الشعرية، باستثناء بيرس في حاشيته على أرسطو وابن خلدون، كما سنرى، اللذين اختلفا مع هؤلاء الشراح حول هذا المشكل، فعلى الرغم من كل هذا، فإن المنطق، كما توحي بذلك مؤلفات أرسطو في هذا الميدان المعرفي، كان يهدف تحقيق غاية منهجية، وأن تأسيسه على تصورات كلية يجعله في منأى عن الحاجة لأي علـم كان، بل العلوم هي التي تكون في أمس الحاجة إليه.( ) وبهذه الصورة، يتحول المنطق الأرسطي إلى منظومة من القواعد يتحقق بمقتضاها الاستنباط مما يجعل منه " علم كل العلوم ".( ) ولهذا وجدنا من الباحثين من رأى فيه علما بلا شك، لكنه علم ليس بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما هو عبارة عن آلة للعلوم أي أن المنطق لا يعدو أن يكون صنف مقدمة:
    "فلذلك خرج عن التصنيف الأصلي للعلوم".( )
    في صنافة أرسطو المقترحة.
    لكن البحاثة ابن خلدون في " مقدمته " سيخالف هذا الرأي(*)، جملة وتفصيلا، وسيعتبر أرسطو طاليس، بوصفه معلما أول، الفيلسوف المنطقي الذي عمل على تهذيب مناحي المنطق وترتيب " مسائله وفصوله " بعد أن اكتفى المتقدمون عليه بالكلام فيها " جملا جملا ومفترقا " ومن ثم فلم يكن غريبا، في رأي ابن خلدون، أن:
    "جعله أول العلوم الحكمية وفاتحتها".( )
    وسيسمي ابن خلدون مجموع المؤلفات المنطقية لأرسطو: النص، والتي تسمى أيضا الأورغانون (أو القانون)، مشيرا إلى عددها ومحددا صورتها ومادتها، يقول:
    "وكتابه المخصوص بالمنطق يسمى النص، وهو يشتمل على ثمانية كتب، أربعة منها في صورة القياس، وأربعة في مادته".( )
    وهذه الكتب الثمانية هي:
    كتاب المقولات،
    وكتاب العبارة،
    وكتاب القياس،
    وكتاب البرهان،
    وكتاب الجدل،
    وكتاب السفسطة،
    وكتاب الخطابة،
    وكتاب الشعر.( )
    فالمنطق عند أرسطو، حسب ابن خلدون، موضوعه البحث في صورة القياس ومادته. وهو علم ينتمي إلى العلوم العقلية التي لا تخص ملة بعينها وإنما:
    "النظر فيها لأهل الملل كلهم.. يستوون في مداركها ومباحثها".( )
    والفكرة السابقة هي التي قصدها باحث معاصر عند قوله:
    "من هنا انتهى إلى أن غاية المنطق هي الحدود في التصورات والقياس في التصديقات. وكان منطقه هذا صوري النزعة إلى حد كبير".( )
    فلماذا، إذن، وضع أرسطو قانونا للمنطق( )؟
    يقدم العلامة ابن خلدون إجابة ممكنة من الإجابات التي قد تكون متعددة عن هذا السؤال.
    فبرأيه، إذا كان فكر الإنسان يدرك العلوم والصنائع، وأن العلم تصور وتصديق بوساطتهما يحصل هذا الفكر مطلوباته، فإن:
    "هذا السعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح وقد يكون بطريق فاسد، فاقتضى ذلك تمييز الطريق الذي يسعى به الفكر في تحصيل المطالب العلمية، ليتميز فيها الصحيح من الفاسد، فكان ذلك قانون المنطق".( )
    ويـؤدي ابن خلدون محتوى هذه الإجابة بتعبير آخر في الفصل الذي سماه " فصل في علم المنطق " حيث يعرف المنطق على الشكل التالي:
    "هي قوانين يعرف بها الصحيح من الفاسد في الحدود المعروفة للماهيات، والحجج المفيدة للتصديقات، ذلك لأن الأصل في الإدراك إنما هو المحسوسات بالحواس الخمس".( )
    فالمنطق هو قانون الفكر الذي يسير على هداه ليعرف الصحيح من الفاسد في تحصيل مطالبه في التصورات والتصديقات. ويتخذ مثل هذا التعريف للمنطق تلوينات تعبيرية مختلفة من حيث الشكل لكنها تظل من حيث الجوهر هي هي: فإثنينية " الصحيح " / " الفاسد "، و " الصواب " / " الخطأ " .. شائعة في كتب المنطق، ولا تكاد تعادلها في التداول والشيوع إلا عندما يعرف المنطق بوصفه " آلة "، و " فنا"، و"ميزانا"، " معيارا "، و " محكا للنظر" الخ. وهي أوصاف وألفاظ اتخذت عناوين لكتب منطقية بعينها.
    ويشير ابن خلدون نفسه إلى هذا الوضع بقوله:
    "ونظروا فيه من حيث إنه فن برأسه لا من حيث إنه آلة للعلوم، فطال الكلام فيه واتسع".( )
    والجملة الأخيرة في هذا القول (فطال الكلام فيه واتسع) يلخص بها ابن خلدون كل النقاش الذي دار حول تعريف المنطق إما بوصفه "آلة" أو بوصفه "فنا" وما يدخل في معانيهما.
    وإذا اعتبرنا كل قانون يتصف، من بين ما يتصف به، بكتابته الصورية التي تجعل منه قانونا، فهل يمكن وصف القانون الأرسطي في المنطق بالصورية ؟
    لقد أصبح من المألوف في المؤلفات والكتابات الفلسفية – المنطقية أن يسمى المنطق الأرسطي: المنطق الصوري؛ غير أننا نجد من الباحثين من اعترض على هذه الصورية معتبرا المنطق الصوري ليس منطقا خالصا إذا كان المقصود بالمنطق الصوري:
    "اتفاق الفكر مع نفسه (لأن) في الفكر قانونا ضروريا هو قانون عدم التناقض".( )
    كما يقول هاملتون. وهو القانون الذي ترجع إليه القوانين التي ينهجها الفكر في تحصيله للتصورات والتصديقات الصحيحة.
    وهناك من أرجـع انتفاء هذه الصورة البحتة إلى كون منطق أرسطو ينقسم، في الحقيقة،  إلى قسمين أو منطقين: المنطق الصغير الذي يدرس قوانين الفكر من حيث الشكل؛ والمنطق الكبير الذي يوجه اهتمامه نحو العلوم رياضية وطبيعية.( )
    ومهما يكن من أمر، وسواء أكان المنطق الأرسطي صوريا بحتا أم مزيحا من الصورية والمادية أم الموضوعية، فإن هذا لا يغير في الصورة التي أقرها له أرسطو ولا في الغاية التي رمى تحقيقها منه ولا في التأثير القوي الذي مارسه على كل الفكر المنطقي وعلى كل من جاء بعده من حيث تعريفه ورسمه وتحديد موضوعه، حتى عندما أشار بعضهم إلى الألفاظ والمعقولات الثانية التي موضوعها المعقولات الأولى؛ مثل قول التحتاني في "شرح المطالع":
    "موضوع المنطق الألفاظ من حيث إنها تدل على المعاني".( )
    أو قول صاحب "المنظومة":
    "موضوع المنطق المعقولات الثانية وليست بأعيان".( )
    بل إن فلاسفة علماء عند تصنيفهم للعلوم وترتيبهم لها جعلوا المنطق، غالبا، في مقدمة لوائح تصانيفهم. وعندما كانوا يضطرون إلى جعله في غير هذه المرتبة الأولى، كما هو الحال عند الفارابي، فهم يفسرون ذلك بسياقات فوق منطقية قد تعود إلى أسباب ثقافية تمليها طبيعة المجتمع الذي ينتجون فيه فكرهم مما يجبرهم على الأخذ في الاعتبار ما هو محلي في طرح القضايا وتعاريفها.
    وعلى العموم، وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن أرسطو نظر إلى المنطق بوصفه علما برهانيا فسمي أيضا: علم التحليل أو العلم التحليلي.( )

    2: تحديدات ما بعد أرسطية: بداية تشكل المنطق الجديد:
     لم يكن مسار البحث في المنطق سهلا ولا هينا لإحداث "قطيعة" مع المنطق الأرسطي الذي هيمن وساد قرونا على التفكير والنظر. لكن الإحساس ثم الاقتناع بأن هذا المنطق ينقصه "شيء ما" لمواجهة الظواهر المستحدثة كان وراء محاولات رمت تعديله وتحويره والإضافة إليه وإن لم تستطع هدم أسسه. وهي محاولات ساهم فيها عدة علماء مناطقة نذكر من بينهم، على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، بترركه، وديكارت، وبيكون، وغاليليو، وبيانو.. محاولات قصدت إرساء قواعد منطق مخالف للمنطق الأرسطي بما أن الفكر المجرد غير قادر على اكتشاف الحقائق، وأن الفكر القائم العيني يشيد على التجربة والاستقراء، وعلى العينات الرياضية والتصورات ذات الصلة بالعدد والمقدار أي ما يفضي بنا إلى تحصيل العلم وكشف الحقائق. وبناء منطق، مثلا هذا، لكي يصبح وجوبا يقتضي تغير الرؤية للعالم.( )
    والذي يهمنا من هذه المحاولات تلك التي سعت إلى تطبيق المنهج الرياضي على المنطق أو ما يوصف ب: ترييض المنطق، لاتصالها المباشر ببحثنا ولبعدها العلمي في تشييد دعائم منطق جديد سيسمى: المنطق الرياضي.( )

    1.2: الرياضيات والمنطق:
    كانت لمحاولة ليبنتز في تطبيق الرياضيات على المنطق أثرها البالغ في تمهيد الطريق لبداية حركة جدية مسعاها تبيين القصور الذي يعتري المنطق الأرسطي وتأكيد الحاجة إلى منطق جديد يحل مكانه. فقد اعتبرت البرهنة في الرياضيات وسيلة نموذجية الموصول إلى مبادئ عليا تقام عليها صحة الأحكام وسدادها. وما البرهان إلا تلك العملية التي يجريها الذهن للانتقال من أمور مسلم بصحتها إلى أمور أخرى مستنتجة منها ضرورة وهو ما يعادل مفهوم الاستدلال. ولهذه الغاية سيعوض الاستدلال في المنطق، بمعناه الرياضي، القياس بمعناه الأرسطي. لأن المنطق الصوري تقوم فيه الروابط بين التصورات على التضمن، ويقوم فيه الفكر على تداخل الأجناس والأنواع مما حدا به إلى أن يفسر الصلة بين الموضوع والمحمول على أنها صلة تضمنية فقط، عكس ما عليه الحال في التفكير الرياضي الذي سينظر إلى هذه الصلة بوصفها أشكالا أخرى من العلاقات (الإضافات)، استطاع بواسطتها بناء رؤية أخرى للتصور والقضية والاستدلال.( )
    وقد عيب على المنطق الأرسطي عدة عيوب نذكر منها:
    - انحصار الاستدلال المنطقي الأرسطي في نوع واحد هو القياس
    - عدم اهتمامه بعلاقات منطقية أخرى غير علاقة التضمن
    - إقامة رموز للمتغيرات وإهماله إقامة رموز للثوابت المنطقية.( )
    وجاء منشئو المنطق الرياضي فبحثوا في هذه العيوب وفي كيفية تجاوزها، ففحصوا العمليات الذهنية والعقلية والقوانين التي تتحكم فيها مستخدمين رموزا للدلالة على قضاياهم المبنية على خلفية نظرية الاستدلال.
    وهكذا لم يكد القرن التاسع عشر يصل إلى منتصفه حتى كانت نظرية المنطق الرياضي قد تأسست على يد ثلة من الرياضيين المناطقة نحتفظ منهم على وجه الخصوص بالأسماء التالية: جورج بول Georges Boole، وجون ستوارت ميل J. S. Mill، وأوغست دي موركان A.De Morgan، وش. س. بيرس C. S. Peirce. الذين بحثوا في هذا التشابه الحاصل بين الرياضة والمنطق من حيث التجريد والنسب بين الأشياء، ومن حيث الرمزية والصورية والآلية.( )

    2.2: جورج بول: الاستدلال وقوانين عمليات الذهن:
    1.2.2: تأسيس منهجية عامة للمنطق وللنظرية الرياضية للاحتمالات:
    يهدف جورج بول من وراء مبحثه في هذا المجال دراسة القوانين الأساسية لعمليات الذهن التي بموجبها يعمل الاستدلال، وذلك بالتعبير عنها بلغة حساب رمزية. وعلى هذا الأساس يشيد علم المنطق وتتكون منهجيته. وتتحول هذه المنهجية نفسها إلى منهجية عامة يمكن أن تطبق على النظرية الرياضية للاحتمالات.
    ومن هذه الزاوية سوف لا ينحصر موضوع المنطق في كونه يعلمنا كيف نجري استدلالات صحيحة وسليمة انطلاقا من مقدمات، كما أن نظرية الاحتمالات سوف لا يكون هدفها محددا فقط في تعليمنا إقامة مسائل التأمين على أسس صلبة، أو في استخراج ما هو جدير بالاعتبار في الملاحظات التي لا تحصى ولا تعد والمسجلة، مثلا، في الفيزياء الفلكية. ولكن هذين العلمين هما أكثر منفعة من كل هذا، إذ تظهر من ورائهما فائدة أخرى تتجلى في تسليط الضوء على ملكاتنا العقلية:
    1 – نتعلم منهما الطريقة التي يستخدم بها العدد واللغة بصوفهما أدوات لإجراء الاستدلال
    2 – يكشفان عن النسب الموجودة بين مختلف ملكاتنا الذهنية
    3 – يقدمان ما يكون المعايير الأساسية للحقيقة والسداد، في مجالات المعرفة الاستنباطية والمعرفة الاحتمالية على وجه الخصوص، على اعتبار أن هذه المعايير لا تكون في حكم الخارج بل تجد منشآها في عمق بنية الملكات البشرية.
    وبتعبير آخر، إن الكشف عن القوانين والعلاقات المستورة والخفية لهذه الملكات المهمة للفكر هو الذي يسمح لنا بالسير والوصول إلى المبتغى، وبمعرفة المجال الذي يتجاوز المعرفة الإدراكية المحضة التي نكونها عن العالم وعن أنفسنا.
    فإذن، دراسة القوانين الأساسية للعمليات العقلية التي يتم بوساطتها الاستدلال هو علم ممكن( ). وهي مسلمة ينبغي أن تكون لنا عن موضوعها معرفة.
    إذا تأملنا قوانين الطبيعة لا نجدها، في أغلب الأحيان، موضوعات مباشرة للإدراك: فهي إما نتائج حملت عليها مجموعة واسعة من الوقائع التي تعبر عن حقيقتها المشتركة؛ وإما فرضيات فيزيائية ذات طبيعة علية، على الأقل في أصلها، تفسر الظواهر بدقة ثابتة وتسمح لنا بالتنبؤ بتراكبات جديدة لهذه الظواهر. وهي بهذا المعنى نتائج احتمالية، تقترب دائما من اليقين في الإطار الذي تتلقى فيه امتياز إثبات التجربة وتأكيدها ولكنها لا تفقد أبدا طابع الاحتمالية. وبالمقابل، فإن معرفة قوانين الذهن ليست في حاجة لأن تشيد على مجموعة واسعة وكبيرة من الملاحظات؛ لأن الحقيقة العامة مدركة فيها في الشاهد (المثال) الخاص، وليس تكرير الأمثلة والشواهد هو الذي يؤكدها. فنحن، مثلا، يمكن أن نشك في الصيغة الخاصة للاستدلال المسماة: Dictum de Omni et Nullo (المقول على كل وعلى لا واحد)(*) لأرسطو بوصفها صيغة تعبر عن قانون أول للاستدلال البشري، ولكننا لا يمكن أن نطرح للمناقشة كونه يعبر عن حقيقة عامة للمنطق. والحال فإن هذه الحقيقة تتمظهر في كل عموميتها عندما نفكر في مثال واحد تنطبق عليه. والحجة في ذلك هي أن هذا المبدأ الخاص أو هذه الصيغة تقوم على قانون واحد أو عدة قوانين عامة للذهن، وتوضيح لأطروحة أن إدراك الحقائق العامة لا يشتق من استقراء انطلاقا من كثرة الحالات، ولكنه ينتج عن الفهم البين لمثال واحد.
    وهناك أمر آخر يرتبط بهذا ولا يخلو من أهمية وهو أن معرفتنا بالقوانين التي تؤسس علم الملكات العقلية ليست معرفة احتمالية. ذلك أننا لا نرى في المثال الخاص حقيقة عامة فحسب، بل نرى فيه أيضا حقيقة من طبيعة معينة لا يستمر معها اعتقادنا في إنمائها والزيادة فيها مع التجربة التي نقوم بها له في تحققاتها العملية.
    ولكن، إذا كانت الحقائق العامة للمنطق من طبيعة تتطلب معها الانتساب في اللحظة التي تعرض فيها للذهن، فمن أين تأتي صعوبة بناء علم المنطق ؟
    إن عملية البناء لا تكمن في صعوبة جمع مواد المعرفة، ولكن تكمن في تمييزها تبعا لطبيعتها وتحديد أمكنتها وعلاقاتها التعاضدية. فجميع العلوم مكونة من حقائق عامة ولكن من بينها علوم تعتبر وحدها أولية وأساسة، وأخرى تعتبر ثانوية ومشتقة(*). فقوانين الحركة الاهليلجية التي اكتشفها كيبلر Képler هي قـوانين عامة في الفلك لكنها ليست الحقائق الأساسة. والشيء نفسه يقال عن الرياضيات البحتة: فكثرة غير متناهية تقريبا من البرهنات المعلومة وإمكان لا نهائي لتحصيل أننا ما نزال لم نعرف عنها شيئا، هو أمر يتعلق بعدد صغير من البديهيات (أو الأكسيومات) البسيطة، ومع كل ذلك فجميعها حقائق عامة.
    وبناء على هذا التصور يقول المنطقي –الرياضي جورج بول:
    "سنحدد بوصفها أساسة هذه القوانين والمبادئ التي يمكن أن تستنبط منها جميع حقائق العلم العامة الأخرى".( )
    ثم يقترح، بعد ذلك، التعبير عن هذه القوانين الأساسة للاستدلال بلغة حساب رمزية.
    ويعتمد هذا المنطقي – الرياضي في عدم وجود مقايسة Analogie محددة بين عمليات الذهن في الاستدلال بصفة عامة، والعمليات التي تجري في الجبر؛ ولكن هناك تكافؤ صحيح في القوانين التي يخضع لها صنف العمليتين معا. واقتراض العد الوضعي (الترقيم) من علم العدد على فرض، عند تطبيقه الجديد، أن القوانين المتحكمة في استعماله ستظل غير متغيرة هو عبارة عن فرضية محضة. وفي الحقيقة، فإن بعض المبادئ العامة التي تجد أساسها في طبيعة اللغة ذاتها، والتي تحدد استعمال الرموز ما هي إلا عناصر لغة علمية، وإن كانت، إلى حد ما، اعتباطية. وتأويلها وتفسيرها هو ببساطة مسألة اعتقاد. ونحن نكون أحرارا باستخدامها بالمعنى الذي نريد. غير أن هذه الحرية مقيدة بشرطين لا ينفكان:
    يتعلق الشرط الأول بأننا لا نتخلى قط وفي الاستدلال نفسه عن المعنى المثبت الذي تواضعنا عليه.
    ويكمن الشرط الثاني في أن القوانين التي نجري بوساطتها الإجراء لا تؤسس إلا على معنى ودلالة (مثبتين مسبقا) الرموز المستخدمة.
    فإذا امتثلنا لهذين المبدأين، يؤكد جورج بول، فكل مقايسة يمكن أن تحدث بين قوانين الرموز المنطقية وقوانين الرموز الجبرية لا يمكن أن تنتج عنها إلا مقايسة في الإجراءات (العمليات). فمجالا التأويل والتفسير سيظلان منفصلين ومستقلين، بحكم أن كل واحد منهما يخضع لقوانينه وشروطه الخاصة. فيكون المنطق، في هذا المبحث، في مظهره العملي، نسقا من الإجراءات المنفذة بمساعدة رموز لها تأويل وتفسير محدد وخاضعة لقوانين لا تتأسس إلا على هذا التأويل وهذا التفسير؛ وأن هذه القوانين متطابقة ومتماهية صوريا مع قوانين الرموز العامة للجبر، مع الآخذ في الاعتبار أن الرموز المنطقية مسايرة لقانون خاص لا تسايره الرموز الكمية.

    2.2.2: افتحاص شروط قيام منهجية عامة في المنطق:
    من هذا المنظور، سيهتم المنطق، كما يفهمه جورج بول، بنمطين من العلاقات:
    - نمط العلاقات بين الأشياء
    - نمط العلاقات بين الوقائع.
    وبما أن الوقائع يعبر عنها في القضايا، فالنمط الثاني من العلاقات يمكن إرجاعه، على الأقل فيما يتعلق بأهداف المنطق، إلى علاقة بين قضايا. وعندئذ بدل القول إن المنطق يهتم بالعلاقات بين الأشياء والعلاقات بين الوقائع، يمكن القول إنه يهتم بالعلاقات بين الأشياء، والعلاقات بين القضايا. وكمثال عن النمط الأول من العلاقات القضية التي تقول: " كل إنسان فان "؛ وعن النمط الثاني القضية التي تقـرر: " إن عرفـت الشمس كسوفا كليا، فالكواكب ستكون مبصرة " . فالقضية الأولى تعبر عن علاقة بين " إنسان " و " فـان"؛ والقضية الثانية تعبر عن عـلاقة بين القضايا الأولية " تعرف الشمس كسوفا كليا " و" الكواكب ستكون مبصرة ".
    ويفترض جورج بول، من بين هذه العلاقات، العلاقات التي تتضمن إثبات أو نفي الوجود بالنسبة للأشياء؛ وإثبات أو نفي الحقائق بالنسبة للقضايا، ويسميها: عناصر القضايا المعبر عنها.( )
    وبهذا، فمقدمات برهان منطقي تكون معبرة عن العلاقات المعطاة بين بعض العناصر، والنتيجة تكون معبرة عن علاقة ضمنية بين كل أو جزء هذه العناصر؛ أي معبرة عن علاقة تظل محجوبة، ضمنيا، في المقدمات التي يمكن استنباطها منها.
    يسعفنا هذا الطرح في تحديد ظهور شروط منهجية عامة في المنطق، هذه بعض ملامحها:
    أولا: بما أن النتيجة ينبغي أن تعبر عن علاقة بين كل أو جزء العناصر المتضمنة في المقدمات، يتوجب أن تكون لدينا الوسائل لحذف العناصر التي لا نريد أن تظهر في النتيجة، وأن نحدد مجموع العلاقات التي تنطوي عليها المقدمات والموجودة بين العناصر التي نريد الاحتفاظ بها. والعناصر التي لا تظهر في النتيجة تسمى في لغة المنطق المألوف، الحدود الوسطى؛ ونمط الحذف الذي تقدم البحوث المنطقية عليه المثل هو الذي يكمن في استنباط قضية تربط علاقة بين حدين، من قضيتين مشتملتين على عنصر مشترك أو حد أوسط. ويوسع جورج بول من معنى الحذف، ويقترح ألا يقتصر على الحد الأوسط انطلاقا من قضيتين، ولكن أن يـشمل حذف الحدود الوسطى بدء من عدد القضايا دون ما اعتبار لعدد الحدود أو لعدد القضايا، ولا لطبيعة علاقاتها. وعلى هذا المستوى، يلحظ أن إجراءات المنطق وكذا إجراءات الجبر، في الوضع الحالي لهاتين المادتين، لا تقدم لنا معادلا دقيقا.( )
    ثانيا: إن منهجية عامة في المنطق ينبغي  أن يكون بمستطاعها التعبير عن العلاقة النهائية الموجودة بين عناصر النتيجة وأي نمط كان للقضية مقبول، أو داخل ترتيب للحدود مختار قبلا. والمقصود بأنماط القضايا المتنوعة ما يسميه المناطقة: الحملية، والشرطية، والمنفصلة الخ. والمقصود بالاختيار أو الإحالة في ترتيب الحدود هو أننا نستطيع أن نحيل إلى كل ما يتعلق بظهور عناصر جزئية في الموضوع أو المحمول، في المقدم أو التالي لهذه القضية التي تؤلف " النتيجة ".
    فمن أين، إذن، يأتي كون القوانين النهائية للمنطق حسابية في صورتها ؟
    ولماذا تكون مطابقة ومتماهية مع القوانين العامة للعدد، إلا فيما يخص نقطة واحدة ؟
    هذا النوع من الأسئلة هو الذي يحاول جورج بول الإجابة عنه قصد تأسيس نظريته في جبر المنطق أو في المنطق الجبري. أما تلك النقطة " اليتيمة " التي أشار إليها فسيحددها لاحقا.
    ويضيف جورج بول، قائلا، إنه لم يكن في نيته ولا في وسعه اختيار تقديم المنطق تحت شكل حساب، ولكن القوانين النهائية للفكر هي التي تجعل اختيار هذا الشكل ممكنا، لأن مهمة العلم ليست محصورة في خلق  القوانين بل في اكتشافها. وبما أن قوانين الفكر البشري لا تتعلق بإرادتنا، فكذلك فإن صور العلم التي تكون أساسها لا تتعلق، فيما هو جوهري، بالاختيار الفردي.
    وعلاوة على تقديم جورج بول لصياغة مبادئ منهجية عامة، فإنه يعرض في مبحثه تطبيقات تخص تحليل أنماط القضايا المختلفة أو مجموعات القضايا المؤلفة لمقدمات الحجج البرهانية. والقصد من كل هذا العمل هو جعل المنطق علما قابلا لتطبيقات متنوعة، واعتبار صوره وإجراءاته حسابية.

    3.2.2: قوانين الدلائل:
    يعتقد جورج بول في أن هناك حقيقة مقبولة عموما وهي أن اللغة وسيلة للعقل البشري وليست أداة للتعبير فقط.
    وبموجب هذه الحقيقة يقترح دراسة ما يجعل من اللغة طيعة لأهم ملكاتنا العقلية. وسيبعد جورج بول من حقل هذه الدراسة كل النقاشات المدرسية كالتساؤل عما، إذا كان من الواجب اعتبار اللغة وسيلة جوهرية للاستدلال، أو أنه من الممكن، وبالمقابل، أن نستدل بدونها. فحين ندرس قوانين الدلائل، فإن دور العلم يتحدد في استخراج القوانين، ويتم اعتبار الدلائل ممثلة للأشياء وعلاقاتها أو ممثلة للتصورات وعمليات العقل البشري. فالتعبير العلمي للقوانين الصورية ومباشرة الإجراءات الداخلية للفكر هو الذي سيشكل مادة هذه الدراسة عند جورج بول.
    تتألف اللغة من الدلائل، أو الرموز. ويقال أحيانا إنها تمثل الأشياء؛ وأحيانا أخرى تشير إلى العمليات التي يراكب بها الذهن المفاهيم البسيطة للأشياء في شكل تصورات مركبة؛ وأحيانا تعبر عن علاقات العمل، والانفعال أو الكيفية البسيطة التي ندرك بها الوجود في موضوعات تجربتنا؛ وتعبر، أحيانا، عن انفعالاتنا لما نكون في حالة إدراك.
    وعلى الرغم من هذه الطرائق والأدوار، فإن الدلائل أو الرموز التمثيلية أي الكلمات ليست الدلائل الوحيدة التي نستخدمها. فهناك، مثلا، السمات الاعتباطية التي لا تتحدث إلا للعين؛ والأصوات والحركات الاعتباطية التي تتوجه إلى حواس أخرى وتكتسب طبيعة الدلائل بمجرد ما يصبح دورها التمثيلي محددا ومفهوما. كما نستخدم في الرياضيات الحروف بوصفها دلائل وأيضا الرموز +، -، = إلخ. وإن كان حد " دليل " ينطبق على الرموز التي تمثل عمليات أو علاقات، أكثر مما ينطبق على الرموز التي تمثل العناصر العددية والكمية. ولهذا سيهتم جورج بول بالدلائل المكتوبة فقط معرفا الدليل على هذا النحو:
    "دليل هو سمة اعتباطية يكون تأويله مثبتا وقابلا لأن يتراكب مع دلائل أخرى طبقا لقوانين محددة متعلقة بتأويلاتها المتبادلة".( )
    فالقوانين، مثلا، التي تتحكم في استعمال لفظ "Civitas" عند الرومان هي نفسها القوانين التي تتحكم في استعمال لفظ " حالة " عند الفرنسيين للدلالة على نفس المعنى؛ كما أن كل دليل يمتلك في حدود نفس الخطاب أو نفس الاستدلال تأويلا ثابتا. والتساؤل عما إذا كانت الدلائل تمثل التصورات الذهنية أو أنها تمثل الأشياء (انظر الفصل السابق في النظرية الصناعية للعلم)، هو سؤال يعتقد جورج بول أنه لا يجدي نفعا بما أنه لا يستطيع تغيير القوانين التي تتحكم في استعمال الدلائل. ومع ذلك يعمل بول على تقديم جواب عام عن مثل هذا النوع من الأسئلة وما شابهها بقوله: تحتل الدلائل، في إجراءات الاستدلال، مكان ووظيفة التصورات والعمليات العقلية؛ وبما أن هذه التصورات وهذه العمليات تمثل الأشياء، كما تمثل ترابطات وعلاقات بين الأشياء، فإن الدلائل تمثل الأشياء وترابطاتها وعلاقاتها؛ كما أنه إذا كانت الدلائل تمثل التصورات والعمليات الذهنية، فإنها تكون خاضعة لقوانين هذه التصورات وهذه العمليات. بمعنى خاضعة لقوانين تراكب محددة تتعلق بطبيعة تأويلها.
    وفي نظر جورج بول، كل عمليات اللغة منظورا إليها بوصفها وسيلة للاستدلال يمكن أن تجري في نسق من الدلائل مؤلف من العناصر التالية:
    1 - رموز حرفية مثل س، ص إلخ. تمثل الأشياء باعتبارها موضوعات لتصوراتنا.
    2 - دلائل عملية مثل +، -،   x، تترجم عمليات الذهن، وتصبح بوساطتها تصورات الأشياء متراكبة أو منفصلة بطريقة تشكل معها تصورات جديدة تشتمل على العناصر نفسها.
    3 - دليل  الهوية  =
    ويخضع استعمال هذه الرموز المنطقية لقوانين محددة، وهي تجاري جزئيا أولا تجاري قوانين الرموز المطابقة لعلم الجبر.

     

    فهرس الرحلة

    المحتويات

     

     

    استهلال

    9

    مدخل

    13

    تصنيف العلوم ونظام تجريد الموضوعات 33

    1: القصد من تصنيف العلوم

    35

    2: بعض تصنيفات العلوم

    36

    1.2: أرسطو طاليس وتصنيف العلوم

    37

    2.2: أبو نصر الفارابي و"إحصاء العلوم"

    39

    1.2.2: مقاصد الفارابي

    41

    3.2: معايير ابن سينا في التصنيف

    48

    4.2: أوغست كنت: الخلفية الوضعية في التصنيف

    55

    1.4.2: حاشية على تصنيف كنت

    60

    5.2: ش. س. بيرس ونظام تجريد موضوعات العلم

    62

    1.5.2: "منطق" التصنيف

    67

    2.5.2: حاشية بيرس على أرسطو

    70

    3: النسق وتصنيف العلوم

    71

    في النظرية الصناعية للعلم 77

    1: أرسطو: اللغة دليل

    79

    2: طبيعة الفكر

    81

    3: التصور والتصديق وحصول العلم

    88

    1.3: قطب الدين الرازي وطرحه للمسألة

    89

    2.3: "الشمسية في القواعد المنطقية"

    92

    3.3: الصدر الشيرازي وإشكال الحكم

    93

    4.3: تباين في تأويل كلام ابن سينا

    96

    5.3: ابن سينا وصاحب التعليقة

    97

    4: ش. س. بيرس: تحليل منطقي لمنتوجات الفكر

    101

    1.4: التصورات ووحدة الانطباعات

    102

    1.1.4: وحدة الانطباعات ووحدة القضية

    105

    2.1.4: إواليات التجريد

    106

    5: الإحساس، والعادة، والاعتقاد، والحدس، والاستنباط والدليل – الفكر

    109

    1.5: الإحساس

    109

    1.1.5: وهم الصورة وواقع الأيقونة

    111

    2.5: العادة والترابط

    114

    3.5: ترسيخ الاعتقاد

    120

    4.5: الحدس

    124

    5.5: الاستبطان

    130

    1.5.5: ش. س. بيرس وروني ديكارت

    132

    6.5: التفكير بالدلائل

    136

    7.5: الذريعانية: الوضوح والأباغوجي

    139

    1.7.5: الذريعانية وإشكال الوضوح

    139

    2.7.5: الذريعانية والأباغوجي

    144

    1.2.7.5: الكلية واللامحصور

    144

    2.2.7.5: الحد والتعريف

    146

    الاستدلال ومنطق الأشياء 153

    1: المنطق: تحديدات أرسطية

    157

    2: تحديدات ما بعد أرسطية: بداية تشكل المنطق الجديد

    163

    1.2: الرياضيات والمنطق

    163

    2.2: جورج بول: الاستدلال وقوانين عمليات الذهن

    165

    1.2.2: تأسيس منهجية عامة للمنطق وللنظرية الرياضية للاحتمالات

    165

    2.2.2: افتحاص شروط هذه المنهجية

    168

    3.2.2: قوانين الدلائل

    170

    1.3.2.2: أصناف الدلائل الثلاثة وقوانينها الثمانية

    172

    4.2.2: اشتقاق قوانين الرموز المنطقية من قوانين عمليات الذهن البشري

    182

    1.4.2.2: القضايا الأربع

    184

    2.4.2.2: خضوع المنطق لقانون س2 = س

    186

    3.2: جون ستوارت ميل ونظرية البرهان

    191

    1.3.2: المنطق ومجاله

    191

    2.3.2: عن الاستدلال

    200

    3.3.2: القضايا الشرعية

    202

    1.3.3.2: القضايا التي ظاهرها استدلال

    202

    2.3.3.2: الاستدلال الحقيقي للقضايا

    206

    1.2.3.3.2: عن القياس والاستقراء

    206

    2.2.3.3.2: القياس

    207

    3.2.3.3.2: نقد المقول على كل وعلى لا واحد

    213

    4.2.3.3.2: الاستقراء

    218

    5.2.3.3.2: كيبلر الملاح

    219

    4.2: تشالز سندرس بيرس: الاستدلال ومنطق الأشياء

    223

    1.4.2: ش. س. بيرس وجورج بول

    223

    2.4.2: المقاربة القياسية

    226

    1.2.4.2: منطق التصورات

    226

    2.2.4.2: دفاعا عن القياس

    231

    3.4.2: منطق العلاقات

    245

    1.3.4.2: المقولات الثلاث

    245

    2.3.4.2: منطق العلاقات

    248

    1.2.3.4.2: الصور الرياضية للاستدلال

    252

    2.2.3.4.2: المتصل والمتقطع والكثرة

    256

    3.2.3.4.2: ابن سينا وبيرس

    261

    4.4.2: حاشية بيرس على دي مركان

    264

    5.4.2: الملاحظة، والتجريب والتعود

    269

    1.5.4.2: الملاحظة

    271

    2.5.4.2: التجريب

    272

    3.5.4.2: التعود

    273

    3: أرسطو، كانط وبيرس: بنية المقولات

    275

    1.3: المقولات الأرسطية

    275

    2.3: كانط: المنطق والتصورات

    278

    1.2.3: لوحة الأحكام

    284

    2.2.3: لوحة المقولات

    290

    3.3: حاشية بيرس على كانط: المقولات الثلاث

    294

    1.3.3: الحاشية الأولى

    294

    2.3.3: الحاشية الثانية

    298

    المقولات الفانروسكوبية والإنتاج الدليلي

    305

    1: المقولات الفانروسكوبية

    307

    1.1: الأولانية

    312

    2.1: الثانيانية

    314

    3.1: الثالثانية

    317

    4.1: الحالات الأصيلة والمنحلة

    322

    5.1: حاشية بيرس على هيغل

    327

    2: الإنتاج الدليلي

    331

    1.2: الدليل والتقسيم الثلاثي

    331

    2.2: أصناف الدلائل

    336

    3.2: الدليل: الأشكال التعريفية ومنطق التواصل الدلالي

    345

    1.3.2: الأصناف التعريفية للدليل

    347

    2.3.2: الدليل والممثل والتمثيل

    348

    3.3.2: الدليل بوجه عام ومقوماته

    354

    4.3.2: الدليل والمقولات

    360

    5.3.2: الدليل بوصفه صورة للتواصل والدلالة

    361

    3: الموضوعات والمؤولات والسيرورة التدلالية

    365

    1.3: الموضوعات المباشرة والموضوعات الدينامية

    365

    2.3: الأيقونة، والمؤشر والرمز

    371

    1.2.3: الأيقونة

    372

    2.2.3: المؤشر

    382

    3.2.3: الرمز

    388

    4.2.3: وضع هذه الثلاثية للدليل في أبحاث معاصرة

    394

    4: المؤولات والسيروة التدلالية

    407

    1.4: مفهوم الدليل عند أرسطو والرواقيين

    407

    2.4: المؤول وخصائصه

    410

    1.2.4: تصنيفات المؤول

    418

    1.1.2.4: المؤول المباشر

    419

    2.1.2.4: المؤول الدينامي

    421

    3.1.2.4: المؤول النهائي

    424

    1.3.1.2.4: المؤول المنطقي النهائي والإحالة

    431

    2.2.4: إيكو والمؤولية

    438

    5: إيكو ونظرية الإنتاج الدليلي

    443

    التأويل وتمثيل الأشياء 461

    1: تأويلات متداخلة

    463

    2: النسق العلائقي

    465

    1.2: العنوان بوصفه مؤشرا

    465

    2.2: التفردن المؤشري: المهمة الدبلوماسية

    466

    3.2: الأسر بوصفه كيفية

    471

    4.2: الشك والاعتقاد

    472

    5.2: العقد: منظومة دلالية

    475

    1.5.2: تجديد عقد الصلح والمهادنة: المعنى والمدلول

    499

    2.5.2: أصول التعاقد: البنية المعرفية للتفاوض

    505

    3: بروتوكول الاستقبال: النمط والنسخة

    511

    4: الإدراك الأيقوني

    518

    1.4: الصورة الشخصية

    518

    2.4: الدليل المسرحي

    534

    3.4: الأيقونة والاستعارة

    545

    4.4: تمثيل أثر الجسد

    563

    5: كون الخطاب: الموضوعات والأشياء

    568

    1.5: النموذج الإدراكي والمؤولات

    568

    2.5: التمثيل الأيقوني المشاع

    575

    3.5: البنية التبادلية

    578

    4.5: الكثرات والأشياء

    579

    6: محاورة في شبه مناظرة: الحجاج وعالم الحق

    583

    1.6: من المحاورة إلى المناظرة

    590

    7: استكمال تأويل شجرة الأنساب

    606

    8: الصيغ الخطابية والإخبارية

    614

    المشاع والمباينة والإحالة

    623

    1: افتراض التأويل في الكتابة

    625

    2: في صناعة العلم

    631

    1.2: من العرض إلى الخاصة

    650

    3: المشاع والمباينة

    654

    4: إشكال استيعاب التمثيل

    667

    5: الإحالة المتبادلة وخزانة المعرفة

    684

    1.5: الإحالة المتبادلة

    684

    2.5: خزانة المعرفة

    703

    6: المتوالية القضوية للسرد

    711

    7: الإدراك المرآوي والتماثل الأيقوني

    718

    8: ترجمانة الطبائع

    727

    1.8: ترجمانة طبائع غيرية

    736

    1.1.8: أشكال من الصور البصرية

    752

    على سبيل التحصيل الشرطي

    773

    قائمة بأسماء المصادر والمراجع بالعربية ولغات أخرى

    785