إرتياد الآفاق | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    المؤلف سعد القرش

    ديباجة المؤلف

    مقدمة
       
       
       هذه فصول كتبت عقب الأسفار، عنوانها التلقائية. لو كنت أعي أنها ستجد طريقها لتستقر فصولا في هذا الكتاب لأعطيتها اهتماما لائقا يتجاوز كثيرا فكرة رد جميل.. إلى مكان أو بشر شاءت المصادفة أن يكونوا رفاقا أو أصدقاء دائمين.
    فهل أقول إن المصادفات وحدها هي التي صنعت هذا الكتاب؟
        لست مولعا بالسفر، ليس خوفا من خطر الموت المرتبط بالحوادث؛ ففي مصر أصبحت النجاة من موت متربص بمواطنين زائدين على حاجة النظام الحاكم أعجوبة نفوز بها كل مساء، حين نعود إلى بيوتنا سالمين. الطرق في مصر شباك لاصطياد الأرواح بيد ملاك الموت. وقد عودت نفسي كل يوم على توقع الموت.. قبل النوم، قبل الذهاب إلى العمل، قبل الانتقال من القاهرة إلى أي مدينة أخرى، قبل السفر إلى الخارج. أستعد للموت وأنا في سلام مع النفس، ومع الآخرين حتى الأعداء أو الذين يتصورون أنهم كذلك؛ فلا تخلو حياة إنسان من عداوات، لكنني لا أكره أعدائي، وإنما أستبعدهم من مجال الرؤية، كأنهم غير موجودين، فلا محبة ولا كراهية.
        لكنني قبيل كل سفر أتمنى إلغاءه. أشعر بالانقباض. حدث مرتين أن عدت من المطار وأنا في طريقي إلى بلد خليجي، وكنت سعيدا، لم يكن مصدر السعادة فوزا بحياة أو استبقاء لبعضها أو رهبة من الموت، لكنه إحساس غامض لا أعرف له تفسيرا. لا أدري هل يمثل جواز السفر وثيقة انتقال إلى دولة أخرى، أم استقبال موت ينتظر خلف الحدود. الموت نفسه لا يعرف حدودا سياسية، وهو أكثر جرأة، فلماذا لا نواجهه ونكون أكثر شجاعة لكي يرتدع ويتأخر قليلا.
        أول جواز سفر انتهت مدته (سبع سنوات) بدون أن أستخدمه. وقد مزقته عام 2000 حين استخرجت جواز سفر جديدا.
        في عهد الجواز الأول دعيت عام 1995 لحضور مهرجان المربد في بغداد، ورفض رئيس التحرير. ومن المفارقات أن أستخرج جواز السفر الجديد تحت إلحاح دعوة ثانية إلى العراق عام 2000، ولمهرجان المربد الشعري السادس عشر (15-21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000). تضمن خطاب الدعوة أن إدارة المهرجان تذكر بأنه «بسبب الحصار الظالم المفروض على العراق تتحمل نفقات النقل من عمان إلى بغداد وبالعكس»، على أن يتحمل الضيف نفقات السفر إلى عمان. كانت حماستي كبيرة، ولا أزال أحتفظ بإيصال بثمن تذكرة الطائرة إلى الأردن (712.5 جنيه مصري/ يوم 14 /11 / 2000). في حين سبقني الأصدقاء المصريون بالطريق البري.
        في بغداد التقطنا شاعر من جيلنا، نحيل بلا ظل، أجهد نفسه كثيرا في تذكر نكات مصرية ليضحكنا بها، ولازمنا في جولات اقترح أن نقوم بها، إلى معالم ومطاعم وملاجئ. لم يكن يفارقنا إلا آخر الليل، وأحيانا يبيت في غرفة أحدنا بالفندق. حدثنا عن تعرضه للسجن وشقائه وقلة حيلته وهوانه على الناس، واضطراره لبيع أثاث بيته، وأنه لا يجد حتى ثمن السيجارة. كان يقترض السجائر إلى جانب دعواتنا له إلى الطعام والشراب في أي مكان، فالغريب يملك الكثير في بلد مثل العراق في نهاية عهد صدام حسين.
        ذات ليلة ونحن نشرب في غرفة أحدنا بالفندق، بدا الشاعر عدميا غير مبال، وظننته حر الخيال، في حياته كما في القصيدة، وتطرقت في الكلام إلى غزو الكويت، فنهاني عن الخوض في هذا الأمر:
        ـ لا تقل: الغزو. قل: الاستعادة.
        وتساءلت ببراءة، وأنا أنحي بعض الصحف الحافلة بصور صدام:
        ـ أمركم عجيب يا أخي؟ كيف تحتملون مثل هذا الرجل؟
        فانتفض من ظننته غائبا عنا، منتشيا بشراب مجاني، قائلا بصيغة حاسمية وبعربية فصحى:
        ـ أرجوك، لا تقل: هذا الرجل. قل: السيد الرئيس.
        فتدخل الأصدقاء المصريون مقترحين أن نتجنب الكلام عن «الزعيم المفدى»، لكن الموقف كان فاصلا بين التلقائية والرعب.
        فيما بعد، وحين اختلطت المفاهيم، وحمل أحد أحياء بغداد اسم «9 نيسان» (تاريخ الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003)، عنوانا للاحتلال تحت راية التحرير الوهمي، سمعت أن هذا الشاعر ودع مرحلة بأكملها، وانضم إلى صف المنددين بدكتاتورية صدام، وازداد امتلاء، في زمن صار فيه امتلاك سيارة ضرورة شخصية وواجبا مرحليا.
        أيامي في العراق كانت كابوسا. كانت صور صدام في شبابه، بنظرته الواثقة المتحدية، تطارد الناس، مواطنين وزائرين، يضطرون لإثقال قلوبهم بصوره التي تحملها عملات ورقية توزن بالكيلوجرام. صورة الرئيس في عشرينيات عمره. ليت أحدا نصحه بأن صوره الغزيرة في تلك السن نذير شؤم، إذ تحوله إلى شخص تأكد لأهله أنه أصبح في حكم الميت أو الغائب، فأرادوا أن يحنطوا تلك اللحظة الغاربة من حياته.
        في السفر أبحث عن مصر التي أحلم بها. من حق أي إنسان أن يرى بلده الأجمل. ولست مبالغا إذا قلت إن مصر هي الأبهى. دائما أقول لأصدقائي من غير المصريين إن القاهرة، بصرف النظر عن أي اسم تحمله عبر العصور، خلقها الله على مهل، في هذا المكان، ثم خلق مصر بحدودها التي لم تتغير منذ عام 3100 قبل الميلاد، ثم خلق الدنيا. أقسو على مصر لأنني أغار عليها، وقسوة المحب واجبة دائما. أكاد أتشاجر مع عبد الرحمن الكواكبي (1854-1902)، وأصرخ فيه: نحن شعب طيب وراق، فمن أين يأتي الجهلاء المستبدون إلى سدة الحكم؟، أستحلفك بكل غال عشت وقتلت من أجله أن تراجع بعض أفكارك، خاصة ما ذكرته في كتابك (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) إذ تقول: «وإذا سأل سائل، لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين؟ فأبلغ جواب مسكت هو: إن الله عادل مطلق لا يظلم أحدا، فلا يولي المستبد إلا على المستبدين. ولو نظر السائل نظرة الحكيم المدقق لوجد كل فرد من أسراء المستبدين مستبدا في نفسه، ولو قدر لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كلهم، حتى ربه الذي خلقه تابعين لرأيه. فالمستبدون يتولاهم مستبد، والأحرار يتولاهم الأحرار، وهذا صريح معنى: كما تكونون يولى عليكم».
        لا أشغل نفسي كثيرا بتأمل غرائب الأماكن، ولا تبهرني البنايات الفخمة، إلا بقدر ما تحمل من الملامح النفسية للذين شيدوها، كأنني أراقبهم، أردد غناءهم، وأحنو عليهم فأحتمل بعض شقائهم، وأمسح عرقا يتصبب منهم، ويتشكل حجارة لها رائحة البشر. يروي محمد البخاري أنه دعا الشاعر التركي ناظم حكمت، حين زار مصر عام 1962، إلى دخول مسجد السلطان قلاوون بالقاهرة، لكنه «أمسك بيدي ليخرجني متعجلا، وهو يقول لي: معذرة يا أخي إن تركيا مليئة بمئات من هذه المساجد، والأبنية هي الأبنية في كل العالم، إن ما أريده هو أن أستمع إلى نبضات الناس، إلى كلماتهم، أن أتبين وميض بسماتهم، وهنا لمح طفلين يتهامسان إلى جنب زوجته الشقراء الروسية، فتورد وجهه وانحنى يحدثهما متوسلا أن أترجم له كل ما يقولان». (ناظم حكمت: أغنيات المنفى. ترجمة وتقديم محمد البخاري. ط2 القاهرة 2002).
        أكرر ما بدأت به هذه المقدمة: كتبت هذه الفصول بتلقائية عقب كل رحلة، وفكرت في إعادة كتابتها تمهيدا للنشر في هذا الكتاب، ثم تراجعت؛ ففي إعادة النظر في الكتابة الطازجة لا تكون الرحلة هي الرحلة، ولا أنا أنا، بل شخصا آخر يكتب عن رحلة الرحلة والذات بعقل منهجي بارد، وبطبعي لا أحب البرود، في البشر أو الكتابة التي أحبها متوهجة نابضة بالدماء. لن أعيد كتابة الفصول، حتى لا أحذف الكثير منها، أو أنسف فكرة الكتاب أصلا، وحسبي ما ذكره العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده لو غُير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جُملة البشر».
    سعد القرش

    قطوف

    دلهي.. الثرى والثريا
        يفوتك كثير من المعرفة بدلهي إلى أن تزور المدينة القديمة. هناك تكتمل اللوحة.. بشرا، وشوارع، وبنايات، ووسائل انتقال. تضم المدينة 14 مليون نسمة، يتفاوتون غنى وفقرا، حتى الأغنياء يستغنون عن التهافت «الجنوبي» على اقتناء السيارات الفارهة: الألمانية والفرنسية والأمريكية التي يضخ الآلاف من أنواعها المختلفة، والمعدلة سنويا، في شوارع القاهرة، من باب ادعاء الثراء الكاذب. في الهند كل شيء هندي تقريبا، من الأفلام إلى الدراجات. معظم السيارات صناعة محلية، حتى السيارات الكورية أو اليابانية تصنع محليا. يبدو الشعب متسقا مع ذاته، يحاول الانتصار على الفقر بالعمل، يصحو مبكرا، حتى انتقلت إلي عدوى النشاط. كنت أنام على توقيت مصر، وأصحو على توقيت الهند، فأختصر ساعتين ونصف الساعة من حصة النوم، بلا شعور بالصداع. يخيل إلي أن الساعات الفاصلة بين فجر الهند وصباح أمريكا، تكفي لأن تجعل الهند تنتصر في المستقبل، فنسبة البطالة مثلا، تقلصت إلى نحو ثمانية في المئة، في شعب يبلغ 1.1 مليار نسمة، يستقبلون النهار بالعمل، في حين يواصل الآخرون تثاؤبهم.
        أكثر من مليار تضرب جذورهم في فجر التاريخ، والأساطير، والأديان، والمستقبل، والفنون. تتجه قباب دور عباداتهم المختلفة إلى سماء واحدة، ولا يشغلهم أن يكون رئيس الجمهورية مسلما ينتمي إلى أقلية تضم 13.5 في المئة، وأن يكون رئيس الوزراء من السيخ الذين يمثلون 2 في المئة فقط. لا خوف على الوطن من التفاعل بين الأديان. قاعدة وطنية بسيطة ومركبة معا: اعبد ما شئت، على أن تنتمي إلى وطن حبه هو الإيمان بما تدين به، أو بمن تدين له. بالاتفاق على هذه القاعدة، لا خوف على نسيج الوطن والمواطنة من 67 لغة مستخدمة في التعليم المدرسي، أو 18 لغة رسمية،  من بين مئتي لغة مكتوبة. إذا لم يكن هذا هو الثراء، فماذا يكون؟!
        تتشابه في نيودلهي الميادين، لا ظلال في الشوارع إلا للأشجار، وتستريح العين كثيرا لتراجع مقدمات البيوت عن حدود الشوارع، فلا تعرف أين ينتهي الشارع، وأين يبدأ جدار البيت. قلما ترى برجا متعدد الطوابق، حتى الفنادق تتسق مع جغرافيا المدينة، كأنها جزء من حديقة كبرى اسمها دلهي.

    ................

     

    في وادي الملوك
        في خريف عام 2004، كنا في حضرة وادي الملوك ومعابد الأقصر، حيث عقد المؤتمر التاسع عشر لأدباء مصر. بدا كثيرون غير واعين، ولا عارفين بالتاريخ المصري. وتطوع أحد الأثريين الصغار للشرح، في معبدي الأقصر والكرنك، وفرح الشاب، ودفعته شبهة التباهي، وهو لا يصدق نفسه في وجود عدد كبير من الأدباء والنقاد من أجيال مختلفة، إلى شيء من الاستعراض أغراه بتجاوز ذكر «حقائق تاريخية» إلى الشرح وتقديم تأويلات، وكاد يقسم أن رمسيس الثاني هو فرعون الخروج، وتحامل على الملك بما لا يليق به ولا بالكتاب الأحفاد الصامتين.
        من غيظي طالبته بالصمت، فهو في حضرة الملوك، وفي صحبة كتاب كبار، ليس من وظيفته أن يعلمهم، ويمكن أن يكتفي بتقديم «معلومات» عن الفترة الزمنية التي عاش فيها هذا الملك أو ذاك، والحروب التي خاضوها، والمعاهدات التي وقعوها كما تسجلها النقوش على الجدران أو البرديات. قلت له: لو كان رمسيس الثاني فرعون الخروج لأراحنا الله وحدد اسمه، أو زمن وجوده، حين «قص» حكايته في القرآن الذي نص على أنه يقص على الناس «أحسن القصص» بهدف العبرة لا التحقيق التاريخي.
        كتبت هذا الكلام آنذاك، أبث شكواي إلى القراء، وأحث زاهي حواس «الأمين» العام للمجلس الأعلى للآثار على أن يحسن اختيار «المرشدين»، حتى لا يزايدوا على ما يقوله الصهاينة حين وقع اختيارهم على رمسيس كأبرز وجه مصري، واعتمدوا ترشيحه فرعونا للخروج، وأنزلوا عليه اللعنات. ولم يرد «الأمين».
        لسنوات طوال أصبح رمسيس الثاني «ملطشة». أحرص حين أزور المتحف مع ابنتي على زيارة موميائه، وتقديمه إليهما. أكاد أشي له بجهل أحفاده، يستوي في هذا دارس الآثار وهاوي ترديد الإشاعات.