إرتياد الآفاق | إرتياد الآفاق 

أنت هنا

    تاريخ النشر2007

    مقدمة المحقق

    بنو منقذ، من كنانة، ينتهون بنسبهم، على ما ذكر مؤرخهم، إلى يعرب بن قحطان. أسرةٌ كبيرة( ) من الأسر الحاكمة في تاريخ العرب والإسلام. كانت لها أملاك في حماة وحلب، قبل أن يُقطعها صالح بن مِرادس (415هـ)، الذي مَلَكَ الأمر في حلب، من بعد الحمدانيين، إقطاعاً في جوار قلعة شَيْزَر( ) الأثرية، شمالي حماة، على ضفة العاصي الغربية، في موقع حصين يحكم وادي العاصي.
    وليس غريباً، أن يكون لهذه القلعة تاريخٌ مُوغِلٌ في القِدم، منذ ما قبل الألف الثانية ق.م وبعدها، لخطر موقعها وحصانتها وقُربِها من حماة وأفامية( ) وإشرافها على سهل الغاب، عند قلعة المضيق( ) التي بُنِيَت قريباً منها أيضاً. ولبروز هذه القلعة وارتفاعها سمّى العرب الهضبة التي تقوم عليها: عُرف الديك. وزاد من مَنَعتها أنَّ العاصي يُحيط بها من أكثر جهاتها. ثم إنهم حفروا خندقاً في الصخر يقطعها عن البرّ، وأقاموا فوقه جسراً يصلها به ويقطعها عنه، حين يريدون.
    كان فتْح العرب المسلمين لشيزر في فتوح الشام، بعد أن دخلوا حمص وحماة (سنة 17هـ= 638م) بقيادة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. وكانوا يعرفونها، فإن امرأ القيس ذكرها لهم في شعره، وهو في طريق رحيله إلى ديار الروم، على ما يقول الرواة( ). ثمَّ دارَت من حولها، بعد ذلك، معارك كثيرة بينهم وبين البيزنطيين، حين أخذَ الضعف يغلب على الدولة الإسلامية في عهد الحمدانيين، قبل مجيء الإفرنج (سنة 490هـ): يستخلصها البيزنطيون لأنفسهم أحياناً، ويستردّها المسلمون أحياناً. ثم وقعت في أيدي البيزنطيين زمناً طويلاً، أواخر عهد الحمدانيين (سنة 388هـ)، هجرها فيه أهلها، فأقام البيزنطيون فيها أسقفية، إلى أن استردَّها بعدها (سنة 474هـ) عزّ الدولة سديد الملك، أبو الحسن علي، جَدّ أسامة، بمالٍ دفعه إلى ديمتري الأسقفّ الذي كان فيها، بعد أن أُقطع بنو منقذ الإقطاع الذي ذكرناه، في جوارها، وضمّها إليه.
    وكان بعض الأمراء من بني منقذ تمكَّنَ من الاستيلاء على بعض الحواضر القريبة (مثل كفَر طاب)( )، قبل سديد الملك، وضمّها إلى الإقطاع أيضاً. وبنى قريباً من الجسر الذي أقاموه فوق العاصي، عند حدود (المدينة) التي أُقيمَت بالقرب من القلعة، حِصناً يُنسب إليهم، سمّوه: حصن الجسر، ليحرسه ويَحصِن به القلعة نفسها، ويمدّ حدود سلطته إلى العاصي. فلمّا استردَّ سديد الملك القلعة و(البلدة)( ) التي تضمّها، قاربَ ملك الأسرة أن يتحول إلى إمارة صغيرة (انبسطت سلطتها أحياناً فشملت أفامية وكفَر طاب واللاذقية) كُتِبَ لها أن تلعب دوراً مذكوراً في حروب الإفرنج( ) الصليبيين، من بعد.
    جاءَ بعد سديد الملك (ت479هـ) ابنه عز الدولة أبو المرهف نصر (ت491هـ)، فأخو نصر مجد الدين مرشد (ت531هـ)، والد أسامة. وكان ورِعاً زاهداً في السُّلطة، فتنازل عنها لأخيه الأصغر( ) عزّ الدين أبي العساكر سلطان، عمّ أسامة، (سنة 504هـ)، وكان عمر أسامة يومها ستة عشر عاماً، وقد مضى على مجيء الإفرنج أربعة عشر عاماً. وفي ولاية سلطان هذا وولده محمد بعده، وقعَت الأحداث التي قُدِّرَ لأُسامة أن يكون مِن شهود أكثر فصولها إثارة، في الثلث الأول من حياته الطويلة، ويَصِفَها في كتاب "الاعتبار"، إلى جانب الأحداث والوقائع الكثيرة التي شهدها في الموصل ودمشق ومواطن أخرى، مع الزنكيين، وفي مصر، في السنوات الأخيرة من حكم الفاطميين، وفي حصن كَيْفا( ) أيام الأُرْتُقيين، قبل استقراره الأخير في دمشق إلى جانب الناصر صلاح الدين الأيوبي.
    كانت شيزر آنذاك عُرضةً لغزوات الأعراب من بني كلاب المقيمين في أطراف حلب، والإسماعيلية (ويسميهم في الكتاب: الباطنية) الذين كانوا قريبين منها، والروم البيزنطيين، والإفرنج الصليبيين، في وقتٍ واحد. فكانت تصدّ هذه الغزوات بما لها من مَنَعة موقِعِها ومَنَعة حصونها وخنادقها، وعزيمةِ رجالِها، وشجاعَةِ أُمرائِها، وقُدرتِهم على تعبئةِ الناس ودَفعهم إلى القتال، على ما يَصفُ أسامة في هذا الكتاب. وكانت من حولها أيضاً، في سهل الغاب، آجام تعجّ بالأسود والفهود وحمر الوحش. وسطٌ تُحدق به وبساكنيه الأخطار، من كل طرف.
    نشأَ مؤيِّد الدولة أبو المظفر أُسامة في رعاية أبيه مجد الدين مرشد، وعمه عز الدين سلطان، فدرسَ اللغة والنحو والأدب دراسة مستفيضة على بعض شيوخ زمانه، وقرأ الشعر وحفِظَ قدراً كبيراً منه. ووعى القرآن وتفاسيره والحديث وكتُبَه، واطّلع على التاريخ والسِّيَر، وعلّمهُ أبوه النجوم ومواقعها. وتمرَّسَ بأساليب القتال والصيد، وعاينها، على أيدي الفرسان. وكان على حظٍّ ممتاز من حِدّة الذهن وروعة البديهة وشجاعة القلب وخِفَّة الحركة. فكانَ ربما أقدَمَ على ما لا يُقدِم عليه غيره من ركوب الخطر، إضافة إلى ما وعى في الدرس والتحصيل، في مجتمع الحصن الأدبي الذي كان الشعراء والأدباء يتوافدون عليه، ليمتدحوا أمراءه.
    كان عمّه عز الدين سلطان، في أول أمره يُعِدّه للإمارة من بعده، فكان يدفعه في المضايق الصعبة، ويندبُه للمهام الكبيرة، ويمتحِنُ صبرَهُ وبداهتَهُ في مواجهة المواقف الحرجة. ولم يكُن لِعمّه ولدٌ يخلُفه. فلمّا رُزِق الولدَ أحسَّ أُسامة بالحرج وخَشِيَ على نفسه من عمّه، على ما يقول في الكتاب. وكانت جدته لأبيه تحبه، فكانت تُحذّره من عمه( )، ووقع له أن هجم على الأسد يوماً في سهل الغاب، فغلبه واحتزَّ رأسَه ودخلَ به شيزر. فاستعظم عمّه هذا الفِعل، ثُمَّ كأنَّما زَيَّنَ له أن يُغادِرَ شيزر، فغادرها حيناً (سنة 522هـ) إلى الموصل، ملتحقاً بعسكر نور الدين ابن زنكي، وشارك في بعض المصافّات. ثم لمّا مات أبوه (سنة 531هـ) غادرها مُكرهاً، في السنة التالية (532هـ)، إلى دمشق، فأقامَ فيها – وكانت في حكم الأتابكة البوريين – ثماني سنين، نَعِمَ فيها برعاية الأمير معين الدين أُنُر وزيرهم على دمشق.
    ثم اقتضَت الحال بعدها أن يرحَلَ إلى مصر( ) (سنة 540هـ)، أيام الحافظ لِدين الله الفاطمي. فَشَهِدَ الأحداث الأخيرة الدامية في عمرِ الدولة الفاطمية، واتصلَ بأسرارها ورجالها، على نحوٍ قد نفتقد بعض تفصيلاته الحية في كتب التاريخ التي عرضت لهذه المرحلة من حياة الدولة الفاطمية في مصر، وربما خالفتها في بعضها( ). وما يرويه أسامة في كتاب "الاعتبار" يرويه شاهد فطن خالط الأحداث من أرفع مواقعها وأقربها إلى مواطن أسرارها وأحفلها بالإثارة. وفي "الاعتبار" تفصيلات تحركه في قلب الأحداث وتنقله في خطوط المواجهات، في طريقه من القاهرة، موفداً من قبل الملك العادل علي بن السلار إلى نور الدين الشهيد في دمشق، وصور الأوضاع في سيناء والجفر وحياة الأعراب البائسة فيه، وبصرى والبتراء ومنازلة الإفرنج في عسقلان وبيت جبريل ويبنى.
    ثم لم يجد بداً من مغادرة مصر، بعد أن لاحقته فيها التهم، على ما تقول التواريخ، في مقتل العادل علي بن السلار ومقتل الظافر بعده، وبعد أن ساءت الأحوال في مصر، على ما يقول هو، إلى الحد الذي جعله يقول يوم الإجهاز على أسرة الحافظ: "وكان ذلك اليوم من أشد الأيام التي مرت بي"( ).
    أمضى أسامة في مصر تسع سنين، غادرها بعدها (سنة 549هـ) عائِداً إلى البلاط النوري في دمشق. ولحِقَ به أهله وأولاده، بعد أن أخذ لهم الأمان من الإفرنج. ولكن الإفرنج أغاروا على مركبهم ونهبوا ما فيه، وجرّدوا النساء من حليِّهن، وأخذوا الكُسى والجوهر، وأخذوا معها قدراً عظيماً من كُتبِ أسامة، تبلغ أربعة آلاف مُجلَّدٍ من الكتب الفاخرة. فكان فقدُ الكُتبِ أعظَمَ في نفسهِ من كُل شيء. وقال في ذلك جملته التي نقرؤها في الكتاب: "فإنَّ ذهابَها حزازة في قلبي ما عِشْتُ"( ).
    وكان من قدَر شيزر بعدها أن دَهمَها زلزالٌ عنيف (سنة 552هـ= 1157م) هدَّ أركانها ودمّرها تدميراً، وقضى على أهلها، فلم يبقَ من بني منقذ أحدٌ ممن كانوا فيها( ). ونجا أُسامة وولده لِبعدِهم عنها في دمشق!
    فكأن ما وقع لأهله من الإبادة، وما جرى له في مصر والشام، وما شهد من النكبات والوقعات( ) والأحداث العظام التي شملت حركته فيها ساحة المنطقة كلها (من أخباره أنه سافر إلى أرمينية وملطية)، دفع به (سنة 559هـ) إلى الاعتكاف في حصن كَيْفا( )، على نهر دجلة، فعكف فيها على الكتابة والتأليف. وأغلب الظن أن عدداً مما وصل إلينا من كتبه، أو من أسمائها، كان مما كتبه في تلك الأيام، ومن بينها كتاب سماه "المنازل والديار" ملأه برثاء أهله الذين ذهب بهم الزلزال، ونقل فيه مقداراً من شعره، وزاد عليه كثيراً من محفوظه.
    ثم استدعاه السلطان صلاح الدين الأيوبي (سنة 570هـ) إلى دمشق، بعد أن استولى عليها من النوريين؛ وكان مرهف، ابن أسامة، من جلسائه، فلعله طلب منه أن يستدعي إليه أباه من معتكفه في حصن كيفا، ففعل. ورعاه صلاح الدين، وأقطعه ضيعة في أطراف المعرة وأملاكاً في دمشق، وأخذ يستشيره في أمره، ويكتب إليه أحياناً بأخباره حين كان يخرج إلى قتال الإفرنج. وفي خاتمة "كتاب الاعتبار" إقرار جميل وافٍ بهذه الرعاية على ما يجد القارئ بعد، وقد صاغ هذه الخاتمة صياغة تشبه صياغات العصر المصنوعة، وتختلف عن لغة الكتاب في جملته، دليل أنه كتبها لهذا الغرض وحده، بعد أن جُمع الكتاب.
    في هذه الأيام إذن، وقد نيّف أسامة على التسعين، أو بلغها، أخذ يسترجع ماضيه ويستعيد حوادثه وذكرياته، ويستذكر صحبته لرجال العصر من المسلمين والإفرنج، وما وقع له معهم في ساحات الحرب وأيام الهُدَن، فكان من حصيلتها "كتاب الاعتبار" الذي نحن في صدده اليوم.
    ثم إنّه ظلَّ يعيش في دمشق، ويُلقي بعض الدروس في مدارسها، ويَغشى مجالسها العلمية، حتى توفي (سنة 584هـ)، بعد أن أكرمه الله بشهود تحرير بيت المقدس (سنة 583هـ) على يد صلاح الدين، ودُفِنَ في سفح جبل قاسيون شرقي الصالحية، على الجانب الشمالي من نهر يزيد. وكان قبره معروفاً إلى أيام ابن خَلِّكان، فقد زاره وقرأ عنده شيئاً من القرآن( ).
    ليس في كتُب أسامة( )، على كثرتها وتعدُّد فنونها، ما يعدل "كتاب الاعتبار"، فهو أروعها وأكثرها إثارة. كتبه على ما رأينا، في المرحلة التي يكتمل فيها لمثله، في موضوعه، سعة التجربة واختمار النضج وعمق الإدراك وطول المعاناة ووفرة الذكريات. ويُخَيَّل إلى القارئ وهو يقرؤه، أنَّ أسامة كان يسترجع فيه، على غير نسق تاريخي منظم، صور حياته ويقلّب النظر فيها، ويستخلص عِبرها، على نحو ما يُحدِّث به سمّاره في دمشق، في مراحل عمره الأخيرة، ويحكي لهم ما وقع له، فيكتبه بعضهم عنه. فإن فيه، من عفوية التعبير وبساطة الأداء، ما يصل أحياناً إلى حدّ الدارجة الشائعة في شمالي الشام، تلك الأيام، بما فيها من قوة الاسترسال والبعد عن قصد التجويد، لصالح الاقتراب من الواقع الحي. وفيه من تداخل الذكريات وغَلبة بعضها على بعض، ومن تدخّل المحفوظات وحرارة الروح، ما لا يكون مثله إلا في مجالس السَّمَر وتدفّق أطراف الحديث، دون الاحتفال بترتيبها الزمني أو التاريخي. ولا يبعد أن يكون أسامة أعادَ النظرَ فيه من بعد، وجمع أوراقه بعضها إلى بعض، فخرجَ، على نحوٍ ما، في صورة الكتاب التي نعرفها اليوم.
    ويبدو واضحاً أنَّ تسمية الكتاب بـ "الاعتبار"، وقعت من غَلَبة المساق الذي حَكَمَ أحاديثه في هذه المجالس، وهو استخلاص العبرة منها، والانتهاء بها إلى "أنَّ ركوب أخطار الحروب لا ينقص الأجلَ المكتوب. والعمر موقَّتٌ مُقدَّر، لا يتقدَّم أجله ولا يتأخَّر. والنصر في الحرب من الله، لا بِترتيبٍ وتدبير، ولا بِكثرةِ نفيرٍ ولا نصير"( ).
    على أنَّ قيمة الكتاب تبدو في حسن تصويره لمجتمعه الذي كان يضطرب اضطراباً عنيفاً بما يلقى من كثرة الفتن، وتفرُّق الأهواء، وغَلَبة الأطماع، واختلال الأمن، وفشوّ بعض التيارات الفكرية المتطرفة فيه، ثم بوصف ما يرزح تحته من ثِقَل غزو الإفرنج، واتّساع أذاه، ونهوض الناس له، ففي هذا الجانب يبدو الكتاب وثيقةً حية من وثائق حروب الإفرنج – وهي أطول حروب التاريخ إلى اليوم – لا نعرف لها شبيهاً. فإن أسامة لم يكن يعبأ فيه بأخبار المعارك والتأريخ لها، على نحو ما نعرف في كتب التاريخ التي أرَّخَت لها، ولكنه كان يُصوِّر – عن طريق السرد الحكائي واستحضار الوقائع والمواقف – حياة الناس التي تجري تحت سطح الأحداث الدامية. ويقف عند الصور العميقة المؤثّرة منها، وما كان يقع لهم داخل بيوتهم، وفي مواطن جِدِّهم ولَهوِهم، وما كانوا يقولونه لأنفسهم وهو يواجهون الموت، أو هم يعاملون هذا العدوّ الغريب الذي جاءَهُم من الأرض الكبيرة (أوربة، كما كانوا يُسمّونها) ويتكلَّم لغةً غريبةً لا يفهمونها، ويبدو فظّاً غليظاً لم تصقله الحضارة( )، جهماً ضخماً لا تسعه العين.
    وفي الكتاب مِنْ وصفِ أحوال الحياة والناس آنذاك في بلاد الشام خاصة، وصور العادات في الأفراح والأحزان فيها، وصور الطبيعة في بعض مناطقها الشمالية، ما يجعله وثيقةً اجتماعيةً أيضاً.
    فَلِهذا ترجَمهُ الغربيّون إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية غير مرة، منذُ وقتٍ طويل. ثم ترجموه إلى الروسية والبولونية والدنماركية أيضاً. ولعله تُرجِمَ إلى لُغاتٍ أخرى من بعد.
    ثم إنه يُعَدُّ من كُتب السيرة الذاتية النادرة في المكتبة العربية. وهو بهذه المنزلة وثيقةٌ أدبيّة قلَّ مثيلها فيه، لِمُجمَلِ الخصائص التي ذكرناها من قَبْل. وهي، إلى هذا، تنفع في بعض الدراسات اللغويّة لاتصالها باللهجات الدارجة في الشام في عصرها، وبأساليب تركيبها اللُّغَويّ، وما داخلها من اللغات الأخرى الشرقية والغربية، والطُرق التي اتّبعوها في تعريب الألفاظ المتداولة.
    ومن هنا يتهيأ لدارسي تاريخ التبادل الثقافي والنمو الاجتماعي لهذه المنطقة، أن يجدوا في الكتاب صوراً دالة من عملية المثاقفة التي تمت بين شعوبها من ناحية، وبينها وبين شعوب الإفرنج من ناحية أخرى.
    كما يجدون صوراً للنمو الاقتصادي الذي أصاب حياتها، من وفرة غلات الأرض (من الزروع والقطن والزيتون في كفر طاب مثلاً)( ) وتطور أساليب استثمارها (نظام السقاية وانتشار النواعير)( ) والأرحاء (أعني الطواحين العاملة على مياه العاصي)( )، إضافة إلى غنى الطبيعة الذي نقرأ أخباره ونستطلع صوره في غابات سهل الغاب وأجماته، وغاب الروج، بين حلب والمعرة( ) وأساليب الصيد ودرْس طباع الحيوان فيها، وفي المواطن الأخرى التي حدّث عنها صاحب الكتاب( ).
    ويتهيأ أيضاً لدارسي التاريخ الحضاري العام، لهذه المنطقة التي جال فيها أيضاً، الإلمام بالنظم الإدارية القائمة فيها، ونظم التعامل بين الناس، وبينهم وبين السلطة ورجالها، وتنوع أنواع السلاح وأساليب المواجهات العسكرية، وما يسميه أسامة "التحرّز والتحصين والترهيب والتخييل"، وأنواع الألبسة العسكرية، وسياسة الأحصنة والخيول في أوقات السلم والحرب، وتنظيم الحصون والقلاع والبيوت، والمدن وأسوارها. وأثر التبادل الحضاري الذي تم في هذه الميادين كلها.
    وللكتاب، في الأصل، ملحق فيه طرف من أخبار الصالحين، أُلحقت بالكتاب إلحاقاً، فليس لها صلة به ولا بموضوعه، على الإطلاق. وهو صغير مكوّن من بضع صفحات، تتبعها صفحات أخرى تتعلق بأخبار الصيد والقنص، حكى فيها أسامة بعض حكايات مشاهد الصيد التي حضرها في شيزر، مع أبيه وأهله وغلمانه، وفي الموصل، مع أتابك عماد الدين زنكي وغلمانه، وفي دمشق ومصر وديار بكر وغيرها، مع كبار رجال عصره( ).
    وقد أقر هو نفسه، بإلحاقه هذا الملحق بكتاب "الاعتبار"، بعد أن انتهى منه، وبعد أن كتب خاتمته، فقال في آخره: "قال أسامة بن مرشد بن علي بن مقلَّد بن نصر بن منقذ، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين: هذه طرف أخبارٍ حضرت بعضها، وحدثني ببعضها من أثق به، جعلتها إلحاقاً في الكتاب، إذ ليست مما قصدت ذكره فيما تقدم، وبدأت فيها بأخبار الصالحين، رضي الله عنهم أجمعين".
    وقد كانت نسخة الكتاب المخطوطة هي النسخة الوحيدة التي عادَ إليها، طوال ما يزيد على قرن من الزمان (1884-1987م)، محقِّقو الكتاب الثلاثة الذين سبقوني إلى نشره( ). وهي النسخة الوحيدة المعروفة إلى اليوم، والمحفوظة في مكتبة دير الأسكوريال بإسبانية( ).
    أما أنا فقد انصرفت (في المختارات التي انتقيتها من الكتاب( )، وفي الطبعة الكاملة للمكتب الإسلامي في بيروت( ) ثم في هذه الطبعة التي قلّبت فيها النظر، ووقفت فيها عند صور الحياة العامة في المواطن التي تنقل فيها أسامة أو رحل إليها، لتتضح حقائق المرحلة التاريخية العاصفة التي عرض للتأريخ لها، عبر سيرته الذاتية التي أملاها في أيامه الأخيرة وانفرد بأسلوبه فيها). إلى ترتيب مقاطع الأخبار، حسب مضامينها بداية ونهاية، ترتيباً خاصاً بي، وسمَّيْتُها "الفِقَر"، من دون أن أُدخِلَ عليها شيئاً من عندي، واخترتُ لها أرقاماً متسلسلة يسهلُ الرجوع إليها، في وقت الحاجة، للوقوعِ على الخبر الذي نُريده. ووضعتُ لها عنوانات( ) رأيتُها، بوجودها في رأس الفقرة، تكون أدلَّ على حقائِقها ومقاصِدِ الكاتِب منها. وتوسَّعتُ، ما أمكن في الشرح والتفسير. واكتفيت، في التعريف بالأعلام، بما يفي بحاجة القارئ منه في فهم الظرف، دون إغراقٍ في إيراد أسماء كتب التراجم. وأكملتُ (داخل أقواس مركّنة)، وفي مواضعَ قليلة جداً، بعضَ ما سقطَ من الكلمات في ظني، مما يقتضيه سياقُ النص، ودللتُ عليه. وضبطْتُ ألفاظاً كثيرة تقتضي الضبط، وتوسعت في الضبط على غير مثال سابق، لأقرب نصوص الكتاب من كل قارئ، مهما بلغ من تحصيل الثقافة التاريخية والأدبية العامة.
    ورأيت أخباراً قليلة جداً هي، في الأصل، نصوص محفوظة أو منقولة من بعض الكتب، لا صلة لها البتّة بالموضوع الأصل، فتركتها في مواضعها ودللت عليها من بداية الخبر بنجمات ثلاث (***) حتى يتتبع القارئ خيوط الخاطر الذي أملاها، في مواضعها، ويقدّر بواعثها النفسية ودلالاتها الاجتماعية والتاريخية.
    ويعدّ الكتاب، في جملته، فوق مزاياه الفنية، وثيقةً حيّة قلّ نظيرها في رصد إحساسنا بالتفوُّق الحضاري العام في القرون الوسطى، وخطرِه في ردِّ غزو الإفرنج ديارنَا أيام تلك الحروب. أعني التفوُّق في الأسلوب الذي كنا نتناول به حياتنا ونظمها في السياسة والاجتماع والتربية والعمل، وتتحقَّق فيه نظرتنا إلى الإنسان والوجود، وما ينتج عنها من نتاج العقل والمادة والروح، إذ لم يكن عند هؤلاء الغزاة، على ما يبدو في الكتاب، ما نتعلم منه، وقد كانوا، في كثرتهم الغالبة، عساكر وفلاحين يعيشون في قلاع وحصون مفردة( ).
    ويشخص لنا أسامة، في جملة الكتاب، فارساً عربيّاً مُسلِماً، يحفظ تقاليد الفتوّة الإسلامية، في أحسن مظاهرها وأقواها (الشهامة والإقدام والجرأة والالتزام الخُلُقي)، ويُخلص، في الجملة، لمعاني انتمائها ومعايير سلوكها، ويَغار عليها. بصيراً بأحوال المعارِك، قادراً على فهم ملابساتها وتحمُّل تبِعاتها، وفيّاً لِقومه وأرضه ودينه، عميق الإحساس بالروابط التي تشدّه إليها، وتضعه في مواضع الدفاع عنها، دون التعصب الأعمى لها، مزهوّاً بِها، عاقِلاً جريئاً أنيساً متواضعاً في نفسه، رحيماً، متحرراً في أحكامه، مرِحاً، يُحسن ذوق الكلمة وفهمها، ويضعها مكانها من تراث قومه، ويصلها به شعراً ونثراً. حلو المسامرة، كريم النفس واليد، يُمثّل في الجملة، لأهم صفات الرجال الكبار الذين يراهم ينتسبون، بحق، إلى أمّته، ويُظهِر أمضى أسلحتها في المعترك الذي خاضوه: إيمانهم بالله مقدر الأقدار وموقّت الآجال والأعمار، إلى جانب إحساسهم بِتفرُّدِ شخصيّتهم الذي جمَعَهم على اختلاف الأصول والمنابِت، ووقفهم من الغزو والغزاة موقِفَ المُؤمِنِ الواثق بالنصر، القادرِ على صنع أسبابه، على امتداد المعركة الطويلة، وعلى ما عانوا فيها من تمزُّق الشمل وتخاذُل القيادات، وتغليب مصالحها الذاتية الضيقة، أحياناً كثيرة، قبلَ أن يشغلَ الساحة البطلُ الذي تهيَّأت الظروف لظهوره، في ليالي المحنة الحالكة.
    وبلغ أسامة من قوة هذا الإحساس حداً لم يكن يرى معه، في الإفرنج الغزاة، أكثر من "بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والحمل!"( ) ويرى أنَّ مَن "تبلَّدَ" منهم (أي: سكنَ بلاد المُسلمين وعاشرَهُم) "أصلح من القريبي العهد ببلادهم، لكنهم شاذ لا يُقاس عليه"( )! ويبلغ أن يسخر من أحكامهم وفقههم( ) وطبّهم( )، ويدين قسوة قلوبهم، وبداوة طباعهم، وجفاء أخلاقهم. ويعجب من ضعف غيرتهم على أعراضهم وقِلّة نخوتهم: "يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته، يلقاه رجلٌ آخر، يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها، والزوج واقِفٌ ناحية ينتظر فراغها من الحديث. فإذا طوَّلتْ عليه خلاّها مع المتحدِّث ومضى!"( )، "ما فيهم غيرةٌ ولا نخوة، وفيهم الشجاعة العظيمة وما تكون الشجاعة إلا من النخوة والأنَفة من سوء الأحدوثة!"( ).
    ويصور، إلى جانب هذا، مشاهد رائعة من ثباتِ قومِه رجالاً ونساءً، ومن تماسكهم وتدافُعهم على الفداء وطَلَبِ الشهادة، وشَغَفِهم بالمغامرة واستهانتهم بالخطر، وإيمانهم بقدرتهم على انتزاع النصر( )، حتى لَينامون بأسلحتهم( )، ويندفعون إلى القتال لأول بادرة، ويُطعَنُ أحدهم بالقُنطارية( )، فيُمسِك بها وهي في فخذه، يأخذ الإفرنجي يجذبها ليأخذها، والمطعون يجذبها ليأخذها، فترجع في فخذه، "حتى قوّرت فخذه، واستَلَب القُنطارية بعد أن أتلفَ فخذه، ومات بعد يومين!"( ) وأتقنوا استخدام السلاح وأساليب القتال وحاجاته (الترهيب والتخييل والتمسك الدائم، بالحذر وحضور القلب)( ) واستجابوا لحاجات العصر وتكتيكات المعارك والهُدَن( ).
    على أن هذه الحياة الطويلة التي أمضاها الرجل في جهاد متصل، وملأ بها جانباً ملحوظاً من تاريخ العصر وثقافته ومآسيه وأحداثه السياسية والعسكرية المشتبكة، (وكان المسلمون من السلاجقة "الزنكيون" والأُرتُقيون والبوريّون والأيوبيون والفاطميون والعرب يشغلون ساحتها تجاه الصليبيين). ونقل مؤرخوه أخبارها ووقائعها في تقدير بالغ، حتى عدّه بعضهم واحداً من أبطال الإسلام، لم تَنْج مما يصيب الرجال الطامحين الذين يشغلون ساحة واسعة من أحداث عصورهم المضطربة الموّارة بالفتن والمؤامرات والأطماع، من أن يصيبهم رشاشها. فمن الصعب أن يسلم الإنسان، مهما بلغ امتيازه ووعيه وتحرّزه، من أن يجد نفسه منساقاً إلى الدخول في مضايق تدفعه إليها ظروف آنيّة مفروضة، يتعذر، وسط ضجة الأحداث الدامية وتراخي القرون الممتدة، فرزها وجلاؤها. وليس سهلاً أن ينخلع من مرحلته الزمنية فلا يتأثر مثلاً، بما تأثر به أسامة، في تصديق بعض خرافات عصره الشائعة ونقلها، أو يتملص من الوقوع في بعض شباك الأحداث والمؤامرات والأطماع الدائرة التي يجول في أروقتها.
    ولكن معنىً واحداً لا يصحّ أبداً أن يتطرق الشك إليه، وهو إخلاص هذا الرجل ذي الامتياز الساطع، البالغ الروعة، المتعدد المواهب، للرسالة التي نذر حياته لها: تحرير الأرض ورد الغزاة، والأخذ بنصيبه من تحمل تبعات الأخطار ومواقفها المروّعة، في ميادين الحرب والسلم والسياسة والتخطيط جميعاً.
    ولننظر الآن فيما يلي:
    كتب السيد محمد علي العبد (من الكويت) تعليقاً نشرته مجلة (العرب) التي تصدر في الرياض( )، اتهم فيه أسامة باقتصاره في عمله على نفع نفسه، والإفادة من أموال الفاطميين، والإساءة إلى نور الدين بن زنكي، ومهادنة الإفرنج وموادعتهم. فردّ عليه في المجلة نفسها( ) عبد الرحمن بن شعيل (من السعودية). وعاد السيد محمد علي العبد فكتب رداً مفصلاً على الرد: اختار فيه، قريباً مما ذهب إليه كتّاب محدثون آخرون( )، مواقف لأسامة أدانها في "هربه" من مصر، "وطرده" من الشام( ).
    ثم كتب محمد نور أفاية (من المغرب) في جريدة (الحياة) التي تصدر في لندن (بتاريخ 9/10/1999) مقالة بعنوان (صور الإفرنجي في "كتاب الاعتبار") حلل فيها شخصية أسامة ومرجعيات هويتها الفكرية، بوصفه "مؤمناً متشبعاً بالقيم الكبرى للإسلام وبأطره المعيارية الجوهرية في الوجود والسلوك والعلاقات". ورأى أن "جدلية الصراع والتساكن فرضت عليه التعامل مع الإفرنج بهدف الصلح أو التفاهم أو التحالف... وإقامة روابط تميزت بالمودة والمعاشرة" وإن لم يفرّط، آخر الأمر "بالأساس الثقافي الذي يؤسس لهويته واختلافه".
    فردّ عليه جمعة الحلفي (من العراق) في الجريدة نفسها (بتاريخ 21/11/1999) بمقالة جعل عنوانها "صورة المثقف الخائن في سيرة أسامة بن منقذ"، أخذ فيها عليه ما رأى عنده من توسيع مدى الرؤية في الحكم على الأشخاص برغم اختلاف الأديان والثقافات والأجناس... بوصفه، عند نفسه، "مسلماً يحمل نظرة كلية إلى الإنسان مهما كان اختلافه".
    فمن هنا لم يجد أسامة، في رأي الحلفي، "حرجاً في التعامل مع الإفرنج... وأصبح وسيطاً نافذاً بين المسلمين والإفرنج". ثم اتهمه بممالأة معين الدين أُنُر، والوقوف إلى جانبه لحمايته من مواجهة حاكم حلب زنكي، رافع راية الجهاد، وبزيارة القدس المحتلة ثلاث مرات، بتكليف من أُنُر، لعقد معاهدة تعاون مع الإفرنج لحماية دمشق من هجوم زَنكي المتوقع، وشنِّ حملة مشتركة معهم لاحتلال قلعة بانياس التي كان يحكمها أحد أتباع زنكي، وتسليمها إلى ملك القدس!
    ورأى الحلفي في علاقة أسامة مع قادة الجيش الصليبي وقادة فرسان الهيكل( )، ومع الإفرنج عموماً، وزيارة المدن التي كانوا يحتلونها (مثل: طبرية وعكا وبانياس) بمهام سياسية موكولة إليه، مع معين الدين أُنُر، نزوعاً براغماتياً للعب دور المثقف المتخادم مع السلطة، إضافة إلى مؤامراته في كواليس الدويلات الإسلامية المتصارعة، ومن ضمنها: "التآمر على صديقه "أُنُر" و"تدبير مقتل الخليفة الفاطمي الحافظ( )" و"التآمر على عمه سلطان". وانتهى إلى أن المرجعية الوحيدة التي كان ينبغي أن تحكم علاقة أسامة بالإفرنج "هي في الرجوع إلى الأصل: جعل التحرير والجهاد مقياس الإيمان". فإن "احترام الآخر لا يعني احترام المحتل". وقد رأينا أسامة نفسه، كما يقول الحلفي، يشتم المحتلين في "الاعتبار"! (انتهى كلامه).
    أقول: مهما تكن دوافع هذه التهم، فإن فيها إنكاراً لحقائق المرحلة التاريخية القائمة على الأرض، وفي ضمنها مرجعية تعامل صلاح الدين، محرر القدس نفسه، مع رتشرد قلب الأسد في التجريدة الثالثة، وتغليب الوجه الإنساني في تعامله مع الإفرنج، حتى لقد اقترح رتشرد زواج أخته من أخي صلاح الدين (الملك العادل)، وتوقيع صلاح الدين معاهدة الصلح الآنيّة معهم (سنة 588هـ) على أن يكون الساحل لللاتين الأوربيين، والداخل للمسلمين، ومن ثم تعامُل المسلمين معهم على العموم: عقد المعاهدات والاتفاقات لتنظيم التجارة، وتأمين المواصلات، في مراحل الهدنة والمسالمة لا غير.
    في التهم أيضاً: إنكار لحقائق النشأة التي نشأها أسامة في شيزر، وحقائق الحياة التي أمضاها في جهاد الإفرنج، وانعكست صورها في شعره ونثره على السواء، في جملة الوقائع والمصافّات التي حضرها. وفيها إنكار لحقائق صحبته للزنكيين ولصلاح الدين، ونظرة هؤلاء المحررين عموماً إليه، وإنكار لشهادة المؤرخين الذين عايشوه (السمعاني، والعماد الأصفهاني، وابن عساكر) أو عايشوا ابنه مرهفاً (ياقوت الحموي)، وما قالوه جميعاً فيه، وما قاله المؤرخون عموماً( )، حتى (ابن الأثير) الذي أشار إلى موقفه في مصر من مقتل ابن السّلار. وفيها، بعد هذا كله، وقوف عارض على إشارات تاريخية مجهولة المصادر، تحتاج إلى تقصّ ودرس واستيعاب للأسباب. ثم إن في سرد هذه التهم، في كلام الحلفي وغيره، ما يشير إلى انتقاد أسباب تناقضات تاريخية لا يسهل تفسيرها، وقعت في المواقف والأقوال (التآمر على معين الدين أُنُر الذي اتهمه من قبل بممالأته، مثلاً، وشتْم أسامة المحتلين في "كتاب الاعتبار" وفي شعره أيضا)!
    فإذا تجاوزنا هذا كله، ذكرنا ما وفرتْ له صلاته بالإفرنج وفرسانهم وأمرائهم وملوكهم (بوهمند، وتانكرد، وفُلْك) من "اطلاع عميق – كما يقول بروكلمان – على أنماط حياتهم السياسية والعسكرية والثقافية"، وهو ما يكوّن مادة صورتهم التي نقف عليها في "كتاب الاعتبار" ونقرأ إدانتها فيه (انظر الفِقَر 161- 175).
    ومما قلناه جميعاً، يتضح سبب خلو هذه الصورة التي عرضها أسامة في الكتاب، عرضاً صريحاً بيّناً، من أي إحساس بالرغبة في التكتم أو التخفي أو الكذب والتنقص (الفقرة 165مثلاً).
    والعجب أن هذه الحقيقة، على بساطتها، لم تلفت نظر متهميه!
    وبعد، فقد كان يمكن أن تُستخلص في النهاية من هذه المواجهة غير المسبوقة تاريخياً، في شمولها وحدَّتها وطولها، بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي الأوربي، وهي آخر المواجهات العامة التي كنا فيها الأكفياء المرسومين بالقدرة والامتياز، قبل أن يشيل بنا الميزان، بعد توقف العثمانيين، وسقوط الأندلس نهائياً في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، ويتحول لقاؤنا به، من بعد نهضته الشاملة، وإقامة مؤسساته الصناعية والتحول الاجتماعي الذي رافقها، في نهاية عصر التنوير، إلى معارك خاسرة في معظم الأحيان، ومن ثم إلى الدخول في عصر الاستعمار الغربي، إثر حملة نابليون على مصر.
    أقول: كان يمكن لأن تُستخلص من هذه المواجهة الشاملة التي فرضها الغرب علينا يومذاك (وتستّرت بالدين، إذ هي في حقيقتها حرب استعمارية استيطانية ذات أولويات سياسية واقتصادية توسعية، وإن رسموا فيها الصليب على صدورهم، ودعوا أنفسهم حُجّاجاً، واستمدوا وقودها من العواطف الدينية)، قيم أخرى تبشر بالسلام والتعايش القائمين على الحوار وتبادل الأفكار وقبول الآخر. فقد انعقدت، في غمرة هذا الصدام الدامي، علاقات رسمية وروابط إنسانية وهُدَن واتفاقات اقتصادية وزيارات ودعوات وعقود زواج، ومخالطات في الأسواق والحمامات والبيوت والمزارات( ) كانت تتسع مع الأيام، ويتم فيها تبادل الهدايا والطُّرَف، وتعرّف كل طرف على سمات الحياة التي يحياها الطرف الآخر وصفاتِ ثقافته، ويثمر الاحتكاك بالأسرى والرهائن، في أزمنة الهدوء (وقد زادت كثيراً على أزمنة الحرب، كما لاحظ بعض المؤرخين)، مزيداً من النفوذ في ضميره العام، بحيث يلزم أن تكون الوراثات التي يخلفها مثل هذا الصدام الطويل بين الطرفين، مختلفة تماماً عن وراثات اليوم المقيتة، وإن لم يكن هذا يعني، في أي وقت من الأوقات، بالنسبة إلينا، تراخياً في التمسك بثوابت التحرير، وبالسعي الحثيث إلى إدراك مقاصدنا المشروعة في آخر الطريق، وعلى امتداد الزمان.
    لكن ما خلّفته هذه المواجهة على أرض الواقع، من المرارات والأحقاد، لم تستطع القرون الطويلة التالية، فيما يبدو، أن تخفف من حرارته. ففي زعمائهم من يذكّرنا إلى اليوم، بالحروب الصليبية (Les Croisades) وفيهم من يضع الإسلام، وهو آخر الديانات السماوية، في موضع العدو المفرد، في حين يسالمون الديانات الأخرى حتى الوثنية منها، ويمالئون علينا من ينكر عليهم نبوة السيد المسيح عليه السلام وبتولة أمه العذراء. وتؤلَّف فيهم كتب ترمينا بكل نقيصة، وتتوعدنا بالقتل والطرد من بلادهم، ومن بلادنا أيضاً! ويكذّبون دعوتنا إلى ما أصبح يعرف، هذه الأيام، "بحوار الحضارات" وقبول التعددية فيها، لصالح البشرية قاطبة. وينصبون، في مواجهتها، مفهوماً أحادياً للعولمة يقوم على إملاء إرادتهم علينا، وصهرنا في اقتصادهم وثقافتهم وأسلوبهم في تناول الأفكار وفهمها وتقويمها، وطمس هويتنا وسماتنا الحضارية، والتهوين من قدراتنا المادية والعلمية والروحية الأصيلة، على امتداد الزمان.
    ويكاد ما يقع اليوم من الأحداث في أكثر أنحاء الأرض القريبة والبعيدة، وفي فلسطين بوجه خاص، يُكتب عندهم في صفحة هذا المفهوم، حتى كأن المواجهة التي بدأت فصولها الأولى من قبل حروب الإفرنج، منذ بزوغ الدعوة الإسلامية، بين العرب والروم، وفي الفتوح الإسلامية، في إفريقية والأندلس، استمرت بعدها دون توقف. فصار التهجم على العرب والإسلام والمسلمين وطمس كل منجز علمي أو حضاري أنجزناه، مما تكاد تتفق فيه خاصتهم وعامتهم على السواء. وصارت الصيحة إلى ما سماه بعضهم "وحدة الثقافة اليهودية المسيحية"، في مواجهة الإسلام وثقافته، صيحة مسموعة عملياً، في كثير من محافلهم!
    فهل يتبقى أمامنا إذن، والحال على ما نرى، إلا خيار واحد: أن نعمل على تصحيح عملية التوازن المعرفي المختلّة بيننا وبينهم، أعني المزيد من امتلاك أدوات المعرفة العلمية الحديثة، والقدرة على إنتاجها في جميع الميادين، مع ما تستلزمه من وضوح الرؤية، والتمكن من أسباب النمو الثقافي والاجتماعي، مثل إشاعة الحريات المسؤولة، وقبول التعددية ونفي التفرد، سعياً وراء الخروج من دائرة الإحساس بالإحباط والعَوَز المعرفي الذي يعززونه فينا كل يوم، من دون أن نخسر هويتنا الثقافية ونفرط بثوابتها، على نحو ما أفلحت اليابان في تحقيقه، وشعوب آسية المسلمة في أندونيسية وماليزية، وشعوب أخرى في القارة الآسيوية نفسها.
    وإلى أن نصل إلى هذا القصد الذي لم نفتقده من قبل، على نحو ما يُظهر كتاب "الاعتبار"، (وينبغي أن نعمل في الوصول إليه ليل نهار، إذ ربما كنا فيه على سباق حقيقي مع الزمن)، لا مفرَّ من تقوية قدرتنا على الثبات في مواقعنا، في مواجهةٍ مستمرة قد تطول عشرات السنين، وتبدو نذرها القاتمة في سمائنا لكل ذي عينين، واستنفار قوانا وطاقاتنا المادية والفكرية، وتنمية مواردنا، لدعم صمودنا على هذا المدى الطويل.

    عبد الكريم الأشتر
     

    قطوف

     

    "كان بمدينة دمشق جَرْو أسد قد رباه سَبّاع معه، حتى كبر وصار يطلب الخيل، وتأذّى الناس به. فقيل للأمير معين الدين رحمه الله وأنا عنده: "هذا السبع قد آذى الناس، والخيل تنفر منه، وهو في الطريق". وكان على مصطبة، بالقرب من دار معين الدين, في النهار والليل، فقال: "قولوا للسبّاع يجيء به". فقال للخِوان سلار: "أَخْرِجْ من ذبائح المطبخ خروفاً، اتركْه في قاعة الدار، حتى نبصر كيف يكسره السبع". فأخرج خروفاً إلى قاعة الدار. ودخل السبّاع ومعه السّبع. فساعة رآه الخروف، وقد أرسله السبّاع من السلسلة التي في رقبته، حمل عليه فنطحه! فانهزم السبّعُ يدور حول البركة، والخروف خلفه يطرده وينطحه! ونحن قد غَلَبنا الضحك عليه...".
    نص الرحلة

    ومما شاهدت من ذلك: أني كنت إذا جئت إلى نابُلُس أنزِل في دار رجل يقال له: مُعز، داره عمارة المسلمين. لها طاقات تُفتح إلى الطريق. ويقابلها، من جانب الطريق الآخر، دار لرجل إفرنجي يبيع الخمر للتجار. يأخذه في قِنّينة من النبيذ، وينادي عليه ويقول: "فلان التاجر قد فتح بتِّيّة من هذا الخمر. من أراد منها شيئاً فهو في موضع كذا وكذا". وأجرته عن ندائه: النبيذ الذي في تلك القِنّينة، فجاء يوماً ووجد رجلاً مع امرأته في الفراش! فقال له: "أيُّ شيء أدخلك إلى عند امرأتي؟" قال: "كنت تعبان دخلت أستريح!" قال: "فكيف دخلتَ إلى فراشي؟" قال: "وجدت فراشاً مفروشاً نمت فيه!" قال: "والمرأة نائمة معك؟" قال: "الفراش لها. كنت أقدر أمنعها من فراشها؟" وقال: "وحق ديني! إن عدتَ فعلتَ كذا تخاصمتُ أنا وأنت!" فكان هذا نكيره ومبلغ غيرته!
    نص الرحلة

    "دخلت الحمّام بمدينة صور، فجلستُ في خَلوة فيها. فقال لي بعض غلماني في الحمام: "معنا امرأة"! فلما خرجتُ جلستُ على المصاطب، وإذا التي كانت في الحمام قد خرجت وهي مُقابلي، قد لبست ثيابها، وهي واقفة مع أبيها. فقلت لواحد من أصحابي: "بالله أبصِر: هذه امرأة هي؟". (وأنا أقصِد: أن يسأل عنها) فمضى وأنا أراه، رفع ذيلها وطَلّع فيها! فالتفت إليَّ أبوها وقال: "هذه ابنتي، ماتت أمها، وما لها من يغسل رأسها، فأدخلتها معي الحمام غسلت رأسها!"
    نص الرحلة

    فهرس الرحلة

    الفهرس

    إشارة 
    استهلال 
    المقدمة  
    كتاب الاعتبار 
    1- معركة قنسرين مع الإفرنج سنة 530هـ 
    2- الروم والإفرنج يحاصرون شيزر سنة 532هـ 
    3- أسامة في دمشق 
    4- سفره إلى مصر 
    5- أسامة في مصر 
    6- فتنة في عسكر الفاطمية وعبيدها 
    7- خروج ابن السلار على الظافر 
    8- أسامة يحارب في صف ابن السلار 
    9- الظافر يقر بالهزيمة ويولي ابن السلار الوزارة 
    10- ابن السلار ينجو من مكيدة الظافر 
    11- أسامة ينقذ أحد السودان 
    12- رجل يزوّر التواقيع تضرب رقبته 
    13- أسامة يعود إلى الشام في مهمة رسمية 
    14- توهم ظهور الإفرنج في الجفر 
    15- أسامة يحسن إلى عربان الجفر 
    16- من ذكريات الطريق: فطنة دليل 
    17- من ذكريات الطريق أيضاً: هرب أحد البغال بخرج الدنانير 
    18- أسامة في عسكر الشام يدون أسماء ثمانمائة فارس ويأخذهم للإغارة على الإفرنج  
    19- أسامة وفرسانه في البتراء 
    20- وصول أسامة وفرسانه إلى عسقلان ومواجهتهم الإفرنج 
    21- أسامة ورجاله يقاتلون الإفرنج في بيت جبريل، وينجون بسبب احتراز الإفرنج في الحرب 
    22- هجوم أسامة ورجاله على بلدة يُبنى البحرية 
    23- عودة أسامة إلى مصر، واستشهاد أخيه الأمير عز الدولة في قتال غزة 
    24- ابن السلار يقتله حفيد امرأته بالاتفاق مع الظافر 
    25- عباس يتولى الوزارة، وأسامة ينتصر لابن عباس أمام أبيه 
    26- ابن عباس يأتمر على قتل أبيه مع الظافر، وأسامة يثنيه عن عزمه 
    27- عباس يستميل ابنه، ويقرر معه قتل الظافر فيقتله ابنه في داره 
    28- مبايعة ابن الظافر بالخلافة 
    29- الإجهاز على أسرة الحافظ 
    30- بوّاب المجلس يموت من الخوف 
    31- أسامة يُعين عباساً على قمع الثورة في القاهرة 
    32- عباس يقصد الخروج إلى الشام 
    33- عباس يحتجز رهائن من أهل أسامة ليضمن مسيره معه إلى الشام 
    34- عباس يستطلع النجوم قبل رحيله 
    35- أسامة يطلب من عباس أن يفرّغه لتجهيز نفسه للسفر 
    36- الناس يتنكرون لعباس 
    37- الناس ينهبون ما تصل إليه أيديهم من مال عباس وأسامة 
    38- قبائل العرب تمعن في قتالهم وتتبعهم 
    39- أسامة يقع عن ظهر الحصان ويصاب في رأسه 
    40-الإفرنج يهاجمونهم ويقتلون عباساً وجمعاً من أهله وأصحابه ويأسرون أناساً فيهم نجم الدولة أخو أسامة  
    41- أعراب بني فُهَيد يتصدون للقافلة في وادي موسى 
    42- من ذكريات الوقعة: حكاية السرج الغَزّي 
    43- أسامة يعود فيسترجع ذكرى نكبة وزير آخر من وزراء الحافظ الفاطمي الأفضل بن الولَخْشي 
    44- أسامة يَسفر لدى الوزير رضوان ويقنعه بالالتحاق بالأمير معين الدين أنر في دمشق 
    45- الوزير رضوان يعود إلى مصر، فيحبسه الحافظ ويفر من الحبس 
    46- الحافظ الفاطمي يوعز لحرسه بقتل الوزير رضوان 
    47- أسامة يشفي أحد جرحى الموقعة بالفصاد 
    48- أسامة يفضل البقاء في الشام، ويرسل في طلب أسرته من مصر 
    49- ملك الإفرنج يخون عهده، وينهب أموال أسامة وكتبه 
    50- أسامة يستذكر بعض عجائب ما رآه في الحروب: أنفة الفارس جمعة 
    51- من عجائب ما شاهده في تلك الوقعات أيضاً: سلامة المطعون طعنة الهلاك 
    52- ومثله أيضاً ما وقع لأحد فرسان الإفرنج على يد أسامة في أول قتال يحضره في أفامية 
    53- ومثله أيضاً ما وقع لأحد فرسان المسلمين 
    54- رجل جسيم يموت من وخزة الإبرة 
    55- قوة نفس الزّمَرْكل من لصوص المسلمين  
    56- حكاية أخرى عن الزمركل  
    57- حكاية الحصان المسروق من خيل الإفرنج  
    58- الموت لفراغ الأجل  
    59- موت شهاب الدين محمود لهذا السبب  
    60- من الطعنات: طعنة تقدّ الأضلاع  
    61- ومن الطعنات العظيمة أيضاً: طعنة تقطع الزرد  
    62- ومن الطعنات العظيمة: طعنة تنفذ من الصدر  
    63- ومن الطعنات العظيمة: طعنة ترمي فارسين وفرسين  
    64- ظرف حمدات الكردي صاحب الطعنة النافذة  
    65- والد أسامة ينجو في معاركه لامتداد الأجل  
    66- نجاة والد أسامة من طعنتين مهلكتين في واقعته مع صاحب أفامية  
    67- والد أسامة ينسخ القرآن بخطه ثلاثاً وأربعين مرة  
    68- غلام لعمّ أسامة يفدي مولاه بنفسه  
    69- الواقعة التي سأل عنها الملك رضوان بن تاج الدولة  
    70- عم أسامة يُطعن في جفن العين ويُشفى  
    71- شجاعة والد أسامة وعمه  
    72- والده لا يرتاع في مواقف الخطر ويهتم بالنجوم  
    73- إقدام الرجال في مواقع الخطر: صورة من مكائد الإفرنج  
    74- ولكن الإقدام يعجز: هزموا ثمانية فرسان ويهزمهم راجل واحد  
    75- جمعة النميري تشفيه ضربة من رمد عينيه، في كمين نصبه الإفرنج 
    76- واقعة سابقة مماثلة كان الجرح فيها سبباً للشفاء  
    77- واقعة أخرى مماثلة في الطير  
    78- أصحاب أسامة ينهزمون أمام إفرنج إنطاكية  
    79- جمعة يخاف على فرسه، فينهزم به أيضاً أمام عسكر حماة  
    80- أسامة يطعن فارساً من فرسان حماة، ويحمد الله على سلامته  
    81- الفارس جمعة يخلّص أسيراً من فارسين إفرنجيين 
    82- منزلة الفارس عند الإفرنج 
    83- ملك الإفرنج دَنكري لا يحفظ عهده 
    84- فارس إفرنجي يهزم أربعة من فرسان المسلمين 
    85- الأجل موقوت، لا يؤخره إحجام ولا يقدمه إقدام 
    86- شاهد آخر على إقدام الرجل بمفرده على الجمع الكثير 
    87- عم أسامة يفتدي أسيرة مسلمة كان تزوجها من أيدي الإفرنج 
    88- مثل ثالث على إقدام الرجل الواحد على الجمع الكثير 
    89- خذلان عسكر المسلمين بعد انتصارهم 119
    90- سبب الخذلان: خيانة لؤلؤ الخادم 
    91- خلاص أسرى الإفرنج في موقعة كفرطاب 
    92- مثل رابع: فارس واحد مسلم يدخل على قافلة من الإفرنج في مغارة 
    93- مثل خامس: رجل واحد يهجم على جمع من الجند 
    94- مثل سادس: رجل واحد يستولي على حصن 
    95- تفاضل الرجال في الهمم والنخوات: نخوة مكار نصراني 
    96- ووفاء بدوي 
    97- أسامة يفتدي من يقدر عليه من أسرى المسلمين 
    98- من عجائب السلامة في آمد 
    99- السلامة من لهاة الأسد 
    100- العقل وقت القتال: يحضر أم يغيب 
    101- ضرورة العقل في الحرب 
    102- ضرورة العقل خارج الحرب أيضاً 
    103- الحاجة إلى العقل في كل موضع 
    104- بالعقل تعمر البلاد 
    105- وبالعقل تحفظ البلاد عمرانها 
    106- صاحب بَدليس يحفظ عمران بلده بالعقل 
    107- وصاحب قلعة جعبر يحسن السياسة 
    108- الشجاعة والشدة لا تنفعان مع فراغ الأجل 
    109- ابن عم أسامة تكتب له النجاة على يد أسامة 
    110- إذا وقع لطف الله بالرجل عميت عنه عيون الأعداء 
    111- مثل آخر على لطف الله: مجهول يفك أسيراً مسلماً في ديار الروم 
    112- مثل ثالث على لطف الله العناية تصيب أسامة في موقف الشدة 
    113- بعض المسلمين يقاتل رغبة في الجهاد وحده 
    114- بعض المسلمين يقاتل للوفاء: فارس الكردي 
    115- ولد فارس ليس كأبيه 
    116- الحصان الصبور: حصان كامل المشطوب 
    117- أسامة يركب في بعض المعارك حصانين من هذا النوع الصبور 
    118- الحصان الخوّار يركبه أسامة في بعض معاركه أيضاً 
    119- عودة إلى الحصان الصبور: حصان طرّاد بن وهيب 
    120- أسامة يلبس عدته ويتقلد سيفه وينام 
    121- أسامة حاضر القلب في القتال 
    122- شاهد آخر على حضور قلبه في القتال 
    123- تربية أسامة البيتية: والده يحضه على ركوب الأخطار 
    124- مثل آخر: أسامة يقبل على الحية فلا ينهاه أبوه 
    125- أسامة يستقبل الأسد فينهاه أبوه 
    126- ولكن الناس أطوار، تسيّرهم أقدارهم: تركماني جسيم يقتله جرح بسيط 
    127- أيسر الأشياء يقتل عند فراغ الأجل: طحان تقتله لسعة زنبور 
    128- الفأل موكّل بالمنطق أحياناً: غلام يتنبأ بمصيره 
    129- أسامة يسترسل في خواطره: الأسد كالناس فيها الشجاع وفيها الجبان 
    130- خروف ينطح أسداً فيهزمه 
    131- وأسد يفر من كلب 
    132- هيبة الأسد على الحيوان مثل هيبة العقاب على الطير 
    133- عودة إلى أقدار الناس وأطوارهم: يقتل الأسد ثم تقتله عقرب صغيرة 
    134- أسامة يحدّث عن طباع الأسد 
    135- طباع النمور في القتال 
    136- نمر يجاهد الإفرنج 
    137- النمر لا يألف الناس 
    138- الفرق بين النمر والفهد: أما البَبْر فقد سمع عنه أسامة وما رآه 
    139- عودة إلى حديث الآجال لوقوع الأقدار: يوم ضرب الروم شيزر بالمنجنيق 
    140- شيخ من شيزر يصيبه حجر المنجنيق وهو يريق الماء! 
    141- ومكسور يصيبه حجر المنجنيق في وقت التجبير 
    142- ورجل يسعى إلى حتفه يوم قصد الفرنج دمشق 
    143- من عجائب هذا اليوم: رجل يحمل رأس أخيه 
    144- أسامة يسترسل في ذكرياته، فيذكر ضربة ضربها بسيفه يوم هجوم الإسماعيلية على شيزر 
    145- خبر هذا السيف 
    146- من ضربات السيوف المذكورة: ضربتان قاتلتان 
    147- أتابك طُغدُكين يضرب رقبة روبرت صاحب حصن صِهْيَون 
    148- بغدوين أمير أنطاكية يعرف الجميل 
    149- ابن ميمون يهاجم شيزر، فتقف بريكة تسقي الناس وقت القتال، دون خوف 
    150- بريكة تمارس السحر في المقابر 
    151- النساء يقاتلن في شيزر ويثرن غيرة الرجال 
    152- أم أسامة تفضل أن تموت ابنتها على أن تراها مأسورة 
    153- جارية عجوز تشارك في القتال 
    154- جدة أسامة وأصالة رأيها 
    155- عمرت مائة سنة وهي تصلي واقفة 
    156- امرأة مسلمة تقتل زوجها لخيانته 
    157- امرأة إفرنجية تنتصر لزوجها فتجرح فارساً مسلماً 
    158- امرأة مسلمة تأسر ثلاثة من عسكر الإفرنج 
    159- إفرنجية تؤثر أن تعيش مع إسكاف من قومها على أن تكون أميرة في ديار المسلمين 
    160- إفرنجي يرتد بعد إسلامه، ويلتحق هو وأهله بالإفرنج 
    161- الإفرنج بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال: مثلٌ من عجائب عقولهم 
    162- ومثلٌ من عجيب طبهم 
    163- مثلٌ آخر من جيد طبهم 
    164- مثلٌ من إنسانية بسطائهم في الطب 
    165- عشرة المسلمين تنفعهم، مثلٌ من جفاء أخلاقهم 
    166- عقولهم في نظر أسامة 
    167- لا نخوة عندهم ولا غيرة 
    168- إفرنجي يجد رجلاً في فراش زوجه 
    169- وآخر يطلب من الحمّامي أن يحلق لزوجه عانتها 
    170- وثالث يدخل ابنته معه حمّام الرجال 
    171- عودة إلى عجائب طبهم: يقتل المريض ليريحه 
    172- عودة إلى حديث محاربي الإفرنج: سباق العجائز 
    173- مثلٌ من عجيب حكمهم وقسوة أنفسهم: المبارزة 
    174- مثلٌ آخر من حكمهم في تجريم شاب مسلم 
    175- طول الإقامة في بلاد المسلمين تصلح من حال الإفرنج 
    176- عجائب القلوب: عم أسامة يخاف الفأرة، وغلامه يفزع من الحية 
    177- مملوك لوالد أسامة يخاف الحية أيضاً 
    178- المحارب الشجاع تعجزه أحياناً العوائق اليسيرة 
    179- على المحارب أن يتفقد عدة حصانه 
    180- عجائب الأقدار: أسامة يتأذى بضبع 
    181- خور القلوب: قائد يغشى عليه من النظر إلى جرح 
    182- ورجل يغشى عليه من الفصاد 
    183- صورة مضادة: رجل يطاعن الإفرنج برجل واحدة 
    184- رجل يستسقي فيشق بطنه ويخيطها 
    185- النصر من الله، لا بالترتيب والتدبير وكثرة النصير 
    186- فلاحٌ من شيزر يهجم على الإفرنجي، وليس معه عدة ولا سيف 
    187- أسيرة تفضل الغرق على الأسر 
    188- الترهيب والتخييل نافعان في الحرب أيضاً 
    189- مثل آخر على أن الخدعة في الحرب أنفع من القتال أحياناً، في الإغارة على إفرنج كفرطاب 
    190- قوة النفس قد تغري بالتفريط أحياناً 
    191- مثل آخر على التغرير بالنفس لقلة الخبرة بالحرب 
    192- وقد يكون التغرير بالنفس سببه حملها على ركوب الأخطار في الحرب 
    193- مثل آخر على الأقدام في الحرب: في حصار حصن البارعة 
    194- الغسياني يقتل الناس بلا حساب 
    195- مثلٌ آخر على قسوته وتجبره 
    196- مثلٌ آخر على استباحته أموال الناس وحدود الله 
    197- ما يفعل طول العمر بالرجال 
    198- ركوب الأخطار لا ينقص الأعمار 
    199- مثل آخر على أن الأجل حصنٌ حصين: ضربة كامل المشطوب 
    200- في بقاء أسامة أوضح معتبر 
    خاتمة الكتاب 
    الملحق في كتاب الاعتبار 
    بداية الملحق: في طُرَف أخبار الصالحين والمتطببين 
    1- الإمام أبو عبد الله محمد الطبري يقرأ المجهول 
    2- عبد الله بن القُبيس يسمع في الكوفة صوت الداعي من حماة ويلبيه 
    3- الشيخ محمد البستي يحقق أمنية من ظاهر الغيب 
    4- رجل يختصر المسافات ويتعدى الأزمان 
    5- من كرامات الإمام علي بن أبي طالب يشفي رجلاً في الحلم 
    6- ينكشف له المجهول وهو نائم 
    7- يرسله النبي صلى الله عليه وسلم برسالة إلى علي بن عيسى في الحلم، ينكشف فيها المجهول 
    8- رؤيا يشفي فيها الإمام علي بن أبي طالب رجلاً من الشلل 
    9- سلسلة من مواقف القدر المحبوكة، تتصل أولى حلقاتها بأخراها 
    10- رجل تشفيه، عن غير قصد، شربة بيض نيء 
    11- قيلة تُذهبها أكلة فراخ غربانٍ غذتها الأفاعي 
    12- أمثلة من حذق ابن بطلان الطبيب 
    أ- مريض بالاستسقاء يشفيه خلّ تتهرّأت في دنّه أفعيان 
    ب- إدراكه أمراض المهنة 
    ج- وقوفه على حقيقة المرض 
    د- يشفي نزلات البرد بالكافور 
    13- حذق الطبيب أبي الوفاء: يشفي الصفراء يأكل البطيخ الهندي 
    14- من عجائب الأحلام: مربية أسامة يشفيها حلم من ألم القولنج 
    نهاية الملحق في ما حضرته وشاهدته
    من الصيد والقنص والجوارح 
    مقدمة صغيرة 
    1- والد أسامة: نزهته الصيد 
    2- ما شهد أسامة من مشاهد الصيد مع عماد الدين زنكي 
    3- بعض مشاهد الصيد في دمشق مع واليها أيام السلاجقة 
    4- بعض مشاهد الصيد في مصر أيام الحافظ 
    5- مع الأمير معين الدين أُنر: باز نادر لم يحتمل الغربة 
    6- بعض مشاهد الصيد في حصن كيفا 
    7- مشاهد صيد في أرض حماة وحلب، مع نور الدين الشهيد 
    8- مشاهد الصيد وآلاته ومواضعه في شيزر، وتهيئة البزاة 
    9- إصلاح البزاة وترتيب ساعات الصيد وأنواعه 
    10- ترتيب مصادر البزاة وأساليب رعايتها في شيزر 
    11- عجائب أحد البزاة: اليحشور 
    12- فهدة نادرة من فهود الصيد في شيزر 
    13- ذكرى أبي عبد الله النحوي الطليطلي، سيبويه زمانه، وبعض مشاهد الصيد معه 
    14- شهرة باز من بزاة والده الفارهة 
    15- والده يصلح بازاً من بزاة الإفرنج، ويطلقه للصيد 
    16- صيد الشواهين، مع والده أيضاً 
    17- مشهد من صيد اليحشور من البزاة 
    18- مشهدان من مشاهد صيد الكلاب الزَّغاريّة 
    19- والده يتفرّج بصحبة الجوارح 
    20- مشاهد من انشغال والده بالصيد 
    21- يقظة والده وحسن إدراكه ونشاطه في الصيد 
    22- غارات الإفرنج لا تقطع والده عن الصيد 
    23- فعل الخيل العربية 
    24- بأس البراذين وشدة مراسها 
    25- شيخ يرق قلبه لحجلة كانت قاربت أن تنجو 
    26- نجاة أرنب عن طريق الرغبة في الفرجة 
    27- كلبة تلسعها حية في مجحر أرنب 
    28- الباز الرحيم 
    29- حميّة الوز السَّمند غير حمية الحُبارى 
    30- بسالة طير العَيْمة 
    31- من الأُسد الذليل 
    32- الفرجة على صيد السمك تعدل الفرجة على الصيد بالبزاة 
    33- غنائم البازيار: ظرفه وطول خبرته بالجوارح 
    34- فرس جيدة العدْو يقتلها الشكال 
    35- رجل يجهل قُدُرات الباز 
    36- صور مختلفة من منايا الحيوان 
    37- بأس الخنازير في الصيد 
    38- حيوية الكلاَّب بطرس 
    39- من عجائب الكلاب الزغارية 
    40- وصف صيد الصقور 
    41- كثافة الغزلان في أرض القلعة: قلعة جعبر 
    42- بعض مشاهد الصيد النادرة 
    خاتمة الملحق 
    سماع كتاب (الاعتبار) كله 
    قائمة المراجع 
    أعلام الأشخاص والمواضع والبلدان